تصويت اللجنة الرابعة حول الصحراء المغربية: قراءة في دلالات القرار الأممي وحدود التصويت
وجهة نظر

تصويت اللجنة الرابعة حول الصحراء المغربية: قراءة في دلالات القرار الأممي وحدود التصويت

لم يكن تصويت اللجنة الرابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة، يوم 15 أكتوبر 2026، على القرار السنوي المتعلق بالصحراء المغربية مجرد إجراء روتيني داخل إحدى اللجان الأممية؛ فقد أفرزت هذه المحطة مفارقة سياسية تستحق التوقف عندها؛ المغرب والجزائر صوتا معا لصالح القرار، في حين صوتت الولايات المتحدة وإسرائيل ضده، وامتنعت فرنسا والمملكة المتحدة عن التصويت، وقد حظي النص بتأييد 152 دولة، مقابل معارضة دولتين وامتناع سبع دول.

إن القراءة المتأنية لهذه النتيجة تقتضي تجاوز الانطباعات الأولية؛ سواء تلك التي تتعامل مع التصويت باعتباره انتصارا مطلقا لطرف على أخر، أو تلك التي تحاول اختزال الحدث في مجرد إعادة إنتاج للمواقف التقليدية؛ فالمهم ليس عدد الأصوات وحده، وإنما مضمون القرار، والمرجعيات التي يستند إليها، والسياق الذي جرى فيه التصويت، والآثار السياسية التي يمكن أن تترتب عنه.

أولا: لماذا انتقل القرار من التوافق إلى التصويت؟

اعتادت اللجنة الرابعة منذ سنة 2006، اعتماد مشروع القرار السنوي بشأن الصحراء المغربية دون اللجوء إلى التصويت؛ غير أن دورة هذه السنة شهدت تحولا إجرائيا بعدما طلبت الولايات المتحدة التصويت على مشاريع القرارات الثلاثة والعشرين المعروضة على اللجنة، في إطار توجه أوسع يرمي إلى إخضاع مشاريع القرارات المعروضة على اللجان الرئيسية للجمعية العامة للتصويت.

بناء على ذلك، فإن القول إن واشنطن فرضت التصويت على القرار المتعلق بالصحراء المغربية صحيح من الناحية الإجرائية، لكن ينبغي توضيح أن المبادرة الأمريكية لم تستهدف هذا الملف وحده، كما أن الولايات المتحدة نفسها صوتت ضد النص، وهو ما يفرض التمييز بين دوافعها الإجرائية من جهة وموقفها من مضمون القرار من جهة ثانية وتوفيرها لمسار تكتيكي في المستقبل (حول ملف الصحراء المغربية) من جهة ثالثة.

ثانيا: ماذا يتضمن القرار، وما الذي يميزه عن القرارات السابقة؟

يحتفظ قرار اللجنة الرابعة بشكل عام،  بالمضامين التقليدية المرتبطة بالمسار الأممي، بما فيها الإحالة إلى قرارات الجمعية العامة ومجلس الأمن، والتأكيد على حق الشعوب في تقرير المصير، والدعوة إلى التعاون مع الأمين العام ومبعوثه الشخصي من أجل التوصل إلى حل سياسي، لكن العنصر الأبرز في النص الحالي يتمثل في الإشارة إلى قرار مجلس الأمن رقم 2797 لسنة 2025، المعتمد في 31 أكتوبر 2025، والذي دعا إلى إجراء مفاوضات على أساس المقترح المغربي للحكم الذاتي، مع الإقرار بأن الحكم الذاتي الحقيقي يمكن أن يمثل إحدى النتائج الأكثر قابلية للتحقق، في إطار حل سياسي نهائي ومقبول من الأطراف.

تجدر الإشارة الى أن أهمية هذه الإحالة؛ تكمن في أنها تنقل القرار السنوي للجنة الرابعة إلى سياق سياسي أممي جديد، أصبح فيه مقترح الحكم الذاتي المغربي مرجعية صريحة للمفاوضات داخل مجلس الأمن، ولا يعني ذلك أن اللجنة الرابعة تبنت جميع المواقف المغربية أو حسمت الوضع النهائي للصحراء، لكنه يعني أن النص لم يعد منفصلا عن التطورات التي عرفها المسار السياسي في مجلس الأمن.

لقد نص القرار 2797، على وجه الخصوص، على تمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء المغربية (المينورسو) إلى غاية 31 أكتوبر 2026، وعلى دعم المفاوضات على أساس المقترح المغربي للحكم الذاتي، وهذه نقطة أساسية ينبغي استحضارها عند تقييم المكاسب السياسية للقرار الجديد.

وعليه، فإن ما يستحق الانتباه؛ ليس هو ورود رقم قرار سابق داخل نص جديد، وإنما طبيعة المرجعية التي يحيل إليها ذلك الرقم، فقرار مجلس الأمن 2797 يضع مقترح الحكم الذاتي المغربي في صلب العملية التفاوضية، ويمنح هذا المقترح موقعا متقدما في تحديد قاعدة النقاش السياسي، بدل التعامل معه بوصفه مجرد مبادرة من بين مبادرات متنافسة لا رابط بينها وبين المسار الأممي.

ثالثا: لماذا لا ينبغي الخلط بين قرار اللجنة الرابعة وقرار مجلس الأمن؟

إن فهم قرار اللجنة الرابعة، يفرض ضرورة التمييز بين الاختصاصات المؤسساتية للأمم المتحدة؛ فاللجنة الرابعة إحدى اللجان الرئيسية التابعة للجمعية العامة، وتختص بالمسائل السياسية الخاصة وتصفية الاستعمار، في حين يضطلع مجلس الأمن بمسؤوليات أساسية في مجال حفظ السلم والأمن الدوليين، علما أن القرارات التي تعتمدها الجمعية العامة في مثل هذه المسائل، تكون، من حيث الأصل، توصيات غير ملزمة قانونا، بخلاف قرارات مجلس الأمن التي قد تكون ملزمة وفق ميثاق الأمم المتحدة وطبيعة أحكامها وسياق اعتمادها. لذلك، لا يجوز تقديم قرار اللجنة الرابعة باعتباره حكما قانونيا نهائيا، كما لا يصح التعامل معه باعتباره عديم الأهمية السياسية.

إن القيمة المباشرة للقرار تكمن في دلالته السياسية والمؤسساتية، وفي ما يكشفه عن مواقف الدول، وفي المرجعيات التي يستحضرها ضمن النقاش الأممي،  أما الوزن السياسي الأوسع فيتحدد أيضا من خلال ما يقرره مجلس الأمن بشأن العملية السياسية، وهو ما يجعل القرار 2797 لسنة 2025 عنصرا محوريا في فهم التطور الحالي.

بناء عليه، فإن المغرب ليس بحاجة إلى تضخيم الأثر القانوني لقرار اللجنة الرابعة كي يستفيد منه سياسيا؛ بل إن القراءة الأكثر قوة هي التي تميز بين ما يقرره النص فعلا، وما يمكن استنتاجه من سياقه، وما يظل مجرد احتمال يحتاج إلى تطورات لاحقة لتأكيده.

رابعًا: التصويت المغربي والجزائري معا؛ مفارقة أم مكسب دبلوماسي؟

لا بد من التأكيد على أن تصويت المغرب والجزائر لصالح نص واحد باللجنة الرابعة لا يعني بالضرورة أن الطرفين يتبنيان تفسيرا واحدا لكل فقراته، أو أنهما توصلا إلى توافق بشأن الوضع النهائي للصحراء المغربية؛ فالقرار يتضمن مرجعيات عامة ومضامين تقليدية، إلى جانب الإحالة على قرار مجلس الأمن 2797، علما أن للدول الأعضاء أن تصوت لصالح نص قرار مركب لأسباب مختلفة، أو لأنها ترى أن مجمل أحكامه لا تستوجب التصويت ضده، دون أن يعني ذلك تبني كل استنتاج سياسي يمكن استخلاصه منه.

مع ذلك، فإن المغرب يستطيع أن يستثمر هذه النتيجة في اتجاهين؛ أولهما أن القرار، رغم الاختلافات السياسية الحادة، حظي بتأييد واسع، بما في ذلك تأييد الجزائر. وثانيهما أن الإحالة إلى القرار 2797 باتت جزءا من النص الذي صوتت عليه الدول، وهو ما يمنح المغرب فرصة للتأكيد على أن مقترح الحكم الذاتي أصبح حاضرا في المرجعية التفاوضية التي يستند إليها مجلس الأمن، ويضع الجزائر  ومعها جنوب إفريقيا أمام معطى سياسي يصعب تجاهله؛ فقد أيدتا نصا يحيل إلى مرجعية أممية تجعل المقترح المغربي أساسا للمفاوضات.

خامسا: أين تكمن المكاسب المغربية الفعلية؟

يمكن تحديد مكاسب المغرب في ثلاثة مستويات مترابطة

1 المكسب المؤسساتي : تثبيت التمييز بين المسارات الأممية

يمنح القرار المغرب فرصة للتأكيد على أن اعتماد اللجنة الرابعة لنص سنوي لا يحسم الوضع النهائي للصحراء المغربية، في ظل تأثر مسار التفاوض السياسي بصورة مباشرة بما يصدر عن مجلس الأمن؛ رغم أن  ذلك لا يعني أن الجمعية العامة أو لجنتها الرابعة فقدتا اختصاصهما في مناقشة الملف، بل إن لكل مؤسسة مجالا مختلفا من المسؤولية والتأثير.

2 المكسب السياسي : حضور الحكم الذاتي في المرجعية الأممية

تعد الإحالة إلى القرار 2797 أهم عنصر يستحق القراءة في النص الجديد؛ فقد أكد مجلس الأمن أن المفاوضات ينبغي أن تتخذ المقترح المغربي للحكم الذاتي أساسا لها، وأشار إلى أن الحكم الذاتي الحقيقي يمكن أن يمثل إحدى النتائج الأكثر قابلية للتحقق. وهو تطور سياسي مهم بالنسبة إلى المغرب، لأنه يعزز موقع مبادرته داخل المسار التفاوضي.

3 المكسب الدبلوماسي : تحويل التصويت إلى اختبار للمواقف

أدى التصويت المسجل إلى كشف مواقف الدول التي كانت في السابق تمر ضمن توافق إجرائي لا يتيح معرفة تصويتها الفردي، وهو ما يتيح للمغرب توظيف النتيجة في خطابه الدبلوماسي، عبر تطوير سردية تقوم على مسألة  الإحالة إلى القرار 2797؛ غير أن هذا المكسب لا ينبغي قياسه بعدد الأصوات وحده؛ بل بمدى انعكاسه على المفاوضات المقبلة، وعلى مواقف الدول المؤثرة، وعلى قدرة المغرب على تحويل الدعم السياسي إلى تقدم ملموس في المسار الأممي نحو الحسم النهائي في أقرب وقت ممكن.

سادسا: الدعاية الإعلامية وحدود توظيف التصويت

يمكن تحويل تصويت اللجنة الرابعة، إلى حدث ومادة للترافع، علما أن الجزائر تسعى إلى تقديم النتيجة بما يخدم تصورها السياسي، سواء عبر التركيز على الإشارات المتعلقة بتقرير المصير وتصفية الاستعمار، أو عبر تبخيس الإحالة على قرار مجلس الأمن 2797 وموقع الحكم الذاتي في المفاوضات.

من هنا، فإن الخطاب الأكثر فاعلية لا يجب أن يركز على إنتاج دعاية مضادة، بل في تفكيك مضمون القرار، وتحديد ما يتضمنه وما لا يتضمنه، وشرح الفروق بين اختصاصات المؤسسات الأممية، ومقارنة التصريحات السياسية بالنصوص الرسمية وسجلات التصويت. بالتالي فإن تقديم قراءة دقيقة للقرار 2797، وشرح أثاره في المفاوضات، وتوضيح حدود قرار اللجنة الرابعة، يعد أكثر تأثيرا؛ فالقوة الدبلوماسية لا تقاس بحدة الخطاب، وإنما بالقدرة على بناء حجة تستند إلى الوثائق الأممية الرسمية والاستفادة من النقاش القانوني والسياسي للقرارات.

سابعا: هل يفتح التصويت الباب أمام إخراج الملف من اللجنة الرابعة؟

يطرح التصويت في اللجنة الرابعة سؤالا مشروعا بشأن مستقبل إدراج ملف الصحراء المغربية  ضمن جداول أعمالها المقبلة، خصوصا في ظل تطور دور مجلس الأمن في إدارة العملية السياسية، ولفهم هذا المسار المحتمل، لا بد من وضع إدراج ملف الصحراء المغربية باللجنة الرابعة في سياقه.

أدرج ملف  الصحراء المغربية في قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي سنة 1963؛ أي إبان وجود الأقاليم الجنوبية للمغرب ضمن الاحتلال الإسباني (الإدارة الإسبانية)، وأصبحت القضية منذ ذلك الحين جزءا من أعمال الأمم المتحدة المتعلقة بتصفية الاستعمار،  وبناء على محاضر الأمم المتحدة قإن المغرب هو من طرح القضية داخل المنظمة في تلك المرحلة، ومن ثم، فإن الدعوة إلى مراجعة استمرار مناقشة الملف في اللجنة الرابعة يمكن أن تكون موضوعا لتصور دبلوماسي مغربي مستقبلي، يروم سحب هذا الملف من اللجنة الرابعة وحصر حله في مجلس الأمن الذي ستتأسس قراراته على القرار2797.

خاتمة:

تأسيسا على ما سبق، فإن وضع قرار اللجنة الرابعة في سياق التطورات التي عرفها المسار الأممي، ولا سيما اعتماد مجلس الأمن القرار 2797 سنة 2025، يعطي للمغرب فرصة أساسية لإبراز مركزية مقترح الحكم الذاتي في المسار التفاوضي مستقبلا، ووضع الجزائر أمام حقيقة سياسية، تتمثل في أن تأييدها للنص الذي تبنته اللجنة الرابعة يتضمن إحالة على قرار مجلس الأمن الذي جعل المقترح المغربي حول الحكم الذاتي أساسا للمفاوضات.