المصطفى قاسمي
وجهة نظر

التعليم العالي والبحث العلمي بالمغرب: دراسة تشخيصية في الإكراهات البنيوية وآليات التحول التنموي

يُشكل التعليم العالي والبحث العلمي المدخل الاستراتيجي الحيوي لبناء اقتصاد المعرفة، وتكريس الأمن ، وتحقيق التنمية الشاملة والمستدامة. ويُقصد بالتعليم العالي ذلك المنظوم الأكاديمي والبحثي المنوط به إعداد الكفاءات العليا، وإنتاج المعرفة وتطبيقها، وتقديم الحلول العلمية والتكنولوجية للإشكاليات المجتمعية والاقتصادية.

وفي السياق المغربي، حظيت هذه المنظومة باهتمام إصلاحي متواصل عبر محطات مفصلية؛ بدءاً من “الميثاق الوطني للتربية والتكوين” (1999)، مروراً بـ “الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015-2030″، ووصولاً إلى “المخطط الوطني لتسرِيع تحوّل نظام التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار” وتوصيات “النموذج التنموي الجديد”. غير أن الجامعة المغربية لا تزال تواجه تحديات هيكلية تجعل أثرها التنموي دون مستوى الطموحات الوطنية، مما يستدعي إعادة قراءة مكامن الخلل بجرأة موضوعية ورؤية إصلاحية شمولية.

فإلى أي حد تحول العوائق البنيوية المرتبطة بتقييد حركية الأساتذة الباحثين، وتسييس المناصب الإدارية، وضعف التمويل العمومي، وعزلة الجامعات عن الممارسة الميدانية، دون تحول الجامعة المغربية إلى قاطرة حقيقية للتنمية والسيادة الوطنية؟ وكيف يمكن إرساء نموذج حكامة بديل يستثمر في الرأسمال البشري والتمويل المبتكر؟

تتفرع عن هذه الإشكالية الأسئلة الفرعية التالية:

1. كيف تؤثر قيود شرط “المنصب المالي” وحظر الجمع بين التدريس والممارسة الميدانية على جودة التكوين والإنتاج العلمي؟

2. ما هو أثر تسييس القيادات الأكاديمية وتهميش الخبرة والأقدمية على نجاعة حكامة المؤسسات الجامعية؟

3. ما هي الآليات والبدائل التمويلية المبتكرة الكفيلة بتجاوز معضلة محدودية الاعتمادات الموازناتية العمومية المخصصة للبحث العلمي؟

القسم الأول: إكراهات الرأسمال البشري الأكاديمي والتدبير الإداري بالجامعة المغربية:

يتناول هذا القسم بالتحليل التشخيصي القضايا المتعلقة بالعنصر البشري باعتباره المحرك الأساسي للمنظومة، مع فحص الاختلالات البنيوية التي تحيط بالوضعية المهنية والحركية والحكامة الإدارية.

المطلب الأول: تحرير الحركية الأكاديمية وتفكيك الشطط البيروقراطي (إشكالية المنصب المالي)

تعتبر الحركية الجغرافية والأكاديمية للأساتذة الباحثين شرياناً حيوياً لتجديد المعارف وتلاقح الخبرات بين الجامعات الوطنية. غير أن الواقع العملي يصطدم بشرط بيروقراطي مكبل يتجلى في اشتراط موافقة المؤسسة الأصيلة وتوفر “المنصب المالي” لدى الجامعة المستقبِلة.

تأثير احتجاز الكفاءات: تحول هذا الشرط الإداري في كثير من الأحيان إلى أداة للشطط في استعمال السلطة، حيث يُلزم الأستاذ الباحث بالاشتغال في ظروف الاستقرار الأسري والاجتماعي الصعبة، مما ينعكس سلباً على صحته النفسية وعطائه العلمي.

البديل القانوني: إن الأستاذ الباحث هو موظف لدى الدولة (قطاع التعليم العالي)؛ ومن ثمة يتوجب نقل صلاحية تحويل المناصب المالية مركزياً إلى السلطة الحكومية الوصية، وتفعيل منصات التبادل التلقائي دون الارتهان للبيروقراطية المحلية.

المطلب الثاني: الجمع بين التدريس والممارسة الميدانية (التكامل البيداغوجي والواقعي)

يُشكل منع الأساتذة الباحثين في بعض التخصصات التطبيقية والحيوية (كالطب، الهندسة، القانون، والعلوم الاجتماعية) من الممارسة المهنية والميدانية مفارقة تتنافى مع المنطق العلمي.

المساهمة في جودة التكوين: إن الانفصال التام عن الميدان يحول الأستاذ إلى ناقل لنظريات جامدة، بينما يضمن الاحتكاك المباشر بالمستشفيات، والمصانع، والمحاكم، والجماعات الترابية نقل مهارات عملية حية للطلبة وإنجاز أبحاث تُعالج مشاكل واقعية.

الحكامة والضبط التعاقدي: التخوف من تضارب المصالح لا يُعالج بالمنع الشامل، بل بتنظيم “التفرغ الجزئي المأذون” عبر عقود الشفافية، والتصريح بالمصالح، وتوجيه نسبة من عائدات الخبرات الميدانية لدعم ميزانيات المختبرات الجامعية.

المطلب الثالث: عقلنة القيادة الأكاديمية وتجاوز التسييس والمحاصصة

ترتبط جودة الأداء الأكاديمي مباشرة بنوعية القيادات الإدارية (رؤساء الجامعات، العمداء، ورؤساء الشعب والمختبرات).

مخاطر تسييس المناصب: إخضاع التعيينات للمحاصصة السياسية أو الولاءات الشخصية والنقابية يؤدي إلى إبعاد الكفاءات ذات الأقدمية العلمية والتراكم الرصين، مما يورث حالة من الإحباط الجماعي وتراجع كفاءة القرار الإداري.

تثمين الأقدمية والاستحقاق: يقتضي الإصلاح إحداث لجنة وطنية مستقلة لانتقاء القيادات، تعتمد شبكة تنقيط صارمة تمنح الوزن الأكبر للتراكم العلمي والأقدمية الأكاديمية والمشروع التنموي، مع ربط تقلد المسؤولية بعقود أهداف خاضعة للمحاسبة والتقييم الدوري.

القسم الثاني: أفق المستقبل: البدائل التمويلية ونماذج الشراكة الاستراتيجية

يتناول هذا القسم بالدراسة والتحليل الميكانيزمات الكفيلة بتجاوز ضائقة التمويل العمومي، وتحويل الجامعة من مؤسسة مستهلكة للرصيد الموازناتي إلى فاعل اقتصادي ومعرفي منتج للثروة.

المطلب الأول: ميكانيزمات التمويل البديل والمبتكر للبحث العلمي

في ظل استقرار الإنفاق العمومي على البحث العلمي عند مستويات محدودة، أصبحت الحاجة ملحة لاستنباط آليات تمويل غير تقليدية تستند إلى الرأسمال اللامادي والشراكات المستدامة:

الأثر التنموي والأكاديمي

  • تحفيز القطاع الخاص على الاستثمار في أبحاث الجامعة وتوجيهها نحو احتياجات السوق.
  • تحقيق استقلالية مالية مستدامة للجامعات بعيداً عن الميزانية العامة للدولة.
  • توفير فرص عمل للباحثين الشباب وتطوير النسيج الإنتاجي الوطني.
  • تحويل الأبحاث النظرية إلى ملكية فكرية منتجة للمداخيل المباشرة للجامعة.

الشروط والآليات الإجرائية

  • منح إعفاءات وتخفيضات ضريبية للمقاولات التي تمول الأبحاث الجامعية أو تشتري براءات الاختراع.
  • إرساء إطار قانوني يحفز الأوقاف والتبرعات المالية والعقارية لصالح الجامعات والكراسي العلمية.
  • عقود ثلاثية تلتزم بموجبها المقاولة بتمويل راتب الباحث لتكريس أطروحته لحل مشكلة صناعية أو تقنية.
  • تأسيس شركات مشتقة من المختبرات لتسويق الابتكارات ونقل التكنولوجيا

المطلب الثاني: الدبلوماسية الأكاديمية والتمويل الدولي

يُعد الانفتاح على الشبكات العلمية الدولية نافذة استراتيجية لاستقطاب الموارد المالية واللوجستية:

استثمار البرامج الدولية: تعزيز مشاركة الفرق البحثية الوطنية في البرامج المُموّلة بالكامل من الهيئات الدولية (مثل برامج الاتحاد الأوروبي للبحث والابتكار)، مما يوفر اعتمادات ضخمة لتجهيز المختبرات دون إثقال الميزانية الوطنية.

تعبئة الكفاءات بالخارج (شبكات الشتات العلمي): بناء جسور التواصل المؤسساتي مع العلماء والباحثين المغاربة في الجامعات الدولية للاستفادة من خبراتهم في الإشراف المشترك واستقطاب المنح الأجنبية.

المطلب الثالث: إعادة توجيه الجامعة نحو السيادة الوطنية والرهانات الترابية

لكي تحافظ الجامعة على موقعها كقاطرة للتنمية، يجب إعادة ربط أبحاثها بالتحديات الاستراتيجية الكبرى للمملكة:

أبحاث السيادة: توجيه الدعم والإنفاق البحثي نحو الأولويات الوطنية: الأمن المائي، الطاقات المتجددة، الهيدروجين الأخضر، السيادة الصحية والدوائية، والذكاء الاصطناعي.

الاندماج في الجهوية المتقدمة: تحويل الجامعة إلى مركز استشاري وعلمي معتمد لدى الجماعات الترابية، يقدم الحلول البيئية والاقتصادية والمجالية لمشاريع التنمية الجهوية.

5. الاستنتاجات والتوصيات

تأسيساً على ما تقدم من تحليل تشخيصي نخلص إلى نتائج واستنتاجات حاسمة، يُمكن إجمالها فيما يلي:

أولاً: الاستنتاجات العلمية

1. إن القيود البيروقراطية (لا سيما شرط المنصب المالي للانتقال، وحظر الممارسة الميدانية) تُشكل عائقاً هيكلياً يُعطل الإنتاجية العلمية ويُعمق الفصل بين الجامعة ومحيطها المجتمعي.

2. إن تسييس المناصب الإدارية وتهميش معايير الأقدمية والاستحقاق العلمي يُضعف النجاعة التدبيرية ويؤدي إلى إحباط الرأسمال البشري الأكاديمي.

3. إن التمويل العمومي المباشر -على أهميته- غير كافٍ بمفرده، وأن مستقبل البحث العلمي مرهون بالتحول نحو اقتصاد المعرفة والاستفادة من التحفيز الضريبي، والأوقاف العلمية، والشراكة مع القطاع الإنتاجي.

ثانياً: التوصيات الإجرائية

على المستوى التنظيمي والمهني:

1. إصدار نص تنظيمي صريح يُلغي شرط موافقة المؤسسة الأصيلة للحركية الأكاديمية، ويعتمد منصة رقمية مركزية لـ “تحويل المناصب المالية”والتبادل المزدوج

2. وضع إطار قانوني مرن يُنظم “التفرغ الجزئي المأذون” للأساتذة الباحثين للجمع بين التدريس والممارسة الميدانية وفق عقود حكامة شفافة تمنع تضارب المصالح وتدعم ميزانيات المختبرات.

على مستوى الحكامة والقيادة:

3. إحداث “لجنة وطنية مستقلة لانتقاء القيادات الأكاديمية” تعتمد شبكة تنقيط موضوعية تمنح الوزن الأكبر للتراكم العلمي والأقدمية، وتخضع المسؤولين لعقود أهداف سنوية خاضعة للمحاسبة والتقييم.

على مستوى التمويل والبحث الاستراتيجي:

4. سن تشريعات تمنح إعفاءات ضريبية مغرية للشركات الاستثمارية الداعمة للبحث الجامعي، ومأسسة صناديق الوقف العلمي.

5. ربط تمويل المشاريع البحثية بالأجندة السيادية للدولة (الأمن المائي، الغذائي، الصحي، والتحول الرقمي) لضمان تحول الجامعة إلى فاعل حقيقي في النموذج التنموي الجديد.