المزعج جدا في حكاية الوزيرة المعفاة من منصبها هم أولئك الذين خرجوا علينا ليدافعوا عنها من منطلق صراع النسوية والذكورية، وأنها امرأة، وأن الحملة مجرد تعبير عن مرض المجتمع الذكوري، وهلم جرا من ترهات الخطاب التقليدي البئيس الذي يبرر للفظائع والجرائم. وهنا لا بد أن أعود إلى الوراء قليلا لأتحدث عن الوزيرة المتوفاة، رحمة الله عليها، السيدة سمية بن خلدون وحكايتها مع زوجها السيد الحبيب الشوباني. يومها تعرضت المرأة لهجوم واسع بسبب علاقتها بالشوباني، وتحولت حياتها الخاصة إلى مادة للنقاش والتشهير والتجريح، بعدما تصدرت قصتهما المشهد السياسي والإعلامي في المغرب. ومع ذلك، لا أتذكر أن أحد خرج، يومها، ليقول لنا إن المسألة ذكورية، ولا خرج المدافعون عن النسوية ليعتبروا أن ما تعرضت له حربا على امرأة بسبب جنسها، ولم تتحول القضية إلى مواجهة بين النساء والرجال، رغم أن الرجل كان طرفا أساسيا في الحكاية. إذ أن النقاش انصب بصورة أكبر على بن خلدون دون الشوباني. قد تبدو المقارنة بين الحالتين غير منطقية لكنها، بالنسبة لي، ضرورية لأن ازدواجية المعايير في التعامل مع النساء والرجال داخل المجال السياسي لا يمكن إنكارها، ولأن بعض الذين يرفعون اليوم شعار الدفاع عن المرأة لمجرد أن امرأة توجد في قلب العاصفة كانوا بالأمس جزءا من الجوقة التي لم تجد حرجا في محاكمة امرأة أخرى والتشهير بها. المبدأ الذي ينبغي أن يحكم مواقفنا هو نفسه في الحالتين، بعيدا عن جنس المعني بالأمر وعن موقعه الحزبي والسياسي، فلا المرأة محصنة من النقد لأنها امرأة، ولا الرجل مستثنى من المساءلة لأنه رجل.
وبالعودة إلى السيدة الوزيرة، فإن الخطأ الحقيقي يكمن في اختيارها لتكون طرفا في التشكيلة الحكومية دون تقدير كاف لتبعات هذا الاختيار، إما لأن البحث في ماضيها لم يكن بالعمق المطلوب، وإما لأن من اقترحوا اسمها كانوا على علم بما قد يثيره ذلك الماضي، ومع ذلك مضوا في ترشيحها. وفي الحالتين، نحن أمام خلل في تقدير المسؤولية السياسية، لأن تعيين الوزراء لا يتعلق بالكفاءة وحدها، وإنما يستلزم أيضا التدقيق في مسارات المرشحين وتقدير ما يمكن أن يترتب عن تعيينهم من تبعات. أما الاحتمال الأكثر إثارة للقلق، فهو أن يكون اختيارها قد تم مع إدراك حساسية ملفها، بما يجعل رئيسة الحكومة في واجهة فضيحة كان بالإمكان تفاديها قبل أن تبدأ ولايتها، ويضعها أمام مسؤولية سياسية عن قرار قد تكون أطراف أخرى قد دفعتها إلى اتخاذه. وفي غياب معطيات تثبت وجود نية مسبقة للتوريط، يبقى هذا الاحتمال فرضية لا يمكن الجزم بها، لكنه يطرح سؤالا جوهريا حول طبيعة المشاورات التي سبقت التعيين، وحول مدى اطلاع أصحاب القرار على تفاصيل ماضي المرشحة. فالمسؤولية هنا لا تتعلق بما إذا كانت الوزيرة تستحق فرصة جديدة فحسب، بل أيضا بما إذا كان اختيارها قد خضع للتدقيق اللازم.
وحتى لا نتهم بالذكورية، فإن النظر إلى المسألة من زاوية سياسية يقتضي استحضار أن الوزيرة ارتكبت الجرم الذي يلاحقها اليوم قبل أكثر من عشرين سنة، أي أنها كانت شابة مندفعة ومتحمسة، وهو معطى لا ينبغي إغفاله عند تقييم مسارها. فالممارسة السياسية تقوم على تقييم التجارب وتحولات الأشخاص، وعلى التمييز بين ماض يتحمل صاحبه مسؤوليته وواقع تفرضه معطيات مختلفة. لا يتعلق الأمر بمحو ما حدث أو منح الوزيرة حصانة من النقد، وإنما برفض تحويل واقعة قديمة إلى معيار وحيد للحكم على صلاحيتها لتولي المسؤولية اليوم. فقد راكمت منذ ذلك الحين تجربة مهنية وسياسية ينبغي أن تدخل في أي تقييم موضوعي لمسارها.
ومن ثم، فإن النقاش السياسي الجاد لا ينبغي أن ينحصر في استحضار خطأ مضى عليه عقدان، بل في تقدير مدى تأثيره على المسؤولية الحكومية الراهنة، ومدى تناسبه مع طبيعة المنصب واختصاصاته.. فالمحاسبة السياسية تقتضي قراءة المسارات في سياقاتها الزمنية، لا تجميد أصحابها عند لحظة واحدة من حياتهم، كما تقتضي في المقابل ألا يتحول مرور الزمن إلى مبرر لإعفاء المرشحين من التدقيق والمساءلة.
وفي الأخير نعود لنقول أنه لا أخطر من أن نبرر للجرائم بترهات صراع الجندرة.