تواجه الأحزاب السياسية امتحاناً دائماً أمام تحولات المجتمع، قوامه قدرتها على تجديد خطابها ومراجعة تصوراتها وصيانة الصلة بينها وبين المواطنين. وتتعاظم أهمية هذا الامتحان لدى التنظيمات ذات التاريخ النضالي، لما تحظى به من رصيد رمزي تشكّل عبر محطات مفصلية في الحياة الوطنية. غير أن الذاكرة السياسية، مهما بلغت قيمتها، تظل مرتبطة بمرحلتها التاريخية، وتحتاج إلى اجتهاد فكري وبرنامج عملي يمنحانها معنى في الحاضر. وانطلاقاً من هذه الرؤية، تبرز أسئلة مشروعة حول خطاب تحالف اليسار المغربي، وعلاقته بالمنافسة الديمقراطية، وحدود الاحتجاج بالماضي في تدبير الحاضر.
لقد أسهمت الحركة اليسارية المغربية في صياغة جانب من تاريخ المعارضة، وانخرطت تجاربها في نقاشات عميقة حول الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والحريات العامة. ومن الإنصاف قراءة تلك التجارب تاريخياً، بما يراعي الظروف التي أحاطت بها ويقدر ما قدمته من إسهامات. غير أن الاعتزاز بهذا الإرث يقتضي التمييز بين قيمة التجربة السابقة وحق أصحابها الراهن في التمثيل والتأثير. فالمكانة التي صنعتها أجيال سابقة تمنح خلفاءها مسؤولية صون المبادئ وتطويرها، وتلزمهم باحترام قواعد التنافس السياسي والانخراط في شروطه.
تبدأ المعضلة عندما تتحول المرجعية التاريخية إلى معيار للحكم على الخصوم، وعندما يتعامل بعض الفاعلين مع تاريخهم باعتباره دليلاً كافياً على أهليتهم لقيادة النقاش الوطني. فالمنافسة الديمقراطية تقوم على تكافؤ الحقوق، وعلى حق مختلف التيارات في عرض تصوراتها والسعي إلى إقناع المواطنين بها. أما حصر الشرعية السياسية في الانتساب إلى تجربة تاريخية بعينها، فيضعف مبدأ التعددية، ويفتح المجال أمام خطاب يصنف الخصوم وفق معايير أيديولوجية وأخلاقية يضعها أصحاب المرجعية لأنفسهم.
وتستحق قضية الإرث العائلي وقفة مستقلة. فالانتساب إلى شخصية وطنية ذات رمزية تاريخية قد يمنح صاحبه صلة وجدانية بتجربة نضالية معتبرة، مع بقاء مسؤوليته في تقديم حججه وإثبات قدرته على الإسهام في الحياة العامة. وتظل مكانة الشخصيات الراحلة جزءاً من الذاكرة الوطنية المشتركة، فيما تبقى المسؤولية السياسية رهينة الكفاءة والمواقف والمحاسبة. فالعمل السياسي مسؤولية فردية، والاحتكام إلى التاريخ ينبغي أن يفتح باب الاقتداء والمساءلة، مع صون قواعد المنافسة الديمقراطية.
وتطرح لغة التعالي بدورها إشكالاً يتعلق بأخلاقيات الاختلاف. فعندما ينشغل الخطاب الحزبي بتقويم خصومه من موقع الوصاية الفكرية، تتقلص مساحة الحوار حول السياسات العمومية، وتتراجع قيمة الحجة أمام الأحكام الشخصية. ويصبح الخلاف حول الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية مناسبة لاستحضار مراتب مفترضة من الوعي والوطنية. وتلك ممارسة تضر بالحياة الديمقراطية، لأنها تحول التعدد السياسي من فرصة للتنافس والإقناع إلى صراع حول الأحقية في احتكار الحقيقة.
ويضع حضور تحالف اليسار المغربي داخل المؤسسات التشريعية مكوناته أمام مسؤولية تقديم مضمون سياسي يتناسب مع طموحاتها المعلنة. فالتمثيل البرلماني يمنح صاحبه حق المشاركة في التشريع ومراقبة العمل الحكومي والتعبير عن مصالح الناخبين، ويخضع حصيلته للتقييم العام. وتؤثر القواعد الانتخابية والتحالفات الحزبية في توزيع المقاعد، فيما تظل قراءة العلاقة بين التنظيم والمجتمع رهينة دراسة حجم الحضور الميداني، وطبيعة البرامج، ومدى استجابة المواقف للمطالب الاجتماعية.
وتستدعي الموضوعية كذلك الحذر من اختزال محدودية التمثيل الانتخابي في سبب واحد. فاختيارات الناخبين تتأثر بعوامل تنظيمية واجتماعية واقتصادية، وبمدى حضور المرشحين في محيطهم، وبقدرة الأحزاب على تقديم بدائل مقنعة. ولذلك فإن قراءة حصيلة تحالف اليسار تستلزم فحص نتائجه الانتخابية، وخياراته التنظيمية، وخطابه تجاه القضايا اليومية للمواطنين. كما يستلزم التحليل التمييز بين النقد الموجه إلى تصريحات بعض أعضائه والحكم على مختلف مكوناته، تفادياً للتعميم الذي يضعف قيمة التحليل.
وتحيل هذه الإشكالات إلى سؤال جوهري يتعلق بعلاقة النخب الحزبية بالتحولات الاجتماعية. فالمواطن المغربي يواجه انشغالات ملموسة تتعلق بفرص الشغل، والقدرة الشرائية، وجودة التعليم والصحة، وتكافؤ الفرص. وتتطلب معالجة هذه القضايا تصورات واضحة وأدوات قابلة للتنفيذ، إلى جانب خطاب يشرح الأولويات ويحدد المسؤوليات. أما الانشغال المستمر بتثبيت المكانة التاريخية أو الدفاع عن التفوق الفكري، فيصرف الاهتمام عن جوهر الوظيفة السياسية، ويضعف فرص بناء الثقة بين التنظيمات وشرائح المجتمع.
إن تجديد المشروع اليساري يمر عبر وصل مرجعيته الفكرية بأسئلة الواقع، وتطوير أدواته التنظيمية، وترسيخ ثقافة التداول والمحاسبة، وإفساح المجال أمام الكفاءات الشابة. كما يحتاج إلى مراجعة نقدية تسمح بالاعتراف بالأخطاء والاستفادة من تجارب المنافسين. فالوفاء للمبادئ الاجتماعية والديمقراطية لا يتحقق إلا بإخضاع الممارسة لاختبار النتائج، وربط الخطاب ببرامج قابلة للتقييم، واحترام حق المواطنين في الاختيار ضمن فضاء ديمقراطي تعددي.
وتظل الشرعية السياسية حصيلة علاقة متجددة بين الفاعل والمجتمع، تصونها الثقة والعمل والمساءلة. ويستحق التاريخ الاحترام لما قدمه من دروس وتضحيات، فيما يظل الحاضر مفتوحاً أمام التنافس وفق قواعد مشتركة. وتلك قاعدة تنطبق على تحالف اليسار كما تنطبق على بقية القوى الحزبية: فقيمة الإرث تتحدد بقدرته على إلهام العمل الراهن، ومكانة الفاعل تتحدد بما يقدمه للمواطنين من أفكار ومبادرات ومواقف. فالسياسة مجال للمشاركة والاعتراف المتبادل وتحمل المسؤولية، وتظل المكانة العامة رهينة العمل والثقة والمحاسبة.