سليمان الخشين
منتدى العمق

من أزمة الهجرة إلى التشكيك في المطالبة المغربية بالثغرين

قراءة نقدية في أطروحة الصحفي حسين مجدوبي

ليست كل أزمة حدودية تحولًا استراتيجيًا، وليست كل زيارة ملكية إعلانًا عن مرحلة جديدة في العلاقات الدولية. ومن هذا المنطلق، تطرح المقالة التي نشرها حسين مجدوبي في جريدة «القدس العربي»، بتاريخ بعنوان «من اقتحام سبتة إلى زيارة الملك: كيف جرّت مدريد الاتحاد الأوروبي إلى صفها في الصراع مع المغرب؟»، إشكالات تستحق المناقشة، خصوصًا عندما تنتقل من تحليل أزمة الهجرة إلى رسم صورة توحي بأن المغرب يواجه تحولًا استراتيجيًا قد يضعف موقفه من استعادة سبتة ومليلية، ويجعل علاقاته مع الولايات المتحدة وإسرائيل عاملًا في تأزيم علاقته بأوروبا.

وبناء على الخلاصات التي انتهى إليها “كاتب المقال” سنحاول مناقشة مدى سلامتها، مع إثبات مع وقع فيه المقال من +خلط بين وقائع ثابتة، وفرضيات تحتاج إلى إثبات، وتوقعات مستقبلية لا يكفي السياق الراهن وحده لتأكيدها.

أولًا: هل كانت أزمة الهجرة عملية مغربية منظمة أم ظاهرة متعددة الأسباب؟

ينطلق المقال من اعتبار تدفق المهاجرين إلى سبتة في يوليوز 2026 منعطفًا جيوسياسيًا، ويعرض فرضية أن “الدولة العميقة” في إسبانيا قرأت الحدث باعتباره اختبارًا مغربيًا لمدى قدرة مدريد والاتحاد الأوروبي على مواجهة ضغط الهجرة، في سياق تنامي علاقات الرباط بواشنطن وتل أبيب.

غير أن وجود هذه القراءة في الأوساط الإسبانية لا يجعلها حقيقة مثبتة. فثمة فرق بين أن تتبنى أحزاب أو وسائل إعلام أو شخصيات أمنية فرضية تورط المغرب، وبين أن تتوافر أدلة مستقلة تثبت أن الدولة المغربية خططت لتدفق المهاجرين أو استخدمته عمدًا أداة للضغط السياسي.

والأهم أن رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز نفسه، خلال عرضه أمام البرلمان يوم 3 سبتمبر 2026، دعا إلى الحذر من التفسيرات المبسطة، معتبرًا أن الأزمة نتجت عن تداخل عوامل وأطراف متعددة، وأنه لا يمكن اختزالها في علاقة خطية من سبب واحد ونتيجة واحدة. كما أشار إلى أثر التطورات القانونية المرتبطة بدخول المهاجرين عبر الحدود البحرية، فضلًا عن العوامل الأخرى التي أسهمت في تشكل الأزمة.

ثانيًا: المطالبة المغربية بالثغرين ليست استراتيجية هجومية تنتظر لحظة الحسم

تكمن إحدى نقاط الضعف الأساسية في المقال في الطريقة التي يصور بها الأزمة وكأنها مواجهة مباشرة حول مستقبل السيادة على سبتة ومليلية، وكأن المغرب كان بصدد اختبار موازين القوى تمهيدًا لانتزاع مكسب سياسي، مستندًا إلى علاقاته بالولايات المتحدة وإسرائيل.

وهنا ينبغي العودة إلى طبيعة الموقف المغربي منذ الاستقلال.

فالمغرب لم يجعل استرجاع سبتة ومليلية، في الممارسة الدبلوماسية، أولوية استراتيجية تتقدم على سائر الملفات الخارجية، ولم يجعل من تسوية وضع المدينتين شرطًا مسبقًا لتطوير علاقاته بإسبانيا. لكنه، في المقابل، لم يتخل عن مطالبته بهما، ولم يعترف بالسيادة الإسبانية عليهما باعتبارها مسألة محسومة من جانبه.

إن الأمر يتعلق بموقف يجمع بين التمسك بالمطلب السيادي وتدبيره وفق منطق التفاوض الدبلوماسي، مع مراعاة موازين القوى والمصالح المشتركة بين البلدين.

ويكتسب هذا المنطق دلالة تاريخية في ضوء المبادرة التي ارتبطت بالملك الراحل الحسن الثاني سنة 1987، والمتمثلة في اقتراح إحداث خلية للتفكير في مستقبل المدينتين عُرفت باسم «خلية ابن رشد». فقد عكست هذه المبادرة، في جوهرها، إمكانية معالجة الخلاف من خلال الحوار والتفكير المشترك، بدل تحويله إلى مواجهة مفتوحة.

ومن هنا، فإن عدم التصعيد بشأن الثغرين لا يعني الاعتراف بالسيادة الإسبانية، مثلما أن استمرار العلاقات الاقتصادية والأمنية والسياسية مع مدريد لا يعني التخلي عن المطالبة المغربية. كما أن عدم وضع هذا الملف في صدارة الأولويات الدبلوماسية لا يساوي إنهاءه أو التنازل عنه.

ثالثًا: التحول الاقتصادي في العلاقة مع الثغرين لا يثبت وجود استراتيجية للمواجهة

من العناصر التي ينبغي إدراجها في تحليل العلاقة المغربية الإسبانية التحولات التي عرفتها حركة الأشخاص والتجارة بين المغرب والمدينتين المحتلتين. فقد أدى تغيير شروط الدخول، إلى جانب إعادة تنظيم عبور السلع عبر الحدود، إلى تقليص بعض الوظائف الاقتصادية التي كانت تؤديها سبتة ومليلية في علاقتهما بالسوق المغربية.

ومن هذه الزاوية، يمكن فهم جانب من ردود الفعل المحلية في سبتة تجاه أزمة الهجرة. فحين تتزامن أزمة حدودية حادة مع توتر اقتصادي واجتماعي سابق، قد يميل بعض السكان إلى تفسير الحدث باعتباره امتدادًا لسياسة عدائية من الطرف الآخر. لكن هذا التفسير، حتى إن كان حاضرًا في الوعي المحلي، لا يثبت وحده أن تدفق المهاجرين كان عملية سياسية مدبرة من المغرب.

وبذلك ينبغي الفصل بين ثلاثة أمور: شعور السكان بالتهديد، وتوظيف الأحزاب لهذا الشعور، وإثبات المسؤولية الفعلية عن تنظيم موجة الهجرة. والخلط بينها يؤدي إلى تحويل الانطباعات السياسية إلى حقائق جيوسياسية دون أدلة كافية.

رابعًا: اليمين الإسباني استثمر الأزمة، لكن هل غيّرت إسبانيا استراتيجيتها تجاه المغرب؟

لا شك أن أزمة الهجرة وفرت للمعارضة الإسبانية، ولا سيما قوى اليمين واليمين المتطرف، فرصة لممارسة الضغط على حكومة بيدرو سانشيز، واتهامها بالتراخي في الدفاع عن السيادة الإسبانية وحماية الحدود.

كما أن زيارة الملك فيليبي السادس إلى سبتة ومليلية يومي 13 و14 أكتوبر 2026 اكتسبت دلالة سياسية واضحة، بالنظر إلى توقيتها بعد الأزمة الحدودية، وإلى ما حملته من تأكيد على وحدة الأراضي الإسبانية وطمأنة سكان المدينتين. وقد أبرزت التغطية الإعلامية الإسبانية أن الزيارة جاءت في سياق توتر متصاعد، بينما استمر الخطاب الحكومي في التشديد على أهمية التعاون مع المغرب.

لكن الاستنتاج بأن هذه التطورات تعني تحولًا استراتيجيًا في سياسة مدريد تجاه الرباط يحتاج إلى أدلة تتجاوز الزيارة والتصريحات السيادية.

فالملك الإسباني، عندما يؤكد أن السيادة الإسبانية ووحدة الأراضي غير قابلتين للتفاوض، يعبر عن موقف متواتر في السياسة الإسبانية. وهذا الموقف ليس وليد أزمة يوليوز 2026، ولا يمكن اعتباره في حد ذاته إعلانًا عن انتقال إلى استراتيجية جديدة تجاه المغرب.

ومن الضروري هنا التمييز بين الوظائف المختلفة للزيارة: فهي رسالة طمأنة إلى سكان المدينتين، وتأكيد للموقف السيادي الإسباني، ومناسبة ذات دلالة داخلية في سياق التنافس الحزبي. وقد يستثمرها اليمين سياسيًا، لكن ذلك لا يعني أن جميع أهدافه تحولت إلى سياسة حكومية جديدة.

كما أن تأكيد إسبانيا سيادتها على المدينتين لا يثبت أن المغرب غيّر موقفه، ولا أن المطلب المغربي قد حُسم نهائيًا. إنه يعكس استمرار التعارض بين موقفين سياديين، وليس تسوية لهذا التعارض.

خامسًا: هل نجحت مدريد في جر الاتحاد الأوروبي إلى مواجهة استراتيجية مع المغرب؟

يقدم المقال تحرك المؤسسات الأوروبية باعتباره أحد أهم النتائج الجيوسياسية لأزمة الهجرة، ويذهب إلى أن مدريد نجحت في جعل الاتحاد الأوروبي يتبنى موقفًا أكثر وضوحًا بشأن سبتة ومليلية، بما قد يفضي مستقبلًا إلى إدماجهما تحت مظلة حلف شمال الأطلسي، وبالتالي تأجيل المطالبة المغربية بهما لسنوات طويلة.

فهنا يجب التأكيد على أن وجود تحركات أوروبية لتعزيز حضور المدينتين داخل المؤسسات الأوروبية أو دعم تدبير الحدود لا يثبت تلقائيًا انتقالهما إلى وضع جديد داخل حلف شمال الأطلسي. فالاتحاد الأوروبي والحلف منظمتان مختلفتان من حيث العضوية والاختصاصات والإطار القانوني، ولا يجوز التعامل مع مبادرات الاندماج الأوروبي باعتبارها دليلًا على قرار عسكري أو دفاعي لمجرد أنها تعزز حضور المدينتين في المؤسسات الأوروبية.

وإذا كان المقال يتحدث عن احتمال مستقبلي لإدماج المدينتين ضمن مظلة الحلف، فإن هذا الاحتمال يظل توقعًا يحتاج إلى معطيات مستقلة تثبت وجود مسار سياسي أو قانوني ملموس في هذا الاتجاه. ولا تكفي الإشارات إلى التضامن الأوروبي أو تصريحات المسؤولين الإسبان لتأكيده.

كذلك، فإن القول إن إسبانيا نجحت في جر أوروبا إلى صفها في «الصراع مع المغرب» يتطلب تحديد طبيعة هذا الصراع ونطاقه. فالتعاون الأوروبي الإسباني في مجال مراقبة الحدود والهجرة لا يعني بالضرورة أن الاتحاد الأوروبي تبنى استراتيجية شاملة لمواجهة المغرب، ولا أن العلاقات المغربية الأوروبية انتقلت من الشراكة إلى الخصومة.

سادسًا: هل أصبحت العلاقات مع الولايات المتحدة وإسرائيل عبئًا على المغرب؟

تتمثل إحدى أكثر فرضيات المقال حساسية في ربط تنامي العلاقات المغربية مع الولايات المتحدة وإسرائيل بتصور إسباني يرى في المغرب دولة تستقوي بتحالفاتها للضغط على مدريد وأوروبا.

لكن وجود علاقات استراتيجية مع واشنطن وتل أبيب لا يثبت أن المغرب استخدمها لتوجيه أزمة الهجرة، كما أن التزامن بين هذه العلاقات والأحداث الحدودية لا يكفي لإثبات وجود علاقة سببية بينها.

إن تقييم السياسة الخارجية لا يتم من خلال قياس نتائجها في ملف واحد أو في لحظة زمنية واحدة. فالعلاقات مع الولايات المتحدة وإسرائيل تتداخل مع ملفات متعددة، منها الصحراء المغربية والتعاون الأمني والدفاعي والاستثمار والتجارة، ولكل ملف حساباته وأدواته وآفاقه الزمنية. وبالتالي، فإن استمرار الخلاف بشأن سبتة ومليلية لا يثبت أن علاقات المغرب الاستراتيجية مع واشنطن أو تل أبيب هي السبب في إضعاف موقفه، فكل من إسبانيا والاتحاد الأوربي تربطهما علاقات متينة مع الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل.

إن مثل هذا الاستنتاج يتطلب مقارنة دقيقة بين المكاسب والتكاليف، وتحليلًا للقرارات والمواقف الدولية قبل هذه العلاقات وبعدها، بدل الاكتفاء بربط الملفات بعضها ببعض في سردية واحدة.

سابعًا: هل يؤدي تعزيز الحضور الأوروبي للثغرين إلى إنهاء المطالبة المغربية؟

هذه هي النقطة التي ينبغي أن يتوقف عندها التحليل طويلًا؛ لأنها تمثل الانتقال من وصف الأحداث إلى استنتاج يمس مستقبل قضية سيادية.

فالمطالبة المغربية لا تنتهي بمجرد تأكيد إسبانيا موقفها، ولا تتحول إلى اعتراف ضمني بالسيادة الإسبانية نتيجة استمرار التعاون الثنائي. كما أن التمسك الإسباني بموقفه لا يلغي وجود خلاف تاريخي وسياسي بين البلدين.

ومن الخطأ أيضًا التعامل مع كل تطور مؤسسي أوروبي باعتباره خطوة مباشرة نحو إغلاق الملف. فالسياسة الدولية لا تعمل دائمًا بمنطق النتائج النهائية، بل تتشكل من تراكمات ومصالح متغيرة وتوازنات يمكن أن تتبدل مع الزمن.

خاتمة: بين تحليل الوقائع وصناعة سردية التراجع المغربي

إن القيمة الحقيقية لأي تحليل سياسي لا تكمن في قدرته على جمع الأحداث ضمن سردية متماسكة فحسب، بل في قدرته على اختبار الروابط بين هذه الأحداث، والتمييز بين ما وقع فعلًا وما يُفترض أنه وقع، وبين النتائج المثبتة والتوقعات المحتملة.

ومن هذه الزاوية، يمكن قبول أطروحة أن إسبانيا استثمرت أزمة الهجرة لكسب الموقف الأوربي حول هذا الملف، وأن اليمين الإسباني وظف الأزمة في صراعه مع حكومة سانشيز، وأن زيارة الملك فيليبي السادس حملت رسائل واضحة لطمأنة أهالي سبتة ومليلية. لكن هذه الوقائع لا تكفي لإثبات أن المغرب تعمد تنظيم تدفق المهاجرين، أو أن علاقاته مع الولايات المتحدة وإسرائيل كانت أداة للضغط على أوروبا، أو أن المؤسسات الأوروبية انتقلت إلى استراتيجية شاملة لمواجهة الرباط، أو أن المطالبة المغربية باسترجاع الثغرين أصبحت على وشك الحسم ضد المغرب.

والأهم أن المقال لا يميز بالقدر الكافي بين ثبات الموقف الإسباني من السيادة على المدينتين وبين احتمال حدوث تحول استراتيجي جديد.

لقد تعامل المغرب مع ملف سبتة ومليلية، منذ الاستقلال، بمنطق مختلف عن منطق المواجهة المباشرة: التمسك بالمطلب السيادي، وتجنب الاعتراف بالوضع القائم، وعدم جعل القضية محورًا دائمًا للتصعيد الدبلوماسي، مع الاستمرار في إدارة علاقاته مع إسبانيا على أساس المصالح المشتركة. وقد لا يكون هذا النهج خاليًا من التحديات أو قابلًا للتحقق السريع، لكنه يختلف جوهريًا عن استراتيجية هجومية تسعى إلى فرض تغيير فوري في موازين القوى.

إن أخطر ما في بعض القراءات السياسية ليس تشخيص المخاطر، بل تحويل الاحتمالات إلى حقائق، وربط الملفات المختلفة بعلاقات سببية غير مثبتة، ثم تقديم النتيجة للرأي العام باعتبارها هزيمة استراتيجية مكتملة. فالمغرب قد يواجه تحديات حقيقية في علاقته بإسبانيا وأوروبا، لكن تحليل هذه التحديات يقتضي الدقة في تشخيصها، لا تضخيمها، والتمييز بين ثبات المواقف السيادية وتغير أدوات تدبيرها، وبين مكاسب الخصم الظرفية والتحولات الاستراتيجية الفعلية.