أشرف إدعلي
منتدى العمق

إعفاء مديحة خيير: هل تتعارض حماية المعطيات الشخصية مع المساءلة بشأن قرارات التعيين؟

أعاد إعفاء مديحة خيير من منصب الوزيرة المنتدبة المكلفة بالتكوين المهني والتأهيل، بعد يومين من تعيينها، النقاش حول الحدود الفاصلة بين حماية الحياة الخاصة للمسؤولين العموميين وحق المجتمع في مساءلة الجهات التي تختارهم، وقد اكتسبت القضية بُعدًا إضافيًا عقب تداول معطيات ذات طابع طبي وقضائي، ما جعلها تتجاوز مسألة الإعفاء إلى سؤال أوسع: كيف يمكن ضمان نزاهة التعيين دون المساس بالحقوق الشخصية؟

وقد أعلن بلاغ الديوان الملكي، الصادر في 18 أكتوبر 2026، قبول طلب رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري إعفاء خيير استنادًا إلى الفصل 47 من الدستور، ولاحقًا أوضح الناطق الرسمي باسم الحكومة أن التعامل مع الجدل المرتبط بالتعيين استند إلى تقدير سياسي ومؤسساتي مشترك بين مكونات الأغلبية الحكومية، وتساعد هذه المعطيات على فهم السياق الرسمي للقرار، لكنها لا تبرر نشر تفاصيل شخصية لا تتوافر بشأنها ضرورة واضحة تقتضي الكشف عنها.

في المغرب لا تنفصل هذه المسألة عن الإطار القانوني لحماية الحياة الخاصة. فالفصل 24 من الدستور يقر الحق في حماية الحياة الخاصة بينما يحدد الفصل 27 الضوابط التي يمكن في نطاقها تقييد الحق في الحصول على المعلومات. كما ينظم القانون رقم 09.08 معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي، وبذلك لا يؤدي تولي منصب عام إلى إسقاط الحماية القانونية عن البيانات الشخصية بما فيها المعطيات الصحية وإن كان يتيح مساءلة أوسع بشأن المعلومات المرتبطة مباشرة بأداء الوظيفة والمصلحة العامة.

ويؤيد البحث العلمي في العديد من التجارب الدولية هذا الطرح ، ففي مقالته «The Political Privacy Dilemma: Private Lives and Public Office»، المنشورة في Journal of Applied Philosophy سنة 2023 يناقش جون ويليام ديفاين العلاقة بين الحياة الخاصة للمسؤولين ومتطلبات الرقابة الديمقراطية، كما تذهب كيرستي هيوزفي دراسة منشورة في Cambridge Law Journal سنة 2019 إلى أن صفة الشخصية العامة لا ينبغي أن تؤدي تلقائيًا إلى إضعاف حق الفرد في الخصوصية، والمغزى من هذين العملين أن المصلحة العامة لا تعني الفضول العام؛ إذ ينبغي أن تكون للمعلومة المنشورة صلة فعلية بالشأن العام، لا أن يقتصر مبرر تداولها على شهرتها أو قدرتها على إثارة الجدل.

وبناءا على ذلك، فإن تداول وثيقة طبية منسوبة إلى السيدة خيير لا يكفي لإثبات صحتها أو استخلاص حكم بشأن أهليتها لتولي منصب حكومي، كما أن قدم الوثيقة لا يجعلها صحيحة أو باطلة تلقائيا ولا يثبت أن مضمونها يؤثر في القدرة على أداء المهام العامة، ويتطلب التحقق المسؤول معرفة مصدرها وسياقها ومدى موثوقيتها مع مراعاة القيود القانونية والأخلاقية المتعلقة بنشر البيانات الصحية، أما المسؤولية السياسية، فينبغي تقييمها على أساس المعلومات الموثقة والإجراءات المعتمدة في الاختيار والتعيين لا على أساس تداول ادعاءات غير محسومة.

وفي المقابل، لا يجوز اتخاذ حماية المعطيات الشخصية ذريعة لإعفاء الأحزاب والجهات الحكومية من المساءلة، فمن حق المواطنين معرفة المعايير المعتمدة في اختيار المسؤولين والجهات التي تتحقق من استيفائهم الشروط القانونية ومدى وجود إجراءات واضحة للتعامل مع المعلومات التي قد تكون ذات صلة بالمنصب، ولا يستلزم ذلك الكشف عن الملفات الطبية أو تفاصيل الحياة الخاصة بل يقتضي توضيح الإجراءات المؤسسية التي تضمن سلامة التعيين واحترام القانون في آن واحد.

على سبيل الختم، تكشف قضية مديحة خيير إذن عن ضرورة الفصل بين مسألتين يجري الخلط بينهما كثيرا: حق الفرد في حماية بياناته الشخصية وحق المجتمع في مساءلة المؤسسات عن قراراتها، فلا النزاهة تبرر انتهاك الخصوصية ولا الخصوصية تلغي واجب التحقق والمساءلة، والمعيار الأجدى هو أن تنصب الرقابة على سلامة إجراءات التعيين ومدى احترام القانون مع عدم تحويل المعلومات الشخصية إلى أداة للإدانة خارج المؤسسات المختصة.