لا بد من تعليق الجرس
وجهة نظر

لا بد من تعليق الجرس

إذا قلت إن حزبي بخير وفي صحة جيدة، فسأكون مناضلًا كاذبًا وغير صادق، فالاعتراف بالمرض العضال الذي يعتري حزبنا واجب على كل مناضل ومناضلة يستشعر بضمير حي ما يمر به حزبه، بل إن الاعتراف بمرضه هو البداية الصحيحة والسليمة لرحلة العلاج التي يتطلبها.

النقاش السياسي والحزبي والتنظيمي مغيّب كليًا منذ سنة 2017 إلى يوم الناس هذا، وهي فترة كافية لأي حزب سياسي لإعادة بناء هياكله وتنظيمه، وتحريك عجلة دوران النخب داخله، وإنتاج خطاب سياسي صادق يستجيب لانتظارات مناضلاته ومناضليه، قبل عموم المواطنات والمواطنين، متى كانت الرغبة والإرادة السياسية متوفرتين.

دخل الحزب إلى حكومة المنصوري كما خرج من حكومة أخنوش، بالبروفايلات نفسها، وكأن الحزب لم يخض غمار الانتخابات التشريعية الأخيرة، ولم يكن يشارك في تجربة حكومية سابقة تستوجب الوقوف عند أدائها وحصيلتها بكثير من النقد الذاتي.

فلا تغيير يُذكر في قائمة وزراء الحزب في الحكومة الجديدة، ممن سبق لهم أن تحمّلوا المسؤولية في الحكومة المنتهية ولايتها، وكأن نخب حزب الاستقلال وأطره وشبابه قد جُمّدت في مكانها منذ سنة 2021.

أما البروفايل الوحيد من داخل الحزب الذي عزّز قائمة وزرائنا الأفاضل، والذي كنا نعقد عليه الأمل في بثّ الروح في فريق وزاري سبق أن اختبرناه، فقد أُعفيت صاحبته بقرار من جلالة الملك، بعد حملة إعلامية شرسة اجترّت واقعة تعود تفاصيلها إلى ما يزيد على عقدين من الزمن.

أما الوزير السابع في قائمة وزراء حزب الاستقلال المشاركين في حكومة المنصوري، فقد أخبرتنا الصفحة الرسمية للحزب على فيسبوك أنه استقلالي الانتماء، وأنه عضو فاعل داخل رابطة الاقتصاديين الاستقلاليين.

والمناضلون الذين قد يساورهم شك، ولو بسيط، في الانتماء العضوي للسيد الوزير، فبالتأكيد هناك صورة محفوظة بعناية، تؤرّخ لمشاركة الرجل في أشغال إحدى الندوات التي نظمتها الرابطة في وقت مضى، ستُشهر في وجوه المشككين في الوقت المناسب، وستثبت لهم، بما لا يدع مجالًا للشك، أنه استقلالي منذ زمن بعيد!

ولا يسعنا، أمام هذا المصاب الجلل، إلا أن نرحّب بالأخ جلال شرف داخل صفوف حزب الاستقلال، بين أخواته وإخوانه، ونتمنى أن يظل وفيًّا لهذا الحزب الذي منحه حقيبة وزارية، حتى في لحظاته الصعبة التي نراها آتية رأي العين.

أما هياكل الحزب وأجهزته، فلا تزال معطّلة وغير مكتملة إلى اليوم.

فتركيبة اللجنة التنفيذية للحزب ناقصة ومبتورة وغير مكتملة، إذ لا تزال خمسة مقاعد شاغرة داخلها، في انتظار أن يفاجئنا الأخ الأمين العام، يومًا ما خلال إحدى دورات المجلس الوطني، بتلاوة أسماء الأعضاء الجدد، لنصفّق لهم بحرارة منقطعة النظير، ونثني أيضًا على حسن اختياره لهم!

ويُقال إن هذه المقاعد الخمسة لن يُفرج عنها أبدًا، ما دامت تؤدي وظيفة لا يُستهان بها، فهي قادرة على إسكات عدد لا بأس به من الأصوات الراغبة في التواجد ضمنها، والتي تقدم تنازلات كبيرة عند كل محطة حتى لا تخرج من دائرة الحساب.

أما اللجنة المركزية، التي تضم مائة عضو ينتخبهم المجلس الوطني، إلى جانب الأمين العام وأعضاء مجلس الرئاسة وأعضاء اللجنة التنفيذية والرؤساء والكتاب العامين لهيئات الحزب وتنظيماته الموازية، فضلًا عن وزراء الحزب، ورئيسَي الفريقين البرلمانيين بمجلسي النواب والمستشارين، والكتاب الجهويين للحزب، والمنسقين الوطنيين للروابط المهنية، ورئيس الجمعية المغربية للمستشارين الاستقلاليين، ومديري صحيفتي الحزب ورئيسَي تحريرهما، فإن الخوض في مسألة انتخابها، أو الحديث عن أدوارها، أو حتى إثارة وضعيتها الحالية، أو التعبير عن الحاجة إليها، أصبح من المحرّمات داخل الحزب.

هذه المؤسسة، المفروض أن تلتئم مرتين في السنة لتضطلع بدراسة السياسة العامة للبلاد، وتحديد مواقف الحزب من القضايا الوطنية، وتتبع تنفيذ قرارات المجلس الوطني، ومناقشة تقارير اللجنة التنفيذية بشأن القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتنظيمية، معطّلة نهائيا منذ أبريل 2024 إلى أجل غير مسمى.

أما برلمان الحزب، الذي يُعتبر أعلى سلطة تقريرية بعد المؤتمر العام، والمنوط به تحديد التوجهات الكبرى لنشاط الحزب وبرنامج عمله، والمصادقة على البرنامج السنوي والميزانية السنوية المقدَّمَين من لدن اللجنة التنفيذية، فقد تحوّل إلى ساحة للتدافع والصراع، ليس حول الأفكار والقناعات والمواقف والرؤى، بل حول من سيصفّق أكثر وأحسن، ومن سيفوّض للأمين العام دون شروط ولا قيود.

وإذا لم تُحسن التصفيق، ولم تبتسم وأنت تصفّق، وإذا لم تفوّض إلى الأخ الأمين العام دون شروط أو قيود، فأنت بالضرورة ضد حزبك وضد مصالحه العليا وضد أمينك العام، وتدخل في خانة المصابين بمرض معدٍ، يصبح اجتنابك وعدم الاقتراب منك أو حتى السلام عليك أمرًا ضروريًا للنجاة.

إننا لم نعد أمام حزب الاستقلال الذي نعرفه بمواقفه ومساره وتاريخه وتعدد الآراء وزوايا النظر داخل مؤسساته وهياكله، بقدر ما أصبحنا أمام إدارة أقرب إلى عمالة، بكل ما يحمله هذا التوصيف من رتابة وخمول وبيروقراطية جافة، إدارة لا مكان فيها للنقاش السياسي والتنظيمي والحزبي، ولا مساحة فيها للاختلاف وإبداء الرأي، الذي كان على الدوام مصدر قوة الحزب وحيويته.

إن الجرس لا بد أن يُعلَّق، ولا يهمّ مآل صاحب المهمة، فالأهم أن يُسمع صوت الجرس، وأن يصل صداه إلى من اعتادوا ألّا يسمعوا.

* محمد بنساسي عضو المجلس الوطني لحزب الاستقلال