اليسار الاحتجاجي بين معضلة “تسجيل المواقف” وبراغماتية “فن الممكن”
منتدى العمق

اليسار الاحتجاجي بين معضلة “تسجيل المواقف” وبراغماتية “فن الممكن”

يشكل الوجود السياسي لليسار الاحتجاجي، ممثلاً في تكتل فيدرالية اليسار والحزب الاشتراكي الموحد داخل المؤسسات التشريعية، اختباراً عسيراً لقدرة أحزاب أقصى اليسار على التكيف مع إكراهات العمل المؤسساتي والبراغماتية السياسية.

وتتجلى ذروة هذا المأزق في الواقعة السياسية التي شهدتها قبة البرلمان المغربي خلال جلسة انتخاب رئاسة مجلس النواب؛ حيث اختار ممثلو تحالف اليسار الامتناع عن التصويت، والاقتصار على التصويت بورقة بيضاء والاحتجاج الصاخب، مما أسهم ضمناً في ترك الطريق مفتوحاً أمام مرشح الأغلبية، أحمد التويزي عن حزب الأصالة والمعاصرة، لحسم المنصب. هذه النازلة لا تُعد مجرد تفصيل عابر في التكتيك البرلماني، بل هي مرآة كاشفة لأزمة أعمق تتعلق بالثنائية المفاهيمية الحاكمة لأداء اليسار الاحتجاجي: المفاضلة بين “تسجيل المواقف” و”تسجيل النقاط” السياسية.

أولاً: منطق “تسجيل المواقف” في مواجهة إكراهات “فن الممكن”

تُوصَف السياسة عموماً بأنها “فن الممكن”، وتعني بأنه يتعين على الأحزاب الدخول في توافقات وتنازلات تكتيكية واستراتيجية لاستغلال الهوامش المتاحة لتحقيق مكاسب سياسية تدريجية واقتناص اللحظات السياسية المناسبة. غير أنه حينما يشتغل السياسي بيافطة الحقوقي أو رجل الشارع الغاضب، ويرفض الدخول في التسويات المتاحة، مقتصراً دوره على الاحتجاج وتسجيل المواقف الصاخبة عوض احترام قواعد اللعبة السياسية، فإنه يدخل أوتوماتيكياً في خانة “العدمية السياسية”.

من منظور “فن الممكن”، تُقاس نجاعة الأحزاب بقدرتها على التموقع في الخريطة السياسية، والتأثير في السياسات العمومية، وتسجيل النقاط السياسية. أما الاكتفاء بتسجيل المواقف والبقاء خارج قواعد اللعبة بمنطق الرفض المطلق والاحتجاج الصاخب، فيجعل الحزب أشبه بـ “مراقب أخلاقي” أو “منظمة حقوقية” أكثر منه حزباً سياسياً فاعلاً.

حين يختار اليسار الاحتجاجي الامتناع أو الانسحاب في محطات حاسمة، فإنه يعبد الطريق أمام الأغلبية العددية المحضة لتمرير أجنداتها دون مقاومة فعالة. وبدل أن يتحول البرلمان إلى فضاء لـ “تسجيل النقاط السياسية”، ينحدر الوجود البرلماني لأحزاب أقصى اليسار ليغدو مجرد “ديكور معارض” يفتقر إلى الأثر العملي في صناعة القرار السياسي.

ثانياً: تكلفة الارتطام بالواقع: لماذا يفضلون “المواقف” على “النقاط”؟

إذا كان المنطق السياسي يقضي بأن تسجيل نقطة سياسية خيرٌ من صياغة ألف بيان احتجاجي وأفضل من رفع ألف شعار، فإن الأمر يبدو معكوساً بالنسبة لأحزاب أقصى اليسار؛ ومرد ذلك إلى ترسبات إيديولوجية منفصلة عن الواقع العملي.

يخشى أقصى اليسار دائماً أن يُتهم بالانحراف نحو اليمين، أو تغيير الجلد، أو التنازل عن المبادئ، أو خيانة الشهداء وما إلى ذلك من مفردات يجود بها القاموس الراديكالي. فإذا ما دخل في تسويات أو حقق نجاحات جزئية بتوافقات سياسية، فإن ذلك يُنظر إليه بوصفه خيانة للمبدأ، وللخط النضالي، وللجماهير والمناضلين. ولذلك، يفضل ممثلوه خسارة المعركة بشرف على ربحها بأنصاف الحلول.

من هنا، تبدو أحزاب أقصى اليسار كأنها لا تمارس السياسة بالمعنى التقليدي؛ فهي تتمترس خارج قواعد هذه الأخيرة. وحتى نظرتها للمعارضة تتسم بالطوباوية المحضة؛ فحسب ما أفصح عنه أحد قيادييهم في لقاء صحفي، فهم يقومون بمعارضة من داخل المؤسسات “للنظام السياسي القائم” لا بمعارضة الحكومة فحسب، ومطلبهم الأسمى هو “الملكية البرلمانية”. بل إن معارضتهم تمتد لتشمل النظام الرأسمالي العالمي والنيوليبرالية، وهي سقوف استراتيجية تقع تماماً خارج نطاق “فن الممكن”.

خاتمة: الأفق السياسي لأقصى اليسار بين الراديكالية والواقعية

تختزل نازلة انتخاب رئيس مجلس النواب، وما رافقها من موقف لتحالف اليسار، المعضلة الوجودية الكبرى لليسار الاحتجاجي؛ فهو يقف بين مطرقة الانعزال في برج “المواقف” العالية، وسندان الاندماج في مستنقع “الممكن”.

إن التحدي التاريخي والمستقبلي الماثل أمام هذا التيار لا يكمن في براعة الرفض وصخب الاحتجاج، بل في امتلاك الجرأة والشجاعة السياسية لردم الفجوة بين المبدأ النبيل والأداة العملية؛ أي القدرة على التحول من الرفض الاحتجاجي إلى قوة سياسية قادرة على “تسجيل النقاط” التي تصنع الفارق الفعلي في الحياة السياسية. وإلا فإن الإصرار على الاكتفاء بالاحتجاج، والشغب البرلماني، والصخب لـ “تسجيل المواقف”، سيُبقي الفاعل اليساري حبيساً لهامش التاريخ ومتحفاً للمواقف البعيدة عن متغيرات الواقع السياسي.