صورة الكاتب عبدالله الحسيني
منتدى العمق

خصوصيتنا… آخر ما تبقى؟

تخيل أنك جالس في المقهى، وفجأة يظهر لك إعلان عن حذاء رأيته قبل لحظات في متجر إلكتروني لم تزره إلا من هاتفك. لا صدفة في الأمر، بل خوارزميات تتبّع كل خطوة رقمية نخطوها. هكذا أصبحت الخصوصية، في زمن السوشيال ميديا، سؤالا يؤرق الملايين: هل ما زال لدينا أسرار؟

منذ دخول فيسبوك وواتساب وإنستغرام وتيك توك إلى حياتنا اليومية، تغيّر مفهوم الخاص والعام جذريا. فالمغاربة، مثلهم مثل باقي شعوب العالم، أصبحوا ينشرون صورهم وأماكنهم وآراءهم، بل وتفاصيل حياتهم العائلية، بضغطة زر واحدة. وتشير بيانات حديثة إلى أن أكثر من 22 مليون مغربي ينشطون على منصات التواصل الاجتماعي، أي ما يقارب 6 من كل 10 مغاربة، فيما يتصدر واتساب قائمة التطبيقات الأكثر استعمالا بنسبة تفوق 75 في المائة، يليه فيسبوك ثم إنستغرام.

هذا الانتشار الواسع جعل من كل مستخدم “ناشرا” لحياته الخاصة، دون أن يدرك أحيانا حجم المعلومات التي يُسلّمها مجانا لشركات التكنولوجيا الكبرى. فموقع جغرافي يُشارَك، أو صورة طفل في أول يوم دراسي، أو حتى إعجاب بمنشور معين، كلها بيانات تُجمع وتُحلَّل لرسم صورة دقيقة عن اهتماماتنا وسلوكنا، بل وعن حالتنا النفسية أحيانا.

وفي المغرب، حيث تحتفظ الثقافة المحلية بقيمة كبيرة للستر والخصوصية العائلية، يبرز تناقض لافت: فالأسرة التي تحرص على عدم إشراك الجيران في تفاصيلها، قد تجد نفسها تنشر صور أبنائها وعناوين سكناها ومواعيد سفرها على منصات يراها الملايين. هذا التناقض بين “الخصوصية التقليدية” و”الانفتاح الرقمي” يطرح أسئلة جدية حول وعينا الجماعي بمخاطر النشر.

والخطر لا يقتصر على جمع البيانات لأغراض تجارية، بل يمتد إلى استغلالها من طرف جهات مسيئة، سواء عبر انتحال الهوية أو التصيد الإلكتروني أو حتى الابتزاز الذي يستهدف خصوصا الفئات الأكثر هشاشة، من قاصرين ونساء.

فهل انتهى زمن الأسرار فعلا؟ ليس بالضرورة. فالخصوصية لم تختفِ، لكنها غيّرت شكلها. لم تعد مسألة إخفاء المعلومة بقدر ما أصبحت مسألة التحكم في من يراها، ومتى، ولماذا. وهنا يكمن الفرق بين الوعي الرقمي والانجراف العفوي خلف إغراء المشاركة والظهور.

وثمة خطوات بسيطة يمكن أن تعيد لنا بعض السيطرة: مراجعة إعدادات الخصوصية في كل تطبيق، والتفكير مرتين قبل نشر موقع جغرافي أو معلومة حساسة، وتعليم الأبناء منذ الصغر أن ما يُنشر رقميا قد يبقى إلى الأبد.

في النهاية، لم يعد السؤال: “هل نحن مراقَبون؟”، فالجواب معروف. السؤال الحقيقي هو: إلى أي حد نقبل أن نتنازل عن خصوصيتنا مقابل بضع إعجابات؟