عزيز الدربالي
منتدى العمق

زاكورة التي نريد.. من ضجيج السجالات إلى رهانات التنمية

بداية، هنيئا لبرلمانيي إقليم زاكورة على ثقة أبناء الإقليم، ومبارك لابن المنطقة توليه مسؤولية وزارة الشغل. وهي مناسبة لاستحضار انتظارات الساكنة وتطلعاتها إلى مستقبل أفضل، في إقليم يزخر بالكفاءات والطاقات، ويستحق أن يحظى بمكانته المستحقة ضمن أولويات التنمية الوطنية.

لكن، في خضم هذه المستجدات، ارتفعت أصوات كثيرة، وتعددت القراءات والتأويلات، وكثر القيل والقال. صديق يدون منشورا في قالب فكاهي أو ساخر، وآخر يرد عليه بجدية، وصفحة إعلامية تلتقط هذه التدوينات، ثم تعيد صياغتها وتفسيرها وفق قراءاتها الخاصة، لتتحول أحيانا كلمات عابرة إلى مادة لسجالات لا تنتهي.

وهكذا، نجد أنفسنا أمام نقاش يستهلك الكثير من الوقت والجهد في تبادل الردود والتأويلات، بدل توجيه هذا الزخم نحو القضايا الحقيقية التي تشغل بال المواطن الزاكوري.

أقولها بكل وضوح: دعونا من كل ذلك، ولنفتح صفحة جديدة عنوانها العمل، وغايتها التنمية، وأساسها خدمة الصالح العام.

لسنا في حاجة إلى أن نتفق جميعا في آرائنا ومواقفنا، كما أننا لسنا مطالبين بإلغاء الاختلاف أو التنازل عن حقنا في النقد والتعبير. فالاختلاف سنة الحياة، والنقد المسؤول ضرورة لتقويم الاختلالات وتصحيح المسارات. لكن ما نحتاج إليه اليوم هو أن نرتقي بنقاشنا، وأن نجعل من اختلافاتنا مدخلا للتفكير والإبداع، لا سببا لتعطيل المبادرات أو تبديد الطاقات.

إن المسؤوليات والمناصب، مهما علت، ليست غاية في حد ذاتها، وإنما هي وسائل لخدمة المواطنين والاستجابة لانتظاراتهم. ومن هذا المنطلق، فإن ما يستحق أن يشغلنا ليس فقط من قال ماذا، ومن رد على من، بل ما الذي يمكن أن نقدمه جميعا لوطننا وإقليمنا؟ وما المبادرات التي نستطيع إطلاقها؟ وما الإكراهات التي يمكننا المساهمة في تجاوزها؟

إن زاكورة أكبر من خلافاتنا، ومستقبل أبنائها أسمى من سجالاتنا العابرة.

زاكورة التي نريدها هي زاكورة التنمية والكرامة والعدالة المجالية؛ زاكورة التي يجد فيها الشباب فرصا حقيقية للشغل، وتتحسن فيها الخدمات الصحية والتعليمية، وتحظى فيها الواحات والفلاحة والسياحة باهتمام يوازي أهميتها، وتفتح فيها آفاق الاستثمار والمبادرة، وتصان فيها كرامة المواطن أينما كان.

ولبلوغ هذه الغايات، لا يكفي أن ننتظر من المسؤولين وحدهم أن يصنعوا التغيير، وإن كانت مسؤولياتهم تقتضي العمل والإنصات والمحاسبة. بل إن التنمية مسؤولية مشتركة، تتكامل فيها أدوار المؤسسات المنتخبة والإدارات العمومية والمجتمع المدني والفاعلين السياسيين والاقتصاديين والإعلاميين، فضلا عن كل مواطن غيور على منطقته.

كل من موقعه، وبحسب إمكانياته، يستطيع أن يسهم في بناء مستقبل أفضل. فهناك من يخدم بالترافع، ومن يساهم بالمبادرة، ومن يدعم بالكلمة الصادقة، ومن يبدع في مجاله، ومن يمارس النقد البناء الذي يساعد على تصحيح الاختلالات. والمهم أن تتجه هذه الجهود نحو هدف مشترك: خدمة المغرب عموما، وزاكورة على وجه الخصوص.

أما الصحافة، فدورها أكبر من نقل التدوينات واجتزاء العبارات وإعادة تدوير السجالات؛ إذ تظل مطالبة بالإسهام في تنوير الرأي العام، والتحقق من المعطيات، وإبراز القضايا التنموية الحقيقية، وفتح النقاش حول الحلول الممكنة، مع احترام حق الجميع في التعبير والاختلاف.

وفي المقابل، نحن جميعا مطالبون بالتحلي بروح المسؤولية في ما نكتب وننشر، وأن نميز بين المزاح والمواقف الجادة، وبين النقد والتجريح، وبين الاختلاف الشخصي والمصلحة العامة.

إن المرحلة تقتضي منا أن نستشرف المستقبل بعقول منفتحة، وأن نمنح الأولوية لما يجمعنا بدل الانشغال بما يفرقنا، وأن نحول لحظات الاهتمام السياسي والإعلامي إلى فرص حقيقية لطرح أسئلة التنمية والترافع من أجل مطالب الساكنة.

لسنا مطالبين بالتصفيق لأحد، ولا بمهاجمة أحد، بل بمساندة كل مبادرة جادة، وانتقاد كل تقصير بموضوعية، ومحاسبة المسؤولين وفق ما يقدمونه من أعمال ونتائج.

وفي نهاية المطاف، لن تتذكر الأجيال القادمة عدد التدوينات التي تبادلناها، ولا حجم السجالات التي خضناها، بقدر ما ستتذكر ما أنجزناه، وما دافعنا عنه، وما تركناه من أثر إيجابي في حياة الناس.

فلنجعل من هذه المرحلة فرصة للتفكير والعمل، ولنختلف إن شئنا، ولكن لنتفق على أن مصلحة زاكورة فوق كل اعتبار، وأن خدمة الوطن مسؤولية تتجاوز الحسابات الضيقة والخصومات العابرة..

زاكورة تحتاج إلى سواعد أبنائها، وإلى تضافر جهود كفاءاتها، وإلى إرادة جماعية تجعل من التنمية أولوية، ومن المصلحة العامة بوصلة، ومن العمل الجاد معيارًا للحكم على الجميع.

فلنترك ضجيج السجالات جانبًا، ولننصرف إلى ما ينفع الناس، ولنخدم جميعًا المغرب من مواقعنا المختلفة، ولنجعل زاكورة في صلب اهتمامنا وعملنا.

فالاختلاف في الرأي حق، أما خدمة الوطن والمنطقة فمسؤولية مشتركة، والمستقبل لن تصنعه الكلمات وحدها، بل تصنعه الإرادة والعمل والإنجاز.