في المشهد الجامعي المغربي، ثمة لحظة دقيقة تفصل بين خروج وزير ودخول آخر. لحظة لا يتحدث فيها أحدٌ بصوت عالٍ، لكن الجميع يراقبها. المسؤول الجامعي، رئيساً كان أو عميداً أو مديراً، يجد نفسه أمام اختبار لا علاقة له بالعلم ولا بالبحث ولا بالطلبة. إنه اختبار الوجهة: إلى أي جهة يلتفت؟ وأي خطاب يتبنى؟ وأي ذاكرة مؤسسية يتظاهر بنسيانها؟
المفارقة ليست في أن يغيّر المسؤول موقفه. فالبشر يغيّرون مواقفهم حين تتغير الظروف المفارقة أن يتغير الموقف في اللحظة نفسها التي يتغير فيها الوزير، بدقة تكاد تكون ميكانيكية من كان بالأمس يصف الوزير السابق بالحكمة والرؤية، يصبح اليوم أول من يتحدث عن “الإرث الثقيل” و”الملفات المتراكمة”. ومن كان يشتكي من تعنّت الوزير السابق، يكتشف فجأة أن الوزير الجديد “رجل حوار وانفتاح”، حتى قبل أن يعقد الأخير اجتماعاً واحداً. وكأن الولاء ليس قراراً يُتخذ، بل ظلٌّ يتبع صاحبه حيث ذهب
هذا الانقلاب السريع ليس ظاهرة فردية، بل بنية متكررة في الثقافة الإدارية الجامعية. فالمسؤول الجامعي في المغرب ليس مجرد مدير لمؤسسة أكاديمية. إنه لاعب في شبكة علاقات تمتد من الوزارة إلى الحكومة إلى المجالس المنتخبة إلى الوسائط الحزبية. وموقعه في هذه الشبكة لا يُحدَّد فقط بكفاءته التدبيرية، بل بقدرته على قراءة اتجاه الريح قبل أن تهبّ. ولذلك، حين يتغير الوزير، لا يتغير المسؤول بالضرورة، لكنه “يعدّل بوصلته” فوراً، ويقنع نفسه أولاً بأنه لم يغيّر شيئاً، بل “واكب المستجدات”
ما الذي يخشاه المسؤول الجامعي بالضبط؟ الخشية ليست وهمية. الوزير الجديد يمسك بملف التعيينات والتجديدات والتقييمات. وفي يد الوزارة أن تُسرّع ترقية أو تُجمّدها، أن تفتح ملفاً أو تُغلقه، أن تُرسل لجنة تفتيش أو تتجاهل شكاية. والمسؤول الجامعي، مهما بلغت استقلاليته القانونية، يدرك أن “الاستقلالية” في المغرب تظل نسبية، وأن الهواء الذي يتنفسه إدارياً يأتي من الوزارة. فحين يتغير مصدر الهواء، يتغير التنفس
لكن الخشية الأولى ليست من الوزير وحده. فالمسؤول الجامعي يهاب أيضاً نقابة الأساتذة والموظفين، ويعلم أن لها ذاكرة لا تغيب، وأن ملفاتها لا تُنسى. فهو يخشى أن يُسجَّل عليه موقف، أو أن يُروى عنه كلام، أو أن يُنقل عنه ما قاله في مجلس مغلق. ويتمنى، في قرارة نفسه، أن لا يسمع عنه سوءاً، لا من الوزير ولا من النقابة ولا من الأساتذة ولا حتى من الطلبة. ولذلك تراه يحسب كل كلمة، ويزن كل موقف، لا حباً في الحكمة، بل خوفاً من أن يُذكَر اسمه في سياق لا يحبه. ويصبح همه الأول ألا يُقال عنه شيء، لا أن يُقال عنه الحق. وهنا يتقدم الحفاظ على الصورة على الحفاظ على المبدأ، ويصبح الصمت أحياناً أأمن من الكلام، والتملّق أأمن من الصدق.
واللافت أن هذا الانقلاب لا يُمارَس بشفافية. لا أحد يقول: “أنا أغيّر موقفي لأن مصلحتي تغيرت”. بدلاً من ذلك، تُلبَس المواقف الجديدة ثوب المبدأ. من كان يدافع عن قانون ما بالأمس القريب، يكتشف اليوم “ثغراته”. ومن كان يهاجم مشروعاً، يجد فيه فجأة “إيجابيات لم تُلحظ سابقاً”. الخطاب الأكاديمي، الذي يُفترض أن يقوم على الحجة والدليل، يتحول إلى دبلوماسية ناعمة، إلى لغة تتجنب الاصطدام وتُرضي الجميع، أو على الأقل تُرضي من يملك القرار. والنتيجة أن المبدأ يذوب في المصلحة، ويصبح المسؤول كمن يبحث عن ظهر يستند إليه في كل مرحلة، لا عن حقيقة يدافع عنها في كل الأحوال.
هذا السلوك ليس خاصاً بالمغرب. ففي أدبيات الحكامة الجامعية، يُلاحظ أن فترات الانتقال الوزاري تُنتج ما يُسمّى “الولاءات المرنة”، حيث يعيد الفاعلون الإداريون تموضعهم استباقاً للتغيير. لكن الفارق أن في الأنظمة التي تُقيَّم فيها الجامعات بمعايير مستقلة، يكون ثمن هذا التموضع أقل، لأن مصير المسؤول لا يتوقف كلياً على مزاج الوزير. أما حين تظل التعيينات مركزية والتقييم غامضاً، ويظل صوت النقابة مسموعاً وذاكرتها حاضرة، يصبح التملّق استراتيجية بقاء، والانقلاب على الذات مهارة إدارية، والخوف من “الكلام” دافعاً أقوى من أي مبدأ.
والسؤال الذي يطرحه الطلبة والأساتذة، وإن بصوت خافت: إذا كان المسؤول الجامعي مستعداً لتغيير قناعاته مع كل وزير، ويخشى حتى من كلمة تُقال عنه في نقابة أو مجلس، فكيف يمكن أن يُؤتمَن على مشروع جامعي طويل المدى؟ كيف يُدير إصلاحاً بيداغوجياً يحتاج سنوات، وهو يعلم أن ولاءه الأول ليس للمؤسسة بل للمنصب، وأن همه الأول ألا يسمع عنه سوءاً؟ الجامعة، في نهاية المطاف، ليست وزارة. وظيفتها إنتاج المعرفة ونقد السلطة، لا مجاملتها. ومسؤولها الأول يجب أن يكون حارساً لاستقلالها، لا مترجماً لأهواء من يجلس على كرسي الوزارة، ولا خائفاً من ظلٍّ يُقال عنه.
لا أحد يطلب من المسؤول الجامعي أن يكون عدائياً للوزير ولا للنقابة. التعاون مؤسسي ومشروع، والحوار مع النقابة واجب. لكن الفارق بين التعاون والتملّق هو الفارق بين من يقول “سأعمل مع الوزير الجديد وفق القانون”، ومن يقول “لطالما حذرت من سياسات الوزير السابق”. الأول يحفظ كرامة المؤسسة، والثاني يحفظ كرسيه. ومن يخشى كلمة الحق خوفاً من كلمة الناس، لا يصلح أن يُدير مؤسسة يُفترض أن تُعلّم الناس قول الحق.
الوزراء يرحلون. الحكومات تتغير. النقابات تبقى. لكن الذاكرة المؤسسية تبقى أيضاً. وكل مسؤول جامعي يظن أن انقلابه السريع ذكاء إداري، سيُذكَر له لاحقاً في ملف آخر. ليس لأن أحداً سيحاسبه، بل لأن الجامعة، إذا أرادت أن تكون جامعة حقاً، لا بد أن تتذكّر من قلب وجهه في اللحظة التي كان فيها الوجه ثابتاً مطلوباً، ومن صمت خوفاً من كلمة، في اللحظة التي كان فيها الكلام واجباً.