حكومة فاطمة الزهراء المنصوري بين تجديد الرئاسة واستمرار الهيكلة
وجهة نظر

حكومة فاطمة الزهراء المنصوري بين تجديد الرئاسة واستمرار الهيكلة

عكست حكومة فاطمة الزهراء المنصوري مفارقة سياسية تتمثل في الجمع بين خطاب التجديد على مستوى القيادة واستمرارية الهيكلة الحكومية على مستوى التنظيم وتوزيع القطاعات. فبالرغم من الرهانات التي رافقت انتخابات 23 شتنبر 2026، وما صاحبها من خطاب حول تجديد النخب وإعادة ترتيب المشهد الحزبي، فإن التغيير لم يمتد بالضرورة إلى البنية التنظيمية للحكومة بالقدر نفسه الذي مسّ رئاستها. مما يفضي إلى التساؤل حول خلفيات هذا الوضع من الناحية السياسية أو الشخصية.

1. تجديد القيادة مقابل استمرارية البنية الحكومية

إن تعيين فاطمة الزهراء المنصوري على رأس الحكومة يمثل تحولاً رمزياً وسياسياً مهماً، بالنظر إلى ما يحمله من دلالات مرتبطة بالتجديد القيادي والتمثيلية النسائية. غير أن الحفاظ على الهيكلة الحكومية نفسها، أو على معظم معالمها، يطرح تساؤلاً حول مدى انتقال هذا التجديد من مستوى الأشخاص والرموز إلى مستوى المؤسسات والسياسات العمومية. فتجديد رئيس الحكومة لا يعني بالضرورة تجديد نموذج اشتغال الحكومة؛ فقد تتغير القيادة بينما تستمر القواعد التنظيمية نفسها، وتظل العلاقة بين القطاعات الحكومية وآليات تدبيرها على حالها. إذ ينبغي التمييز بين مدونة الانتخابات التي تم تعديلها وبين القواعد التي تحكم تشكيل الحكومة. فمدونة الانتخابات تؤثر في شروط التنافس والتمثيل السياسي وإنتاج الخريطة الحزبية، لكنها لا تفرض، في حد ذاتها، إعادة هيكلة القطاعات الوزارية أو تغيير توزيع الاختصاصات. لذلك، فإن تجديد الخريطة السياسية الناتج عن الانتخابات لا يؤدي آلياً إلى تجديد البنية الحكومية. فقد تفرز الانتخابات توازنات حزبية جديدة، بينما تفضل مفاوضات تشكيل الأغلبية الحفاظ على الهيكلة القائمة لضمان الاستقرار وسرعة تشكيل الحكومة.ومن هنا يمكن طرح السؤال التالي: هل استُثمرت التحولات الانتخابية في إعادة بناء الجهاز التنفيذي، أم جرى استيعابها داخل البنية الحكومية الموروثة؟

الاستمرارية بوصفها اختياراً سياسياً

يمكن تفسير الحفاظ على الهيكلة الحكومية بعدة اعتبارات محتملة منها :

– ضمان الاستمرارية: لتفادي الاضطراب الذي قد ينتج عن إعادة توزيع الاختصاصات وإحداث قطاعات جديدة أو دمجها.

– الحفاظ على التوازنات الحزبية: من خلال تسهيل التفاوض بين مكونات الأغلبية بشأن الحقائب الوزارية.

– تجنب الكلفة التنظيمية: بعدم الدخول في مرحلة جديدة من إعادة توزيع الموارد والاختصاصات الإدارية.

– تقديم التجديد في صورة القيادة: بجعل تغيير رئيس الحكومة أبرز مظاهر التحول، مع الإبقاء على قدر معتبر من الاستمرارية المؤسسية.

المفارقة بين خطاب الانتخابات وممارسة تشكيل الحكومة

تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة إذا ُربطت بخطاب تجديد النخب الذي رافق انتخابات 23 شتنبر 2026. فحين تقدم الانتخابات باعتبارها مدخلاً لإعادة ترتيب المشهد السياسي، ينتظر أن تنعكس نتائجها ليس فقط على هوية رئيس الحكومة، وإنما أيضاً على طريقة تنظيم السلطة التنفيذية وتحديد أولوياتها. لكن استمرار الهيكلة الحكومية قد يكشف عن حدود قدرة التغيير الانتخابي على إحداث تحول مؤسسي داخل الجهاز التنفيذي، أو على تفضيل الفاعلين السياسيين الاستمرارية التنظيمية على حساب إعادة البناء. إذ تكشف حكومة فاطمة الزهراء المنصوري عن مفارقة بين خطاب التجديد السياسي الذي رافق انتخابات 23 شتنبر 2026، وبين استمرار الهيكلة الحكومية التي ميزت المرحلة السابقة. فباستثناء تجديد رئاسة الحكومة وما قد صاحبه من تغير في التمثيلية البشرية والسياسية، يبدو أن التحول لم يمتد بالضرورة إلى إعادة بناء الجهاز التنفيذي أو مراجعة هندسته التنظيمية. وهو ما يطرح سؤالاً حول طبيعة التجديد الذي أفرزته الانتخابات: هل نحن أمام تجديد في قيادة الحكومة، أم أمام تحول أعمق في بنية السلطة التنفيذية وآليات اشتغالها؟ وبذلك، قد يكون التحدي الأساسي أمام الحكومة الجديدة هو الانتقال من التجديد الرمزي المرتبط بتغيير القيادة إلى التجديد الوظيفي المرتبط بالأداء والنجاعة والاستجابة لانتظارات المواطنين. وبالتالي ، يبقى السؤال الأكثر أهمية في هذا السياق: هل تمثل رئاسة فاطمة الزهراء المنصوري للحكومة بداية مرحلة سياسية جديدة بالفعل، أم أن تغيير رأس الحكومة جرى داخل بنية تنفيذية حافظت على قدر كبير من استمرارية المرحلة السابقة؟

2 مظاهر الاستمرارية في حكومة فاطمة الزهراء المنصوري

تتجلى الاستمرارية في هذه الحكومة الجديدة ليس فقط في استمرار وزراء السيادة في مناصبهم ، بل تمتد إلى احتفاظ الأحزاب المشاركة بعدد من الوجوه المألوفة التي راكمت تجربة حكومية سابقة. و عودة شخصيات سياسية سبق لها تحمل المسؤولية الحكومية، مثل نبيل بنعبد الله و شرفات أفيلال.

احتفاظ وزراء السيادة بمناصبهم وتكريس الاستمرارية المؤسساتية للدولة

وفقاً للتشكيلة الحكومية المعلنة يوم 16 أكتوبر 2026، فقد حافظ ” وزراء السيادة “على مناصبهم في حكومة فاطمة الزهراء المنصوري ، حيث تم إعادة تعيين عبد الوافي لفتيت وزيرا للداخلية و تدبير الإدارة الترابية والشؤون الداخلية، وناصر بوريطة وزير للشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، وأحمد التوفيق وزيرا للأوقاف والشؤون الإسلامية الشؤون الدينية ، و عبد اللطيف لوديي وزيرا منتدبا لدى رئيسة الحكومة المكلف بإدارة الدفاع الوطني. فهؤلاء المسؤولين الخمسة احتفظوا بمواقعهم، بينما تغير الأمين العام للحكومة، إذ عين حسن طارق خلفاً لمحمد حجوي.

وبالتالي ، فإن استمرار هؤلاء المسؤولين، وعلى رغم كبر سن بعضهم كأحمد التوفيق الذي تجاوز عقده الثامن ، على رأس “القطاعات السيادية” يعكس حرصاً في المحافظة على استقرار المؤسسات التي تضطلع بوظائف استراتيجية، وعلى ضمان استمرارية السياسات المرتبطة بالأمن والشؤون الداخلية والخارجية والشؤون الدينية، بحسب اختصاص كل قطاع. إذ تكتسب هذه الاستمرارية دلالة سياسية إضافية بأن التغيير طال رئاسة الحكومة نفسها، في حين احتفظت شخصيات أساسية بمواقعها، مثل عبد الوافي لفتيت في الداخلية، وناصر بوريطة في الخارجية، وأحمد التوفيق في الأوقاف والشؤون الإسلامية، وعبد اللطيف لوديي في إدارة الدفاع الوطني. وهذا يعني أن التغيير لم يشمل جميع مستويات السلطة التنفيذية بالدرجة نفسها؛ فقد تغيرت القيادة السياسية وتوزيع عدد من الحقائب، بينما استمر قدر مهم من الاستقرار في القطاعات الاستراتيجية. و يثير هذا الوضع سؤالاً حول هامش المناورة المتاح لرئيسة الحكومة في تشكيل فريقها.

فاستمرار المسؤولين أنفسهم في “القطاعات السيادية” قد يعكس خصوصية هذه القطاعات داخل النظام السياسي المغربي، حيث لا تتحدد اختياراتها وفق التوازنات الحزبية وحدها. بينما يكتسب تعيين حسن طارق ، الذي عين خلفاً لمحمد الحجوي الذي شغل المنصب منذ سنة 2017 ، أهمية خاصة لأنه يمثل أبرز تغيير في الأمانة العامة للحكومة، وهي مؤسسة تضطلع بدور محوري في المسار القانوني والتشريعي للعمل الحكومي. فقد سبق أن تولى حسن طارق منصب وسيط المملكة، وعمل سفيراً للمغرب في تونس، كما سبق أن انتُخب نائباً برلمانياً عن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. وبالتالي ، فإذا كان استمرار وزراء الداخلية والخارجية والعدل والأوقاف وإدارة الدفاع الوطني يعكس استقراراً في النواة السيادية، فإن تغيير الأمين العام للحكومة يشير إلى أن الاستمرارية لم تشمل جميع المواقع بالدرجة نفسها.

خاصة وأن الأمانة العامة للحكومة تتولى تنسيق العمل القانوني، ومراجعة مشاريع النصوص التشريعية والتنظيمية، والمساهمة في ضمان انسجامها مع المنظومة القانونية. ولذلك فإن تغيير المسؤول عنها قد تكون له أهمية في أسلوب مواكبة البرنامج التشريعي للحكومة، وإن لم يكن دليلاً بذاته على تغيير التوجهات السياسية للدولة. كما لا تكمن أهمية هذا التعيين في الكفاءة القانونية والأكاديمية وحدها، بل أيضاً في المسار السياسي لحسن طارق المرتبط سابقا بالاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وهو أحد الأحزاب المشاركة في الأغلبية الجديدة. وهنا يمكن طرح احتمالين:

تأويل سياسي: قد يعكس التعيين إدماج شخصية ذات خلفية حزبية يسارية في موقع مؤسساتي مهم، بالتزامن مع عودة الاتحاد الاشتراكي إلى المشاركة في الحكومة.

تأويل مؤسساتي: قد يكون الاختيار قائماً على خبرته في القانون العام والعمل الإداري والبرلماني والدبلوماسي، وهي مجالات ترتبط مباشرة بطبيعة مهام الأمانة العامة للحكومة.غير أن دلالة هذا التعيين تشمل التغيير في الأشخاص، لكنه ليس بالضرورة استثناءً من منطق الاستمرارية المؤسساتية. فالأمانة العامة للحكومة تختلف عن وزارات الداخلية والخارجية والعدل والأوقاف والدفاع من حيث طبيعة المهام، وإن كانت ذات أهمية استراتيجية في تنسيق العمل القانوني والتنظيمي. لذلك يمكن فهم تعيين حسن طارق باعتباره تغييراً في المسؤول عن مؤسسة مركزية، من دون أن يعني ذلك بالضرورة تحولاً في بنية مراكز القرار السيادي.

وهكذا يمكن التمييز هنا بين ثلاثة مستويات من الاستمرارية:

استمرارية مؤسساتية: من خلال الحفاظ على حضور القطاعات الوزارية ذات الطابع السيادي واستقرار المسؤولين على رأس عدد منها، بما يعكس أهمية الاستقرار المؤسساتي في مقابل التغيير على مستوى القيادة الحكومية.

استمرارية حزبية ونخبوية: من خلال إعادة استوزار شخصيات مألوفة، بما يؤكد استمرار اعتماد الأحزاب على نخبها المجربة، بدلاً من إحداث قطيعة واضحة مع الوجوه التي طبعت المرحلة السابقة.

استمرارية سياسية مع انتقائية في التجديد: من خلال الجمع بين الاحتفاظ ببعض الأسماء، وإعادة وجوه سابقة إلى دائرة القرار التنفيذي، وإبعاد أسماء أخرى، بما يجعل التغيير انتقائياً وليس شاملاً. إذ تكتسب عودة الوجوه السياسية السابقة دلالة تتجاوز مسألة الاستفادة من الخبرة الحكومية؛ إذ يمكن قراءتها باعتبارها مؤشراً على أن تشكيل الحكومة لا يقوم بالضرورة على معيار التجديد الجيلي أو ضخ دماء جديدة، وإنما يتأثر أيضاً بموازين القوى بين الأحزاب، وبقدرتها على التفاوض بشأن الحقائب الوزارية، وبحسابات القيادة الحزبية.

3 خلفيات تشكيل حكومة فاطمة الزهراء المنصوري

هل يمكن قراءة التشكيلة التي ترأستها فاطمة الزهراء المنصوري باعتبارها عقاباً سياسياً لأخنوش والتجمع الوطني للأحرار؟ حيث يمكن طرح هذه الفرضية انطلاقاً من التمييز بين الحزب ورئيسه. فإذا كان تراجع تمثيلية التجمع الوطني للأحرار أو تقلص نفوذه داخل الحكومة يعكس نتائج الانتخابات أو إعادة توزيع مراكز القرار، فقد يُقرأ ذلك باعتباره تراجعاً في موقع أخنوش السياسي، وليس بالضرورة عقاباً مباشراً للحزب بأكمله. وتزداد أهمية هذه القراءة إذا ربطناها بثلاثة أسئلة:

– هل فقد أخنوش جزءاً من قدرته على التحكم في تشكيل الحكومة وتوزيع الحقائب؟

– هل أدى تراجع موقعه إلى إعادة توزيع النفوذ داخل الأغلبية؟

– هل كان الضغط المفترض يرمي إلى دفعه للتنحي عن رئاسة الحزب، أم أن الأمر يتعلق بتداعيات سياسية وانتخابية أوسع؟

ولعل ما يؤكد هذه الفرضية استقطاب فوزي لقجع وإسناد وزارة المالية إليه. ففوزي لقجع لم يعد مجرد شخصية تقنية مرتبطة بتدبير المالية العمومية وكرة القدم؛ بل أصبح، بعد انضمامه إلى حزب الأصالة والمعاصرة، شخصية تجمع بين الخبرة الإدارية والاقتصادية والرأسمال الرمزي الذي راكمه في المجال الرياضي. وقد أشارت تقارير صحفية سابقة إلى أن التحاقه بالحزب فُهم باعتباره تحولاً مهماً في حسابات المنافسة السياسية. ثم جاء تعيينه في 16 أكتوبر 2026 وزيراً للاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، في حكومة تقودها رئيسة من حزب الأصالة والمعاصرة، وهو ما يمنح الحزب حضوراً قوياً في موقع مركزي من مواقع القرار الاقتصادي. ويمكن قراءة ذلك من ثلاث زوايا:

– تقوية موقع الأصالة والمعاصرة: عبر إدماج شخصية ذات كفاءة تقنية وشهرة وطنية في موقع وزاري استراتيجي.

– إعادة توزيع النفوذ داخل الأغلبية: فوزارة المالية ليست مجرد حقيبة قطاعية، بل تتيح لصاحبها التأثير في إعداد الميزانية وتحديد الأولويات وتوزيع الموارد.

– تقليص احتكار حزب بعينه للنفوذ الاقتصادي: فإذا ثبت أن التجمع الوطني للأحرار كان يعتبر هذه الوزارة مجالاً أساسياً لنفوذه، فإن انتقالها إلى فوزي لقجع الوزير المنتدب السابق في المالية يمكن أن يُقرأ بوصفه تحولاً في ميزان القوى داخل الأغلبية.

بالاضافة إلى ذلك فهناك دلالة التناقض بين تصريح الطالبي العلمي والنتيجة النهائية.ففي غشت 2026، تداولت وسائل إعلام تسجيلاً منسوباً إلى راشيد الطالبي العلمي يتضمن رفضاً صريحاً لإسناد وزارة المالية إلى لقجع، في سياق التنافس بين التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة. وقد تناولت وسائل إعلام مضمون التسجيل وسياقه الحزبي. ثم جاءت النتيجة النهائية بإسناد وزارة الاقتصاد والمالية إلى لقجع، المنتمي إلى الأصالة والمعاصرة، ضمن حكومة لا يشارك فيها التجمع الوطني للأحرار، بل تتكون أغلبيتها من الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية. هذا التسلسل يسمح يطرح قراءة سياسية لافتة:

– تحقق رغبة الأصالة والمعاصرة في استقطاب لقجع وإدماجه في صفوفه.

– لم يحصل التجمع الوطني للأحرار على موقع داخل الأغلبية الجديدة يتيح له المشاركة في تدبير الحكومة.

– انتهت المعركة حول وزارة المالية إلى نتيجة معاكسة تماماً للموقف الذي عبّر عنه الطالبي العلمي.

ومع ذلك، ينبغي ألا نخلط بين انتصار سياسي للأصالة والمعاصرة في هذه المواجهة وبين إثبات أن تعيين لقجع كان عقوبة موجهة إلى أخنوش. فالأول تؤيده الوقائع المتعلقة بالانتماء الحزبي والتعيين، أما الثاني فيحتاج إلى أدلة إضافية على نية العقاب أو وجود قرار سياسي بهذا الاتجاه.

إلى جانب ذلك يطرح سؤال حول هل يشكل إبعاد إدريس لشكر وإعادة نبيل بنعبد الله وشرفات أفيلال وجهاً آخر للمعادلة؟ إذ يمكن أن يثير عدم دخول لشكر الحكومة سؤالاً حول حدود التمثيل الحكومي للقيادات الحزبية. فقد جرت الأعراف في تشكيل أغلب الحكومات الائتلافية بالمملكة أن يشارك رؤساء الأحزاب في كل الحكومات ويتقلدوا حقائب وزارية وازنة ، بما فيها حكومة فاطمة الزهراء التي يشارك فيها الأمين العام لحزب الاستقلال والأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية بينما أبعد الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية التي أسند له التفويض من طرف قيادة حزبه للمشاورات بشأن توزيع الحقائب داخل هذه الحكومة مما يمكن اعتبار ذلك عقاباً سياسياً . خاصة إذا ما تم ربط ذلك بخروج لشكر في برنامج نقطة إلى السطر و الاستقبال الملكي الثاني لرئيسة الحكومة المعينة ليتم مباشرة تعيين الحكومة عشية الجمعة 16 شتنبر 2026. في حين تمثل عودة الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية نبيل بنعبد الله إلى الحكومة وزيراً للتربية الوطنية، بعد غضبة ملكية أبعدته عن مشاركته في حكومات سابقة، عودة واضحة لقيادة حزبية ذات تجربة سياسية. حيث يمكن تفسيرها باعتبارها إعادة إدماج لحزب التقدم والاشتراكية في دائرة المسؤولية التنفيذية، بما يوسع القاعدة السياسية للأغلبية. كما أن عودة شرفات أفيلال إلى الحكومة وزيرة للطاقة والمناجم والتنمية المستدامة تفتح سؤالاً حول استعادة بعض الشخصيات لمواقعها بعد مرحلة من التراجع السياسي. وبالتالي ،فعودتهما تمثل تراجعاً عن «غضبة» ملكية سابقة ووجود قرار واحد بإعادة الاعتبار إليهما، فاجتماع هذه الحالات يسمح بطرح فرضية أوسع: هل أعادت الحكومة الجديدة ترتيب مواقع النخب الحزبية وفق توازنات جديدة، فاستوعبت شخصيات وأحزاباً، وقلّصت في المقابل مواقع شخصيات أخرى؟

وعموما ، فلا يمكن اختزال مظاهر الاستمرارية في الحكومة الجديدة في مجرد الاحتفاظ ببعض الوزراء أو إعادة استوزار شخصيات سابقة، بل ينبغي قراءتها في سياق إعادة ترتيب موازين القوى داخل الحقل السياسي المغربي. فمن جهة، يوحي خروج التجمع الوطني للأحرار من الأغلبية الجديدة بتراجع موقع عزيز أخنوش في تدبير السلطة التنفيذية، ومن جهة ثانية، يعكس إسناد وزارة الاقتصاد والمالية إلى فوزي لقجع، بعد انضمامه إلى حزب الأصالة والمعاصرة، تعزيزاً لموقع هذا الحزب في مركز القرار الاقتصادي، كما يكتسب دلالة خاصة بالنظر إلى المواجهة المعلنة سابقاً حول أحقية لقجع في هذه الحقيبة. وفي المقابل، تبرز عودة نبيل بنعبد الله وشرفات أفيلال بوصفها مؤشراً على إعادة إدماج شخصيات سياسية سبق أن غادرت الحكومة، بينما يطرح عدم استوزار إدريس لشكر تساؤلات حول معايير الانتقاء بين القيادات الحزبية. وهكذا، قد لا يكون تشكيل الحكومة مجرد تجديد للنخب، وإنما عملية انتقائية لإعادة توزيع مواقع النفوذ، تجمع بين إضعاف مواقع سياسية سابقة، وتعزيز مواقع أخرى، وإعادة إدماج بعض الوجوه في دائرة القرار التنفيذي. لذا تكمن المفارقة الأساسية في أن تعيين فاطمة الزهراء المنصوري على رأس الحكومة يمثل تجديداً رمزياً وسياسياً مهماً، بالنظر إلى دلالة وصول امرأة إلى هذا المنصب، غير أن هذا التجديد في قمة الهرم الحكومي لم يصاحبه بالضرورة تجديد مماثل في تركيبة النخب الحكومية.وبذلك، يمكن التمييز بين تجديد القيادة واستمرارية النخب: فقد يتغير الشخص الذي يقود الحكومة، وتتغير بعض الوجوه، بينما تظل قواعد إعادة إنتاج النخب وأساليب توزيع المسؤوليات قريبة من الممارسات السابقة.وهنا تبرز ثلاثة أسئلة أساسية:

  1. هل يتعلق الأمر بتجديد في قيادة الحكومة أم بتجديد أوسع في النخبة السياسية؟
  2. هل تعكس عودة الوجوه السابقة الثقة في التجربة والخبرة، أم محدودية قدرة الأحزاب على إنتاج نخب بديلة؟
  3. هل يشكل إبعاد بعض القيادات الحزبية دليلاً على استقلال التشكيل الحكومي عن التراتبية الداخلية للأحزاب، أم أنه نتيجة لتوازنات تفاوضية جديدة؟

وهكذا ، فعلى الرغم من خطاب التجديد الذي رافق تشكيل حكومة فاطمة الزهراء المنصوري، فإن تركيبتها تكشف عن حضور قوي لمظاهر الاستمرارية. حيث لا يقتصر ذلك على استمرار عدد من وزراء القطاعات السيادية، باستثناء الأمين العام للحكومة، بل يمتد إلى احتفاظ الأحزاب المشاركة بعدد من الوجوه المألوفة، وإعادة استوزار شخصيات سبق لها تحمل المسؤولية الحكومية، من قبيل نبيل بنعبد الله وأفيلال. وفي المقابل، يثير إبعاد إدريس لشكر تساؤلات بشأن المعايير التي تحكم الانتقاء بين النخب الحزبية وتحديد من ينتقل منها إلى المجال التنفيذي. وهكذا، يبدو أن التجديد الذي حمله تعيين امرأة على رأس الحكومة لم يؤد بالضرورة إلى قطيعة مع النخب السياسية السابقة، بل أفرز صيغة تجمع بين تجديد رمزي على مستوى القيادة واستمرارية نسبية في بنية النخبة الحكومية، بما يجعل السؤال الأساسي ليس فقط من يقود الحكومة، وإنما أيضاً من يستمر في تدبير السلطة التنفيذية، ومن يُعاد إدماجه فيها، ومن يُستبعد من دوائرها.