رئيس جماعة تارودانت سابقا
منتدى العمق

المغرب وطننا.. والتقدمية سياستنا والاتحاد بيتنا

نتفق، نختلف، نتوافق، والروح الأخوية والرفاقية تجعلنا نثمن المشترك ونحترم الرأي والمواقف، تطابقت أو اختلفت أو تناقضت. وقاعدة كل ذلك هي التاريخ الوطني والنضالي والفكري لليسار المغربي وحزب القوات الشعبية.

إن ما عاشه أساتذتنا وزعماؤنا وكبراؤنا، منذ العمل الوطني والمقاومة المسلحة ضد الاحتلال الفرنسي والإسباني إلى أوائل السبعينات، وما عاشه جيلنا من أواسط السبعينات بالقطاع الطلابي زمن القيادة التاريخية إلى الأمس القريب، من اتفاق وتدافع واختلاف واجتماع وتباعد، ومن قرار البقاء في الحزب إلى خيار المغادرة، مع الإقرار بأن الأسرة الاتحادية هي الأصل وهي الأساس المشترك نضاليا وفكريا.

حيث نجدهم حاضرين في أنشطة وبرامج تواصلية لقدماء الشبيبة الاتحادية وقدماء النقابيين، والالتقاء في الجنائز. وبطبيعة الحال، القلوب عند بعضها في العلن أحيانا وفي السرائر أحيانا أخرى.

والرغبة الإيجابية جعلت العديد يرجعون إلى بيتهم الكبير الذي يسع الجميع، بإعمال الديمقراطية والحكمة والحكامة، مع التواضع النضالي الضامن لتقوية الصفوف وميزان القوى بين المدافعين عن الوطن والشعب، في مواجهة أصحاب المصالح والريع والتغول والمناهضين للحريات والديمقراطية والعدالة في كل المجالات، بعد أن أسسوا أحزابا ونقابات وشاركوا في قيادتها.

ونستحضر مقولة القائد التاريخي سي عبد الرحيم بوعبيد: «أرض الله واسعة»، موجها جزءا من خطابه للمعارضة الداخلية التي اعتبرت مواقفها معطلة ومهددة لمستقبل الحزب.

وهو، كما يعرفه من عاصره وعايشه، لا يقصد الإقصاء بقدر ما يسعى إلى ضبط وحماية الاختلاف، وتقوية الديمقراطية الداخلية، واعتماد التوافقات الإيجابية بترجيح رأي الأغلبية التنظيمية، والحفاظ على التلاحم المحقق لاستمرار وجود حزب القوات الشعبية، الذي هو مثل المجتمع بالتنوع الذي لا يمكن اختزاله في رأي واحد وعقلية ومرجعية فريدة.

لقد عمل بتلك القاعدة أيضا من اختلفوا مع سي عبد الرحيم بوعبيد، ومع من قاد بعده العمل الحزبي أو العمل النقابي وحتى العمل الجمعوي، وحتى من التحقوا بتنظيمات أخرى أو أسسوا أحزابا جديدة.

لقد عشنا جميعا محطات نضالية كان لها الأثر الكبير على الوطن، من مقاطعة ورفض بعض المواقف الرسمية للدولة، بما فيها الدساتير، والموقف الرافض للاستفتاء في الصحراء، والمعارضة القوية للسياسات والإجراءات الحكومية التي تمس بالحقوق والحريات العامة ومستوى العيش، إلى خوض المواجهات المختلفة باصطفاف مع الجماهير الشعبية من عمال وفلاحين وتلاميذ وطلبة.

إلى فترات استراحة اقتطعت منها أزمنة للمشاركة في حكومات، بتعليلات وأسباب مختلفة يعتبرها البعض موضوعية، والغير يراها غير ذلك، من مثل:

  • العمل المشترك الذي يخص الوحدة الترابية للوطن.
  • ملف الوحدة مع ليبيا.
  • مرحلة اتحاد المغرب العربي.
  • الكتلة الوطنية بشعار: «الديمقراطية طريق وحيد للأجيال الصاعدة لبناء المستقبل».
  • الكتلة الديمقراطية والمرشح المشترك في الانتخابات التشريعية سنة 1993 بين حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي.
  • حكومة التناوب، فالمشاركة في حكومة جطو الأولى والثانية لضمان استمرار الأوراش الكبرى، ثم حكومة عباس الفاسي، إلخ.

وحصل نفس الشيء عند بعض رفاقنا في اليسار الذين كانوا منتقدين ورافضين لأية مشاركة مع الدولة في التسيير والتدبير ترابيا وحكوميا، مع العلم أن العديد منهم، رغم مواقفهم السياسية الصارمة، كانوا مسؤولين إداريين يمثلون قطاعات حكومية.

ومنهم من ساهم بشكل جلي في إحداث حركة لكل الديمقراطيين أوائل الألفية الثانية، والتي تحولت إلى حزب قبل 2011، إلا أن الربيع الديمقراطي وبعض شعاراته غيرت مسار وشكل وتركيبة نتائج الاستحقاق التشريعي، ليساير رياح الشرق اليمينية «التقليدية».

حيث كانت عندنا كنتائج واختيار انتخابي، في حين أن باقي دول شرق المغرب انجرفت إلى صراعات دموية أفرزت ديكتاتوريات جديدة، دمرت كل مكتسبات العمل الوطني التاريخي فيها، كما فككت مسارات نضالية أصيلة في العديد من الدول، والتي لا زالت رهينة ظلم وطغيان الحاكمين، غايتهم محو كل التاريخ الحقوقي والثوري والنضالي والتقدمي.

إن الاتحاد لا يلزم الناس بالانخراط في تنظيماته، لكنه منفتح على الجماهير الشعبية، كما أنه يرجح باستمرار فتح أبواب الانخراط وتشجيع التوافقات المنطقية والمصالحات.

ولا يفرض على الهيئات السياسية مرجعياته، ولا يكره من انخرط في الحزب على البقاء فيه كمنتظم، أو عند تغيير قناعاته، أو عند المغادرة الطوعية.

إن الاتحاد هو للقوات الشعبية، يعتمد التواصل والتشاور والتعاون والنضال والعمل المشترك لإيجاد أية صيغة إيجابية لتوحيد الصفوف، واعتماد مقاربات فكرية رحبة تيسر تقوية الوحدة النضالية بالأهداف والغايات المتوافق عليها، مع العمل على إنضاج وملاءمة القضايا التي فيها اختلاف أو تباين.

والعمل على تقوية الاستراتيجيات وبناء البرامج التنموية المندمجة التي تستجيب لمطالب وحاجيات الشعب، بما يحقق العدالة الاقتصادية والاجتماعية المهيكلة مجاليا وترابيا، لجعل الدولة المغربية من بين مصاف الدول المتقدمة عالميا.

إن السياسة، كما يقال، هي فن الممكن والمقدور عليه، وهي طرق تفرض على الجميع التشبع بالوطنية الصادقة التي يسعى أصحابها إلى كل ما فيه مصلحة الشعب والوطن والدولة.

إن من مسؤولياتنا، كما قال عبد الرحيم بوعبيد في رسالة صوتية للحزب قبيل وفاته:

«أنا على يقين بأن المهام التي رسمناها لأنفسنا، إما في الدفاع عن حوزة بلادنا أو في عمل الإصلاح الجذري، ما يحتاج إلى الإصلاح الجذري وما يمكن إصلاحه جذريا في بلادنا. إن هذه المهام هي قدرنا لتكون الديمقراطية ومبادئها دائما نصب أعين المناضلين صباح مساء، حتى تفرض مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان… لذلك أيها الإخوة، هذه المهمة الشريفة التي أخذنا على عاتقنا إلا أن نقوم بها، خدمة للبلاد، خدمة للحقيقة، خدمة للإنسانية والديمقراطية، خدمة للعدالة الاجتماعية…»

وقال عمر بنجلون في المؤتمر الاستثنائي:

«… إن الفكر التقدمي منطلقه ومنتهاه التفاؤل، وإلا فلن يبقى مبرر للنضال. ولن يبقى كذلك مبرر للنضال إذا ادعينا احتكار الحقيقة. لذلك فلزوما أن نعتبر مجهودنا هذا بداية في التوضيح، وأن تبقى عقيدتنا متفتحة وقابلة للتغيير والاستفادة من الدروس والتجارب. أما حكاية المثالية والواقعية، فإنها جزء من أساليب التضليل…».