خارطة الطريق لإصلاح التعليم 2022 -2026 .. بين وعود الإصلاح وتعثرات التنزيل
مجتمع

خارطة الطريق لإصلاح التعليم 2022 -2026 .. بين وعود الإصلاح وتعثرات التنزيل

رغم الطموح الكبير الذي تحمله خارطة الطريق لإصلاح المدرسة العمومية، فإن الواقع المدرسي ما يزال يكشف استمرار اختلالات بنيوية تعيق تحقيق الجودة المنشودة. فعدد كبير من المؤسسات التعليمية ما يزال يعاني النقائص والاختلالات، وضعف التجهيزات، ونقص الموارد البشرية، وهشاشة البنيات الأساسية.

وفي ظل هذه الظروف، يصبح تنزيل المقاربات الحديثة أمراً بالغ الصعوبة، لأن الأستاذ يجد نفسه أمام أقسام مهترئة ومتفاوتة المستويات، مما يحد من فعالية التتبع الفردي وجودة التحصيل والدعم التربوي.

وهكذا تستمر الهوة بين الخطاب المركزي الذي يتحدث عن الجودة والابتكار، وبين واقع يومي يفرض على الفاعل التربوي تدبير الإكراه أكثر من تدبير التعلم؛ إذ كيف لمدرسة ترفع شعار الجودة للجميع أن تدبر تعلماتها داخل أقسام يختنق فيها التعلم وتتعثر فيها الفروق الفردية؟

وكيف لخارطة طريق مثقلة بالمؤشرات والالتزامات أن تبلغ غاياتها، بينما الأستاذ يوزع الزمن المدرسي بين التقويم والدعم وتتبع التعثرات أكثر مما يوزعه بين الفهم والإقناع وبناء التعلمات؟

داخل الفضاء الصفي، حيث تختبر الممارسة البيداغوجية صدق الإصلاح، لا تكفي المذكرات ولا البلاغات، لأن الحقيقة تقاس هناك؛ في سبورة باهتة، وفي جذاذة تقاوم ارتباك التنزيل، وفي متعلم يبحث عن معنى التعلم وسط كثافة الشرائح الرقمية وهشاشة الشروط البيداغوجية واللوجستية.

ومن هنا، تبدو خارطة الطريق 2022–2026 مشروعاً معلقاً بين وعود التغيير وأسئلة الواقع المدرسي، بين مدرسة يراد لها الريادة، وممارسة يومية ما تزال تفاوض الإكراهات قبل أن تنتج الجودة.

تقديم عام

يشكل إصلاح التعليم في المغرب أحد أكثر الملفات تعقيداً واستنزافاً للزمن السياسي والتربوي، بالنظر إلى تعدد المشاريع التي تعاقبت على المدرسة العمومية دون أن تتمكن من تحقيق التحول العميق المنتظر.

فمن الميثاق الوطني للتربية والتكوين، إلى البرنامج الاستعجالي، ثم الرؤية الاستراتيجية 2015–2030، ظل السؤال نفسه يتكرر بإلحاح: لماذا تتعثر الإصلاحات رغم كثرة التشخيصات وتراكم التقارير؟

في هذا السياق، جاءت خارطة الطريق 2022–2026 باعتبارها محاولة جديدة لإعادة ترتيب أولويات المنظومة التعليمية، عبر التركيز على تحسين التعلمات الأساس، وتقليص الهدر المدرسي، والارتقاء بجودة المدرسة العمومية.

وقد قدمت هذه الخارطة نفسها بوصفها انتقالاً من منطق الإصلاح النظري إلى منطق النتائج القابلة للقياس، مع جعل الثالوث التربوي، التلميذ والأستاذ والمؤسسة، في صلب التحول المنشود.

غير أن أي مشروع إصلاحي لا يمكن تقييمه فقط من خلال بلاغاته الرسمية أو أهدافه المعلنة، بل من خلال أثره الحقيقي داخل القسم الدراسي والمؤسسة التعليمية.

فالممارسة اليومية تكشف أحياناً فجوة واسعة بين النصوص التنظيمية وواقع المدرسة المغربية، بما يحمله من اختلالات وهشاشة وضغط مهني وتفاوتات مجالية واجتماعية.

ومن زاوية الممارس البيداغوجي، تبدو خارطة الطريق تجربة تحمل مؤشرات إيجابية لا يمكن إنكارها، لكنها في المقابل تصطدم بإكراهات بنيوية عميقة ما تزال تحد من قدرتها على إحداث القطيعة المطلوبة مع أعطاب المنظومة.

لذلك، فإن تقييم هذه الخارطة يقتضي قراءة متوازنة ترصد ما تحقق من مكتسبات، وما بقي معلقاً من اختلالات، مع محاولة تفسير أسباب التعثر واقتراح مداخل عملية لإعادة الثقة إلى المدرسة العمومية.


أولاً: نتائج واعدة ومؤشرات إيجابية

1. إعادة الاعتبار للتعلمات الأساس

من أبرز التحولات التي جاءت بها خارطة الطريق تركيزها الواضح على التعلمات الأساس، خاصة في التعليم الابتدائي، بعد سنوات من تراجع مستوى التحكم في القراءة والكتابة والرياضيات.

وقد شكل هذا التوجه تحولاً مهماً مقارنة ببعض الإصلاحات السابقة التي اتسمت بالتوسع النظري دون تحديد دقيق للأولويات البيداغوجية.

وقد ساهم اعتماد آليات للتقويم التشخيصي (روائز الموضعة)، والدعم المكثف (التدريس حسب المستوى المناسب «طارل»)، في لفت الانتباه إلى التعثرات المبكرة لدى المتعلمين، مع محاولة توفير تدخلات علاجية أكثر انتظاماً.

كما أن التركيز على الكفايات الأساسية (التعليم الصريح) منح الأستاذ وضوحاً نسبياً في الأهداف التعليمية المعلنة داخل الفصل الدراسي.

ومن خلال الممارسة الصفية، بدا أن هناك وعياً متزايداً بضرورة الانتقال من الكم المعرفي إلى ضمان الحد الأدنى من التعلمات الضرورية، وهو تحول مهم إذا تم دعمه بشرائح الدروس الرقمية المخففة وبشروط تنزيل حقيقية.

2. تجربة مؤسسات الريادة

أثارت مؤسسات الريادة نقاشاً واسعاً بين مؤيد يرى فيها مدخلاً لتجديد المدرسة العمومية، ومنتقد يعتبرها مشروعاً انتقائياً قد يعمق الفوارق بين المؤسسات.

غير أن هذه التجربة، رغم الجدل، قدمت نموذجاً مختلفاً في التدبير التربوي، قائماً على التتبع المستمر والتأطير المكثف وتحسين الزمن المدرسي.

وقد أظهرت بعض المؤسسات المستفيدة تحسناً نسبياً في التعلمات والانضباط المدرسي، بفضل انخراط عدد من الأطر التربوية والإدارية في المشروع.

كما أن التجربة أعادت النقاش حول فعالية المؤسسة التعليمية وربط المسؤولية بالنتائج، بدل الاكتفاء بالتدبير الروتيني التقليدي.

ومن زاوية الممارسة البيداغوجية، فإن أهمية التجربة تكمن في كونها أعادت الاعتبار للمواكبة الصفية وللتخطيط الدقيق للتعلمات، بعد سنوات من هيمنة التدبير الإداري البحت.

نعم، يمكن القول إن تجربة مؤسسات الريادة أفرزت مؤشرات إيجابية أولية، خاصة على مستوى إعادة الاعتبار للتعلمات الأساس في القراءة والكتابة والرياضيات، وتوفير مواكبة بيداغوجية أكثر انتظاماً للتلاميذ، واعتماد أدوات للتقويم والدعم التربوي تساعد على تتبع التعثرات ومعالجتها بشكل أسرع.

كما أسهمت في تعزيز ثقافة العمل بالمؤشرات والنتائج داخل المؤسسة التعليمية، ودفعت نحو انخراط أكبر لهيئة التدريس في مشاريع تحسين التعلمات.

3. تعزيز الرقمنة والتحديث الإداري

شهدت السنوات الأخيرة تطوراً نسبياً في مجال الرقمنة داخل المنظومة التعليمية، سواء من خلال المنصات الرقمية أو تدبير المعطيات المدرسية أو التواصل المؤسساتي.

وقد ساعدت هذه الإجراءات في تسهيل بعض العمليات الإدارية والتربوية، خاصة ما يتعلق بالتقويم وتتبع المسار الدراسي.

كما أن حضور الموارد الرقمية داخل العملية التعليمية، رغم محدوديته، فتح المجال أمام تحديث بعض الممارسات البيداغوجية وربط المدرسة بالتحولات الرقمية المتسارعة التي يعرفها العالم.

4. إعادة النقاش حول مكانة الأستاذ

رغم التوترات الاجتماعية التي رافقت تنزيل النظام الأساسي الجديد (2.24.140، فبراير 2024)، فإن المرحلة الأخيرة أعادت النقاش بقوة حول موقع الأستاذ داخل الإصلاح التربوي.

فقد أصبح واضحاً أن أي تحول حقيقي لا يمكن أن يتم دون تحسين ظروف اشتغال المدرسين وتأهيلهم مهنياً ومعرفياً.

وقد شهدت المرحلة توسيع برامج التكوين المستمر (زمن الدورة 9 أيام)، والمواكبة التربوية (منسق لكل مادة تعليمية على صعيد المؤسسة)، مع محاولة تطوير أدوار التأطير والإرشاد والمصاحبة.

ورغم محدودية أثر بعض هذه البرامج، فإن العودة إلى سؤال الممارسة الصفية والتكوين المستمر تمثل في حد ذاتها مؤشراً إيجابياً داخل مسار الإصلاح.


ثانياً: تعثرات ما تزال قائمة

1. الفجوة بين خطاب الإصلاح وواقع المدرسة

رغم الطموح الكبير الذي تحمله خارطة الطريق، فإن الواقع المدرسي ما يزال يكشف استمرار اختلالات بنيوية تعيق تحقيق الجودة المنشودة.

فعدد كبير من المؤسسات التعليمية ما يزال يعاني الاكتظاظ، وضعف التجهيزات، ونقص الموارد البشرية، وهشاشة البنيات الأساسية.

وفي ظل هذه الظروف، يصبح تنزيل المقاربات الحديثة أمراً بالغ الصعوبة، لأن الأستاذ يجد نفسه أمام أقسام مكتظة ومتفاوتة المستويات، مما يحد من فعالية التتبع الفردي والدعم التربوي.

وهكذا تستمر الهوة بين الخطاب المركزي الذي يتحدث عن الجودة والابتكار، وبين واقع يومي يفرض على الفاعل التربوي تدبير الإكراه أكثر من تدبير التعلم.

2. ضغط الزمن المدرسي والإرهاق المهني

من الإشكالات التي برزت بقوة خلال تنزيل الإصلاح تضخم الأعباء المرتبطة بالتتبع والتقويم والوثائق الإدارية، وهو ما خلق شعوراً متزايداً بالإرهاق المهني لدى عدد من المدرسين.

ويواجه الأستاذ ضغطاً زمنياً متزايداً نتيجة تراكم الحصص الدراسية، والمهام الإدارية، والتكوينات، وتتبع المشاريع، مما ينعكس على جودة الأداء ويزيد من الإرهاق المهني والنفسي.

لذلك، أصبح تخفيض ساعات العمل مطلباً تربوياً قبل أن يكون مطلباً اجتماعياً، لأنه يتيح للأستاذ وقتاً للإعداد الجيد للدروس، والتقويم، والتطوير المهني، ويعزز توازنه النفسي، بما ينعكس إيجاباً على جودة التعلمات ونجاح تنزيل مشاريع الإصلاح.

فالأستاذ لم يعد مطالباً فقط بالتدريس، بل أصبح مطالباً أيضاً بإنتاج تقارير ومؤشرات وتعبئة منصات متعددة، في وقت يعاني فيه أصلاً ضغطاً زمنياً واكتظاظاً داخل الأقسام.

وقد أثر ذلك بشكل مباشر على جودة الأداء البيداغوجي وعلى التوازن النفسي والمهني للفاعلين التربويين.

3. محدودية أثر التكوين: دورات قصيرة ومواكبة ضعيفة

رغم كثافة التكوينات المرتبطة بخارطة الطريق مركزياً، فإن أثرها داخل الممارسة الصفية ما يزال محدوداً في كثير من الأحيان.

ويعود ذلك إلى طغيان الطابع النظري والاستعجالي على عدد من هذه التكوينات، مقابل ضعف المواكبة الميدانية والتأطير المستمر.

فكثير من الأساتذة يجدون أنفسهم أمام مفاهيم ومقاربات جديدة دون توفير شروط حقيقية لتمثلها وتطبيقها داخل واقع القسم الدراسي.

أولى مظاهر هذه المحدودية تتمثل في غلبة الطابع النظري على كثير من برامج التكوين الأساس.

فالمتدرب يقضي ساعات طويلة في دراسة المفاهيم والمقاربات البيداغوجية، لكنه يجد نفسه أمام واقع القسم محاصراً بإكراهات لم يتدرب عليها بشكل كافٍ: الاكتظاظ، والتفاوتات الفردية، وصعوبات التعلم، وتدبير السلوك، والتعامل مع التكنولوجيا.

وهكذا تظهر فجوة واضحة بين ما يُلقَّن داخل مراكز التكوين وما يعيشه الأستاذ داخل الفصل الدراسي.

أما التكوين المستمر، الذي يفترض أن يكون رافعة للتطوير المهني مدى الحياة، فإنه يعاني بدوره من اختلالات متعددة.

فكثير من الدورات التكوينية تأتي مرتبطة بتنزيل مشروع أو مذكرة أو مستجد بيداغوجي، فتتحول إلى لقاءات ظرفية أكثر منها مسارات مهنية مستدامة.

وفي أحيان كثيرة يغيب التشخيص الدقيق للحاجات الحقيقية للمدرسين، فيتلقى الجميع التكوين نفسه رغم اختلاف التخصصات والخبرات والسياقات.

ومن مظاهر القصور أيضاً ضعف آليات التتبع والتقويم. فبعد انتهاء التكوين، لا توجد في الغالب مؤشرات دقيقة لقياس مدى انتقال أثره إلى الممارسة الصفية.

هل تغيرت طرائق التدريس؟ هل تحسنت نتائج المتعلمين؟ هل اكتسب الأستاذ كفايات جديدة؟

أسئلة تبقى غالباً دون أجوبة موضوعية، مما يجعل التكوين نشاطاً معزولاً عن منطق المردودية والأثر.

ولا يمكن الحديث عن محدودية أثر التكوين دون استحضار الظروف المهنية للمدرس.

فالأستاذ الذي يشتغل في أقسام مكتظة، ويواجه أعباء إدارية متزايدة، ويُطالب بإنجاز عشرات المهام الموازية، قد يجد صعوبة في استثمار ما تلقاه من تكوين.

فالتكوين وحده لا يصنع التغيير إذا لم تصاحبه بيئة مهنية محفزة وشروط عمل مناسبة.

كما أن الثقافة المهنية السائدة أحياناً تنظر إلى التكوين باعتباره واجباً إدارياً أو محطة للحصول على شهادة المشاركة، بدل اعتباره فرصة حقيقية للتطوير الذاتي.

وعندما يغيب الحافز المعنوي أو المهني، يتحول التكوين إلى إجراء شكلي لا يترك أثراً عميقاً في الممارسة.

4. استمرار التفاوتات المجالية والاجتماعية

ما تزال المدرسة المغربية تعاني تفاوتات واضحة بين المجالين الحضري والقروي، سواء من حيث البنيات أو الموارد أو ظروف التعلم.

فبينما تستفيد بعض المؤسسات من مشاريع نموذجية وتجهيزات حديثة، ما تزال مؤسسات أخرى تفتقر إلى الحد الأدنى من شروط العمل التربوي.

كما أن الفقر والهشاشة الاجتماعية ما يزالان يؤثران بشكل مباشر على فرص التمدرس وجودة التعلمات، مما يجعل مبدأ تكافؤ الفرص بعيداً عن التحقق الكامل.


ثالثاً: المحددات المفسرة للاختلالات

1. هيمنة المقاربة التقنية على البعد التربوي

إن المقصود بهيمنة الجانب التقني والإداري هو أن يصبح اهتمام المنظومة منصباً على استكمال الإجراءات الشكلية أكثر من الاهتمام بجوهر العملية التعليمية.

فحين يُقاس نجاح الأستاذ بعدد الاستمارات التي أنجزها، أو المعطيات التي أدخلها إلى المنصات الرقمية، أو التقارير التي رفعها، تتراجع مكانة التخطيط البيداغوجي (يستقبل الدرس)، والإبداع في التدريس (يمرر فقط)، ومواكبة المتعلمين (يعالج بعد تراكم التعثرات).

وبذلك يتحول الأستاذ تدريجياً من ممارس للتربية والتعليم إلى منفذ لإجراءات تنظيمية (تقني غير متخصص)، في حين أن الإصلاح الحقيقي يقتضي أن تبقى الإدارة في خدمة الفعل التربوي، لا أن يصبح الفعل التربوي تابعاً لها.

ويبدو أن جزءاً من الإصلاحات التربوية بالمغرب أصبح خاضعاً لمنطق المؤشرات والأرقام أكثر من خضوعه لمنطق بناء الإنسان.

فالإفراط في لغة الجودة والتقارير قد يحول العملية التعليمية إلى ممارسة تقنية جامدة، تغيب عنها الأبعاد القيمية والثقافية والتكوينية.

فالمدرسة ليست فقط فضاء لإنتاج البيانات وجداول الأرقام، بل مؤسسة لصناعة الوعي والمواطنة وبناء الشخصية المتوازنة.

2. ضعف إشراك الممارس البيداغوجي

رغم الحديث عن المقاربة التشاركية، فإن عدداً من الأساتذة ما يزالون يشعرون بأنهم منفذون لقرارات مركزية جاهزة أكثر من كونهم شركاء حقيقيين في صناعة الإصلاح.

وهذا الإحساس يضعف منسوب الانخراط المهني، لأن الإصلاح الذي لا يصغي لخبرة الممارس اليومي يبقى معرضاً للارتباك عند التنزيل.

ولمزيد من التوضيح، يظل ضعف إشراك الفاعلين التربويين في الميدان من أبرز التحديات التي تواجه إنجاح الإصلاح.

فالأستاذ، والمدير، والمفتش، باعتبارهم الأقرب إلى واقع المدرسة، يمتلكون خبرة عملية قادرة على تجويد السياسات التربوية وتكييفها مع خصوصيات المؤسسات.

غير أن محدودية قنوات التشاور تجعل كثيراً من القرارات تُنزَّل دون نقاش مهني كافٍ، مما يضعف الانخراط فيها.

لذلك، فإن توسيع المشاركة والإنصات إلى الفاعلين الميدانيين يعد شرطاً أساسياً لإصلاح مستدام وذي أثر ملموس.

3. عدم الاستفادة من تراكمات الإصلاح

تعاني المنظومة التعليمية من تواتر المشاريع والإجراءات بشكل متسارع، مما يخلق حالة من عدم الاستقرار داخل المدرسة.

فكل مرحلة تأتي بخطاب جديد وأولويات جديدة، دون منح الزمن الكافي لتقييم المشاريع السابقة أو ترسيخها.

وهذا الوضع يولد نوعاً من الإرهاق المؤسساتي وفقدان الثقة في استمرارية الإصلاحات.

ونقصد بعدم الاستفادة من تراكمات الإصلاح غياب آلية مؤسساتية تجعل كل إصلاح جديد امتداداً واعياً لما سبقه.

فبدل تحليل نتائج البرامج السابقة، واستخلاص الدروس من نجاحاتها وإخفاقاتها، وتثمين الخبرات التي راكمها الفاعلون الميدانيون، يجري أحياناً الانتقال إلى مشاريع جديدة بمنطق القطيعة أو التجاوز.

ونتيجة لذلك، تُهدر معارف مهنية وتجارب قيمة، وتتكرر بعض الصعوبات نفسها، مما يضعف نجاعة الإصلاح ويؤخر تحقيق أهدافه.

إن الإصلاح الرشيد هو الذي يجعل التراكم والتقييم والتقويم المستمر أساساً للتطوير، لا مجرد تعاقب لمبادرات متفرقة.

4. التأثر بالسياق الاقتصادي والاجتماعي

لا يمكن تحميل المدرسة وحدها مسؤولية كل الاختلالات، لأن المنظومة التعليمية تتأثر بشكل مباشر بالسياق الاجتماعي والاقتصادي العام.

فالفقر والهشاشة وضعف الرأسمال الثقافي للأسر عوامل تؤثر على التعلمات وعلى نسب الهدر والانقطاع المدرسي.

والمقصود بتأثر الإصلاح التربوي بالسياق السياسي والاقتصادي هو أن وتيرة تنفيذه ومجالاته تتأثر بالمتغيرات الداخلية والخارجية التي لا ترتبط بالمنظومة التعليمية وحدها.

فتغير الحكومات أو الأولويات العمومية، والضغوط الاقتصادية، والأزمات المالية، قد يؤدي إلى إعادة ترتيب الأولويات، أو تأجيل بعض المشاريع، أو تقليص الموارد المخصصة لها.

ويجعل هذا التأثر الإصلاح أقل استقراراً، ويحد من قدرته على تحقيق أهدافه وفق الوتيرة والخطط المرسومة.

لذلك، فإن إصلاح التعليم يظل محدود الأثر إذا لم يندمج ضمن رؤية تنموية شاملة تعالج الاختلالات الاجتماعية الموازية.


رابعاً: مداخل العمل من أجل مدرسة ذات جودة للجميع

1. إعادة الاعتبار للأستاذ بالتقدير والتكريم

يشكل الأستاذ حجر الزاوية في أي إصلاح تربوي، ولذلك فإن تحسين وضعه المهني والمادي والمعنوي يمثل مدخلاً أساسياً لاستعادة الثقة في المدرسة العمومية.

فالإصلاح الحقيقي يبدأ من القسم الدراسي، ولا يمكن أن يتحقق في ظل شعور متزايد بالإرهاق وفقدان التقدير.

كما أن تطوير التكوين الأساس والمستمر، وربطه بالحاجات الفعلية للممارسة الصفية، يعد شرطاً ضرورياً لبناء كفايات مهنية قادرة على مواكبة التحولات التربوية.

2. تقليص الفوارق المجالية والسوسيو-اقتصادية

إن تحقيق مدرسة الجودة للجميع يقتضي تجاوز مدرسة السرعتين بالاستثمار بشكل أكبر في العالم القروي والمناطق الهشة، وذلك عبر تحسين البنيات، وتوفير النقل والإطعام والإيواء المدرسي، وضمان الحد الأدنى من شروط التعلم الكريم.

كما أن دعم الأسر الهشة ومحاربة الفقر المدرسي يعدان جزءاً أساسياً من معركة الحد من الهدر والانقطاع الدراسي.

3. منح المؤسسة التعليمية استقلالية أكبر

تحتاج المدرسة المغربية إلى الانتقال من التدبير المركزي الصارم إلى نموذج يمنح المؤسسة التعليمية هامشاً أوسع من المبادرة والقرار للفريق التربوي ومجلس التدبير، عبر المشروع المندمج للمؤسسة.

فالمؤسسة القريبة من الواقع أقدر على تشخيص مشاكلها واقتراح الحلول الملائمة لها.

كما أن تعزيز الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة يمكن أن يسهم في تحسين الأداء التربوي والإداري.

4. مراجعة البرامج والمناهج

ما تزال المقررات الدراسية تعاني أحياناً من التضخم المعرفي وضعف الارتباط بحاجات المتعلم والمجتمع.

لذلك، فإن مراجعة المناهج ينبغي أن تتجه نحو تبسيط المضامين، وتعزيز التفكير النقدي، وربط التعلمات بالكفايات الحياتية والرقمية.

فالمدرسة الحديثة مطالبة بإعداد متعلم قادر على التفاعل مع عالم سريع التحول، لا مجرد حافظ للمعلومات.

5. بناء شراكة مجتمعية داعمة للمدرسة

إن إعادة الثقة إلى المدرسة العمومية تحتاج إلى تعبئة مجتمعية شاملة تعيد الاعتبار للتعليم باعتباره قضية وطنية استراتيجية.

فالأسرة والإعلام والمجتمع المدني والجماعات الترابية شركاء أساسيون في دعم المدرسة وإنجاح أدوارها التربوية.

6. ضمان استمرارية الإصلاح

إن نجاح أي إصلاح تربوي يقتضي نفساً طويلاً واستقراراً في الاختيارات، بعيداً عن التغييرات المتسرعة والتجريب المستمر.

فالمدرسة تحتاج إلى تراكم هادئ وإنصات للفاعلين في الميدان، يسمح بتقييم السياسات وتقويمها بشكل موضوعي ومستدام.


في سبيل الختم.. الإرادة والثقة والوطنية ممكنات ورش إصلاح تربوي مغاير

تكشف خارطة الطريق 2022–2026 عن إرادة واضحة لإعادة تحريك ورش إصلاح التعليم بالمغرب، كما تحمل في طياتها مؤشرات إيجابية مرتبطة بتحسين التعلمات الأساس، وتطوير التدبير التربوي، وإعادة النقاش حول مكانة الأستاذ والمؤسسة التعليمية.

غير أن هذه الإرادة ما تزال تصطدم بإكراهات بنيوية عميقة، تتعلق بالاكتظاظ، وضعف الإمكانات، والتفاوتات المجالية، وضغط الممارسة اليومية داخل المدرسة العمومية.

ولذلك، فإن نجاح الإصلاح لا يمكن أن يتحقق فقط عبر إنتاج وثائق جديدة أو مؤشرات رقمية، بل عبر بناء رؤية تربوية مستقرة تجعل الإنسان في قلب العملية التعليمية.

ومن زاوية الممارس البيداغوجي، يبدو أن التحدي الحقيقي يتمثل في الانتقال من إصلاح يدار من أعلى إلى إصلاح ينبع من واقع القسم الدراسي، ويستثمر خبرة الفاعلين التربويين، ويمنح المدرسة العمومية ما تحتاجه من ثقة واستقرار وإمكانات.

فالمدرسة المغربية ليست في حاجة إلى إصلاح موسمي جديد، بقدر حاجتها إلى مشروع وطني طويل النفس، يؤمن بأن جودة التعليم ليست امتيازاً لفئة محدودة، بل حق جماعي وأساس كل تنمية حقيقية.

في النهاية، لا تُقاس قيمة الإصلاح بعدد المخططات المعلنة، ولا بوفرة المؤشرات المرقمنة، بل بقدرته على أن يصل إلى القسم الدراسي دون أن يفقد روحه بين دهاليز التنزيل وتعقيدات التدبير.

فالمدرسة العمومية لا تطلب معجزات خطابية، بل تحتاج إنصافاً في الوسائل، واستقراراً في الرؤية، وإنصاتاً حقيقياً لنبض الممارسة الصفية، حيث يواجه الأستاذ يومياً أسئلة التعثر والاكتظاظ والهدر بصبر يتجاوز حدود الوظيفة إلى معنى الرسالة.

لقد كشفت خارطة الطريق 2022–2026 أن الإصلاح ممكن حين تتوفر الإرادة، لكنه يظل ناقصاً حين يُصاغ من أعلى أكثر مما يُبنى من عمق الميدان.

وبين طموح مدرسة الريادة وواقع المؤسسات الهشة، ما تزال المدرسة المغربية معلقة بين وعد الجودة وقلق الواقع، تنتظر إصلاحاً يعيد الاعتبار للمتعلمين والأساتذة معاً، لا إصلاحاً يكتفي بتدوير الشعارات وتغيير المصطلحات.

ولعل الحكومة المقبلة ستكون مطالبة، أكثر من أي وقت مضى، بأن تنصت لا إلى التقارير وحدها، بل إلى صوت الميدان، صوت السبورة، وإرهاق الجذاذات، وصمت الأقسام المشتركة، وأسئلة المدرسين والتلاميذ والتلميذات الذين تعبوا من كثرة الخرائط والكراسات وقلة الوصول.

فإصلاح التعليم لن يتحقق بسباق البرامج، بل ببناء ثقة وطنية جديدة تجعل المدرسة العمومية فضاءً للكرامة والمعرفة، لا مجرد ورش مؤجل بين حكومة راحلة وأخرى قادمة…

أستاذ مهتم بالشأن البيداغوجي – مديرية المضيق الفنيدق