يونس بجيجو
سياسة

يونس بجيجو.. من تشريح الأجساد إلى تشخيص أعطاب الصحة العمومية

لم يصعد يونس بجيجو إلى الحكومة عبر بوابة الانتخابات أو المنابر الحزبية، ولم يرتبط اسمه طيلة السنوات الماضية بالمنافسة على المقاعد البرلمانية أو المواقع القيادية داخل التنظيمات السياسية. فقد شق طريقه بعيدا عن الأضواء، بين مدرجات كليات الطب ومختبرات البحث العلمي ومكاتب إدارة المؤسسات الاستشفائية والجامعية، قبل أن يجد نفسه، يوم الجمعة 16 أكتوبر 2026، أمام واحدة من أعقد المسؤوليات الحكومية، بعدما عينه الملك محمد السادس وزيرا للصحة والحماية الاجتماعية في حكومة فاطمة الزهراء المنصوري.

وفي سن الخامسة والخمسين، ينتقل الطبيب والأستاذ الجامعي من عالم اعتاد فيه التعامل مع التكوين الطبي والتدبير المؤسساتي إلى فضاء سياسي تحكمه التوازنات الحكومية والرقابة البرلمانية والانتظارات الاجتماعية المتزايدة. انتقال لا يتعلق فقط بتغيير المكتب والصفة، بل بالعبور من مسؤولية تدبير مؤسسات محددة إلى المشاركة في رسم السياسة الصحية لبلد لا تزال فيه جودة العلاج والعدالة في الولوج إلى الخدمات الصحية من أبرز المطالب الاجتماعية.

يحمل بجيجو، المزداد بمدينة تازة في 22 يونيو 1971، مسارا أكاديميا ومهنيا تداخلت فيه ثلاثة مجالات أساسية: الطب والتكوين الجامعي والتدبير الصحي. فبعد حصوله على الدكتوراه في الطب ودبلوم التخصص في أمراض النساء والتوليد، اتجه إلى التعليم العالي والبحث العلمي، حيث أصبح أستاذا بكلية الطب والصيدلة بالرباط، وتولى رئاسة قسم التشريح وإدارة وحدة التكوين والبحث في التخصص نفسه، إلى جانب رئاسة مختبر الجراحة التجريبية والجراحة المجهرية.

ولم يكتف الطبيب القادم من تازة بالتخصص الطبي، بل وسع تكوينه نحو الإدارة والسياسات العمومية، بحصوله على ماستر تنفيذي في التدبير والسياسات الصحية، وشهادة في القيادة والتدبير في بيئة معقدة من معهد العلوم السياسية بباريس، فضلا عن دبلوم جامعي في البيداغوجيا الطبية. وهي مؤهلات تكشف عن مسار انتقل تدريجيا من المعرفة الطبية المتخصصة إلى الاهتمام بكيفية تنظيم المؤسسات الصحية وتدبيرها.

وكانت سنة 2016 محطة بارزة في هذا التحول، بعدما تولى منصب نائب رئيس جامعة الزهراوي الدولية لعلوم الصحة، مكلفا بالشؤون الأكاديمية، واستمر في هذه المسؤولية إلى غاية شتنبر 2022. وهي تجربة أدخلته إلى عالم تدبير التعليم الطبي، بما يفرضه من تنسيق بين البرامج الأكاديمية والتكوين التطبيقي ومتطلبات المؤسسات الصحية.

ومن الجامعة إلى الإدارة المؤسساتية، انتقل بجيجو في شتنبر 2022 إلى منصب المدير المنتدب لمؤسسة الشيخ خليفة بن زايد، قبل أن يتولى، ابتداء من يوليوز 2023، منصب المدير المنتدب لمؤسسة محمد السادس للعلوم والصحة، التي تجمع بين التكوين الجامعي والخدمات الاستشفائية والبحث العلمي والابتكار الطبي.

وفي هذه المؤسسة، اتسع مجال اشتغاله ليشمل بناء الشراكات مع الفاعلين في الصناعات الدوائية والتكنولوجيا الطبية والتمويل والبحث العلمي. فقد ارتبط اسمه باتفاقيات مع مؤسسات وشركات من بينها «تمويلكم» و«أسترازينيكا»، شملت دعم الابتكار في الصحة الرقمية، والبحث السريري، والتشخيص المبكر، وتطوير التكوين الطبي.

ولعل هذه التجربة تمنح مفتاحا لفهم جانب من المسار الذي قاده إلى الوزارة؛ فبجيجو لم يأت من الإدارة الصحية التقليدية، بل من منظومة مؤسساتية تقوم على الربط بين المستشفى والجامعة والمختبر والشركات المتخصصة، في وقت أصبح فيه تحديث العرض الصحي مرتبطا، أكثر من أي وقت مضى، بالموارد البشرية والرقمنة والبحث العلمي والحكامة.

ولم تتوقف اهتمامات الوزير الجديد عند الحدود الوطنية، إذ برز حضوره في عدد من المبادرات الرامية إلى تعزيز التعاون الصحي الإفريقي، خاصة من خلال الأكاديمية الإفريقية لعلوم الصحة، التي يعد أحد أعضائها المؤسسين ويشغل منصب أمينها الدائم منذ نونبر 2025.

وفي الداخلة، شارك بجيجو في أشغال القمة الإفريقية الأولى حول النظم الصحية والسيادة الصحية، التي احتضنتها المدينة في نونبر 2025، وتولى تلاوة إعلانها الختامي، الذي دعا إلى تمكين الدول الإفريقية من التحكم في سياساتها الصحية وتعزيز قدراتها الذاتية في مجالات العلاج والبحث والإنتاج الدوائي.

وفي يناير 2026، كان بجيجو يقدم، خلال لقاء بمراكش، تصورا لإصلاح المنظومة الصحية المغربية يرتكز على مفهوم «القرب الإنساني»، بما يجعل الخدمات الصحية أقرب إلى المواطنين، ويربط إصلاح القطاع بإعادة تنظيم التدبير الصحي على المستوى الترابي. وبعد أشهر قليلة، دافع خلال معرض «جيتكس مستقبل الصحة بإفريقيا» بالدار البيضاء عن التحول الرقمي والابتكار باعتبارهما رافعتين لتطوير الأنظمة الصحية، مع التأكيد على ضرورة عدم تحول التكنولوجيا إلى عامل جديد لتعميق الفوارق في الولوج إلى العلاج.

غير أن المسار المهني لبجيجو، على امتداده، لم يكن كافيا وحده لإبعاد الأسئلة السياسية عن تعيينه. فالوزير الجديد دخل حكومة المنصوري محسوبا على حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الذي حصل على خمس مسؤوليات حكومية، من بينها حقيبة الصحة والحماية الاجتماعية، رغم أن اسمه لم يكن معروفا ضمن الوجوه التنظيمية البارزة للحزب.

وهنا تبرز إحدى مفارقات هذا التعيين، فبينما يحمل بجيجو رصيدا أكاديميا وإداريا موثقا، لا تتوافر معطيات علنية كافية بشأن مسار حزبي سابق له داخل الاتحاد الاشتراكي أو طبيعة علاقته التنظيمية بالحزب قبل تشكيل الحكومة الجديدة. وقد تناولت تقارير صحافية ظروف تقديم اسمه ضمن الحصة الاتحادية، دون أن تحسم هذه المعطيات وحدها خلفيات اختياره.

ويكتسي هذا المعطى أهمية سياسية بالنظر إلى طبيعة الحقيبة المسندة إليه، إذ يتولى بجيجو وزارة ذات ارتباط مباشر بالحقوق الاجتماعية، باسم حزب ذي مرجعية اشتراكية وتاريخ سياسي ارتبط بالدفاع عن الخدمات العمومية والعدالة الاجتماعية. وهو ما يضع الوزير الجديد أمام معادلة تجمع بين تجربته في تدبير مؤسسات صحية ذات طبيعة خاصة وغير ربحية، وبين المسؤولية الحكومية عن ضمان الحق في العلاج وتقوية المرفق الصحي العمومي.

فالتجربة في مؤسسة محمد السادس للعلوم والصحة، بما تتضمنه من شراكات مع الفاعلين الصناعيين والمؤسساتيين، تختلف في طبيعتها عن الإشراف على سياسة صحية وطنية يتداخل فيها العمومي والخاص، وتطرح فيها مسائل تنظيم السوق الصحية، وتوزيع الاستثمارات، وحماية القدرة الشرائية للمرضى، وضمان تكافؤ الفرص في الحصول على العلاج.

والسؤال المطروح هنا لا يتعلق بمدى قدرة الوزير على الاستفادة من التجربة التي راكمها، بقدر ما يرتبط بكيفية تحويل هذه الخبرة إلى سياسة عمومية تستجيب لاحتياجات مختلف الفئات الاجتماعية، وخاصة المواطنين الذين لا تسمح لهم إمكاناتهم المالية باللجوء إلى المؤسسات الصحية الخاصة.

ويصل بجيجو إلى الوزارة في مرحلة تتواصل فيها إعادة هيكلة القطاع، من خلال إحداث المجموعات الصحية الترابية، وتعزيز أدوار المؤسسات المستقلة في تنظيم مجالات الأدوية والتأمين الصحي، وهو تحول يعيد توزيع اختصاصات التدبير والتنظيم والرقابة بين الوزارة وهيئات أخرى. ولذلك، فإن المسؤولية الجديدة لن تقتصر على إدارة المرافق، بل ستتطلب تنسيقا مؤسساتيا واسعا واتخاذ قرارات تتعلق بتوجيه السياسة الصحية وتوزيع الموارد ومراقبة النتائج.

كما يتسلم الوزير الجديد قطاعا لا تزال ترافقه اختلالات في توزيع الموارد البشرية والتجهيزات الصحية، وفوارق بين المدن والقرى، وشكاوى بشأن الاستقبال وظروف العلاج بالمستشفيات العمومية. وقد أعادت الاحتجاجات التي شهدتها بعض المدن المغربية خلال سنة 2025، على خلفية أوضاع المرافق الاستشفائية، إبراز حجم المسافة بين الإصلاحات المعلنة والخدمات التي يتلقاها المواطنون على أرض الواقع.

ولعل المفارقة الأكثر حضورا في مسار بجيجو أنه يتولى مسؤولية سياسية عن منظومة سبق له أن اشتغل على بعض مكوناتها من موقع المؤسسات الجامعية والاستشفائية. فالمعرفة الدقيقة بملفات التكوين والبحث والابتكار لا تعفيه من مواجهة إكراهات المستشفى العمومي، بدءا بالخصاص في الأطباء والممرضين، مرورا بصعوبة الولوج إلى التخصصات الطبية، وصولا إلى آجال المواعيد الطبية وتكاليف العلاج وتفعيل التغطية الصحية.

وفي صباح السبت 17 أكتوبر 2026، تسلم بجيجو مهامه رسميا من سلفه أمين التهراوي، خلال مراسم احتضنها مقر وزارة الصحة والحماية الاجتماعية بالرباط، معبرا عن اعتزازه بالثقة الملكية ووعيه بحجم المسؤوليات والرهانات المرتبطة بمنصبه الجديد.

وبهذا الانتقال، يفتح البروفيسور يونس بجيجو صفحة جديدة في مساره، بعدما أمضى سنوات في تدريس الأطباء وتدبير مؤسسات تكوينهم وعلاج المرضى. وإذا كانت سيرته المهنية تقدم صورة أستاذ جامعي انتقل تدريجيا إلى مواقع الإدارة والتدبير، فإن تجربته السياسية تبدأ فعليا مع دخوله حكومة المنصوري.

ففي مدرجات كلية الطب، كانت مهمته تكوين أطباء المستقبل، وفي المؤسسات الصحية كان مسؤولا عن تدبير مشاريع وبرامج محددة، أما اليوم فأصبح مطالبا بالمساهمة في الإجابة عن سؤال أوسع وأكثر تعقيدا: كيف يمكن أن تتحول الاستثمارات والإصلاحات والتجهيزات الطبية إلى خدمات صحية جيدة ومتاحة للمغاربة، بصرف النظر عن أماكن إقامتهم وقدرتهم على الدفع؟

ذلك هو التحول الذي يختصر دخول يونس بجيجو إلى الحياة الحكومية؛ من أستاذ يعرف تفاصيل الجسم البشري إلى وزير يواجه أعطاب منظومة صحية كاملة، ومن مسؤول اعتاد لغة المشاريع والشراكات إلى فاعل سياسي ستكون قراراته موضع مساءلة من البرلمان والمهنيين والمواطنين.