آلاف التونسيين يحتشدون في مسيرة حاشدة بالعاصمة للمطالبة برحيل السلطة واستعادة الحريات
خارج الحدود

آلاف التونسيين يحتشدون في مسيرة حاشدة بالعاصمة للمطالبة برحيل السلطة واستعادة الحريات

شهدت العاصمة التونسية، اليوم السبت، خروج واحدة من أضخم المسيرات الاحتجاجية خلال السنوات الأخيرة، بمشاركة آلاف المواطنين المنتمين إلى قوى نقابية ومدنية وسياسية معارضة، حيث رفعت الجماهير شعارات قوية تطالب برحيل السلطة الحالية وإسقاط ما وصفته بمنظومة الفشل، إلى جانب المطالبة الملحة بضمان استقلالية القضاء، واحترام الحقوق والحريات الأساسية، والإفراج الفوري عن الموقوفين على ذمة قضايا ذات طابع سياسي وحقوقي ومدني، وفق ما أورده موقع الجزيرة نت.

وانطلقت الحشود الغاضبة من ساحة محمد علي قبالة المقر المركزي للاتحاد العام التونسي للشغل، مرورا بساحة الجمهورية، قبل أن تستقر في شارع الحبيب بورقيبة الرمزي، حيث تجمهر المشاركون لرفع لافتات تدعو إلى احترام العمل النقابي، وتوفير شروط المحاكمات العادلة، معبرين عن رفضهم القاطع لأي تضييق يطال مساحة الحريات العامة في البلاد.

وشارك في هذا التحرك الميداني الواسع ممثلون عن منظمات وطنية وفعاليات من المجتمع المدني، إضافة إلى تشكيلات سياسية معارضة، مما أفرز مشهدا جامعا لمطالب تتقاطع فيها الأبعاد السياسية والحقوقية والاجتماعية، وصولا إلى القضايا البيئية، وعلى رأسها المطالبة بوضع حد للتلوث في مدينة قابس والعمل على تفكيك وحدات المجمع الكيميائي بالمنطقة.

ودعا الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل، صلاح الدين السالمي، في كلمة ألقاها أمام المتظاهرين وسط شارع الحبيب بورقيبة، إلى ضرورة توحيد الصفوف في هذه المرحلة الدقيقة، معتبرا أن الصمت لم يعد خيارا مقبولا، وأن الاعتماد على الترهيب لا يمكن أن يؤسس لسياسة حكم ناجعة، ومؤكدا في الوقت ذاته أن نزول المحتجين إلى الشارع جاء نتيجة شعور عام بأن الانتظار لم يعد ممكنا.

وشدد المسؤول النقابي ذاته على أهمية أن ترتقي تونس إلى مصاف الدول التي تحترم مواطنيها وتضمن استقلالية جهازها القضائي، داعيا إلى بناء اقتصاد قوي يفتح آفاقا رحبة أمام الشعب، وتأسيس نظام حكم يخضع بشكل فعلي لمبادئ المساءلة والشفافية.

وانتقد المتحدث ما اعتبره خيارات سياسية خاطئة وتوجهات شعبوية طبعت المرحلة السابقة، مشيرا إلى أن حصيلة السنوات الخمس التي تلت الإجراءات الاستثنائية المتخذة في 25 يوليوز 2021 لم ترق إلى مستوى التطلعات ولم تحقق النتائج التي وعد بها التونسيون.

وأضاف السالمي، وفق المصدر الإعلامي ذاته، أن الشعارات المرفوعة إبان تلك الفترة تلاشت وتآكلت مع مرور السنوات، مسجلا تعرض الحياة السياسية في البلاد لعملية تجريف ممنهجة تزامنت مع تهميش ملحوظ للأحزاب السياسية والمنظمات الوطنية الفاعلة في المشهد العام.

وأكد الأمين العام للاتحاد أن التونسيين معنيون بحل مشاكلهم الداخلية بأنفسهم، معبرا عن رفضه التام لتحويل بلاده إلى مجرد حارس للحدود الإقليمية لدول أخرى، أو جعلها ورقة تفاوض تناقش مصيرها قوى خارجية لا تضع مصلحة تونس ضمن أولوياتها.

وقال الأمين العام لحزب العمال التونسي، حمة الهمامي، في تصريح أدلى به للجزيرة نت، إن هذه المسيرة الحاشدة تأتي كنتيجة حتمية لما أسماه انتفاء مقومات بقاء المنظومة الحالية، موجها اتهامات صريحة للسلطة بإنتاج الفقر ونشر الجوع وتوسيع دائرة السجون.

وأوضح الهمامي أن هذا التحرك الميداني يندرج في إطار تراكم حراك احتجاجي متواصل يناهض السلطة القائمة ويدعو إلى رحيلها، معتبرا أن النظام الحالي تسبب في تدمير حياة المواطنين التونسيين وألحق أضرارا بالغة بأوضاعهم الصحية والتعليمية والمعيشية اليومية.

وسجلت المسيرة حضورا قويا لملف الحريات العامة والموقوفين، حيث بادر عدد من المشاركين إلى رفع صور شخصيات موقوفة، من بينهم نشطاء ينتمون إلى مبادرة أسطول الصمود، والناشطة سعدية مصباح، فضلا عن شخصيات أخرى تم توقيفها على خلفية نشاطها المدني السلمي.

وشاركت النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين في هذا الحدث، ممثلة بنقيبها وأعضاء من مكتبها التنفيذي، حيث صدحت حناجر المنتسبين إليها بشعارات تطالب بإطلاق سراح الصحفيين المعتقلين، وفي مقدمتهم محمد اليوسفي وزياد الهاني، مع التشديد على ضرورة التمسك الثابت بحرية التعبير كحق دستوري أصيل.

وكشف عميد المحامين التونسيين، بوبكر بالثابت، في حديثه للمنبر الإعلامي المذكور، أن عمادة المحامين تبقى مؤسسة ملتزمة بالدفاع المستميت عن الحقوق والحريات وضمان شروط المحاكمة العادلة للجميع، مبرزا أن مهنة المحاماة تشكل جزءا لا يتجزأ من منظومة العدالة ومن النسيج المجتمعي للبلاد.

واعتبر بالثابت أن الهدف الجوهري من هذه المسيرة يتمثل في توجيه رسالة واضحة إلى السلطة القائمة، مفادها أن مشاريع إصلاح البلاد وتطوير هياكلها لا يمكن أن ترى النور إلا عبر إرساء حوار مجتمعي شامل لا يقصي أي طرف من الأطراف الفاعلة.

وطرحت هذه التطورات الميدانية تساؤلات جوهرية حول قدرة الأطراف المشاركة على تحويل هذا الزخم الشعبي إلى آلية تنسيق مستدامة، متجاوزة بذلك الاختلافات في مقارباتها السياسية، ومدى نجاحها في صياغة أرضية مشتركة تدمج المطالب الاجتماعية بحقوق الإنسان والدعوات المتصاعدة لتغيير المسار السياسي برمته.

وبقيت الأسئلة معلقة حول الطريقة التي ستتعاطى بها السلطة مع هذه الرسائل القوية المنبعثة من الشارع، وما إذا كانت ستتجه نحو احتواء الوضع عبر فتح قنوات الحوار مع المنظمات الوطنية، أم أنها ستتمسك بمقاربتها السياسية الحالية وتتعامل مع التحرك كحدث ظرفي عابر لا يستوجب إحداث أي تغيير جوهري في سياساتها المتبعة.