بعد تعيين الملك لأعضاء الحكومة واكتمال التشكيلة الوزارية، تأتي مرحلة التنصيب البرلماني للحكومة، كإجراء سياسي وتعاقدي ذو قيمة دستورية، باعتباره شرطا حتميا ومحطة قانونية إلزامية تنقل الحكومة من مرحلة “التعيين الملكي” إلى مرحلة “الوجود القانوني الفعلي ومباشرة الصلاحيات الكاملة. وبناء على الفصل 88 من الدستور، يتقدم رئيس الحكومة أمام مجلسي البرلمان مجتمعين ويعرض البرنامج الذي يعتزم تطبيقه، على أن يتضمن الخطوط الرئيسية للعمل الحكومي في مختلف مجالات النشاط الوطني، وبالأخص في ميادين السياسة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والثقافية والخارجية.
ويعتبر التصويت على البرنامج الحكومي، بمثابة التعاقد الأول بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، ويمنح الحكومة مشروعيتها السياسية والتنفيذية أمام ممثلي الأمة، فهو وثيقة دستورية مرجعية تحدد مسار العمل الحكومي طيلة الولاية التشريعية، وتمنح البرلمان (وخاصة مجلس النواب) أرضية مرجعية متكاملة لتتبع الأداء الحكومي ومراقبة العمل الحكومي ومساءلة أعضاء الحكومة لاحقا بناء على ما التزموا به في التصريح الحكومي.
وتتأسس المسطرة الدستورية للتنصيب البرلماني للحكومة على قواعد قانونية، إذ لا يقف الأمر عند مجرد تقديم البرنامج بل يخضع هذا الأخير للمناقشة أمام مجلسي البرلمان، يعقبها تصويت في مجلس النواب، وفق الشروط التي حددها الدستور، حيث يعقد البرلمان جلسة عمومية مشتركة بين مجلسي النواب والمستشارين، يقدم فيها رئيس الحكومة الخطوط العريضة للبرنامج الحكومي، لترفع الجلسة مباشرة بعد ذلك.
وحرصا على تعميق النقاش السياسي، اشترط النظام الداخلي لمجلس النواب( المادة260) إجراء مناقشة عامة للتصريح الحكومي داخل أجل لا يقل عن ثلاثة( 3( أيام ولا يتعدى خمسة ( 5) أيام من تاريخ تقديم البرنامج الحكومي. ويتدخل مكتب مجلس النواب بالتنسيق مع الحكومة لتحديد موعد المناقشة العامة، ثم يُوزَّع الغلاف الزمني المخصص للتدخلات بين فرق الأغلبية والمعارضة بناء على قاعدة التمثيل النسب.
بعد انتهاء مداخلات النواب من الأغلبية والمعارضة، يُعطى حق الرد لرئيس الحكومة للتعقيب على المداخلات، وفي الأخير، تُمنح الكلمة للفرق والمجموعات النيابية للتعبير عن “تفسير التصويت”( المادة 260 من النظام الداخلي لمجلس النواب)، حيث تخصص جلسة حاسمة للتصويت العلني، تنحصر صلاحيتها في مجلس النواب وحده، إذ يعرض رئيسه البرنامج على الاقتراع العلني برفع اليد أو بالتصويت الإلكتروني. وطبقا لأحكام الفقرة الثالثة من الفصل 88 من الدستور، تعتبر الحكومة منصبة بعد حصولها على ثقة مجلس النواب، المعبر عنها بتصويت الأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم، لصالح البرنامج الحكومي (أي 198 صوتا على الأقل من أصل 395 نائبا).
ويثير تزامن تقديم البرنامج الحكومي لهذه الولاية 2026-2031 اليوم 19أكتوبر، مع الآجال الدستورية لإيداع مشروع قانون المالية، المحدد في 20 أكتوبر من كل سنة (وفق المادة 48 من القانون التنظيمي للمالية رقم 130.13)، عدة إشكالات دستورية تضع الزمن السياسي في مواجهة الزمن المالي للدولة. فبالنظر إلى أن مسطرة مناقشة البرنامج الحكومي والتصويت عليه تستغرق ثلاثة أيام على الأقل، فإن استكمالها سيتجاوز حتما الأجل الدستوري المحدد في 20 أكتوبر لإيداع مشروع قانون المالية.
وتبعا لذك، لا يمكن للحكومة ” المعينة والغير المنصبة” أن تقدم مشروع قانون المالية لسنة 2027، إلا بعد انتهاء تنصيبها ونيلها الثقة من مجلس النواب كما ذكرنا أعلاه. فحسب المادة 38 من القانون التنظيمي رقم 065.13 المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة والوضع القانوني لأعضائها، تكلف الحكومة الجديدة، التي عينها الملك، والتي لم تنصب بعد من قبل مجلس النواب، بممارسة المهام التالية:
إعداد البرنامج الحكومي الذي يعتزم رئيس الحكومة عرضه أمام البرلمان؛
إصدار قرارات تفويض لاختصاص أو الإمضاء اللازمة لضمان استمرارية المرافق العمومية؛
تصريف الأمور الجارية، أي اتخاذ المراسيم والقرارات والمقررات الإدارية الضرورية والتدابير المستعجلة اللازمة لضمان استمرارية عمل مصالح الدولة ومؤسساتها، وضمان انتظام سير المرافق العمومية.
وطبقا للمادة 37، من نفس القانون، لا تندرج ضمن “تصريف الأمور الجارية” التدابير التي من شأنها أن تلزم الحكومة المقبلة بصفة دائمة ومستمرة، وخاصة المصادقة على مشاريع القوانين والمراسيم التنظيمية وكذا التعيين في المناصب العليا. وإذا كان المشرع قد حظر على حكومة غير منصبة إحالة مشروع قانون عادي أو مرسوم تنظيمي بسيط تفاديا لرهن الإرادة السياسية للحكومة المقبلة، فما بالك بمشروع قانون المالية؟
إن الميزانية العامة للدولة هي أسمى وثيقة تقديرية وتشريعية ترسم السياسات الاقتصادية والاجتماعية والالتزامات المالية للدولة طيلة السنة وطيلة مدة تنفيذ المخططات والبرامج القطاعية، وبالتالي فإن تقديمها من طرف حكومة لم تحظ بعد بثقة البرلمان، يعد خرقا صريحا لمفهوم تصريف الأعمال، وتجاوزا للمشروعية الدستورية التي يشترطها الفصل 88. ورغم أن موعد 20 أكتوبر يعد التزاما صريحا في القانون التنظيمي للمالية، إلا أن الفقه الدستوري والممارسة المغربية يؤكدان أن تجاوزه، لا يترتب عليه أي جزاء قانوني أو بطلان للمسطرة، وإنما يفرض ضغوطا زمنية على البرلمان من أجل دراسته والمصادقة عليه وفق الأجال المحددة قانونيا(30 يوماً لمجلس النواب و22 يوماً لمجلس المستشارين)، لتفادي أي ارتباك مالي قبل نهاية السنة.