الأكاديمية عيساوي تكتب عن الحوار بين الأديان في مواجهة الإسلاموفوبيا
وجهة نظر

الأكاديمية عيساوي تكتب عن الحوار بين الأديان في مواجهة الإسلاموفوبيا

لا يختلف اثنان على أن العالم اليوم يرزح تحت وطأة المادية المهيمنة، واستشراء نزعات العنف والكراهية، وتصاعد النزاعات الدولية والصراعات الدينية التي مزقت المجتمع الإنساني في مختلف أنحاء المعمور. فقد كان الدين، ولا يزال، الملاذ الأول والأخير للإنسان في مواجهة مختلف الأزمات والأعطاب البشرية، ومن أهم الوسائل الكفيلة بتحقيق الأمن الروحي، وترسيخ قيم العدل والاعتدال والتسامح، تعزيز قيم الحوار واحترام الكرامة الإنسانية، بما يسهم في بناء مجتمع يقبل الآخر، ويحترم اختلافه الفكري والعقدي.

ومن ثم، كان لا بد من البحث عن السبل الناجعة الكفيلة بمواجهة مظاهر الكراهية والتصادم والحروب التي باتت تهدد الأمن والاستقرار على المستويين الفردي والجماعي. وفي ظل هذه التحولات المتسارعة، وما صاحبها من انتشار للتطرف وخطابات الكراهية، يثار التساؤل حول مدى قدرة الحوار بين أتباع الديانات على الإسهام في بناء عالم أكثر أمناً وتسامحاً، وتثبيت قيم التعايش بين الشعوب والثقافات المختلفة.

من هنا انطلقت فكرة الدعوة إلى الحوار بين أتباع الديانات، وذلك نظرا لأهميتها القصوى في بسط وحل الإشكالات الجسيمة التي ترزح تحتها الإنسانية. فالأديان، إذا ما تأملنا في مضامينها بعيدا عن التأويلات المنحازة، نرى بأنها تشترك في مجملها في عنصر أساسي يتمثل في الدعوة إلى احترام النفس الإنسانية سواء تعلق الأمر بأديان سماوية أو فلسفات وضعية. فبفضل الحوار تم التوصل إلى نتيجة حتمية هي أن البشر جميعهم هم خلق لله تعالى، ومن سنته سبحانه في خلقه التنوع والاختلاف. قال الله تعالى : «وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ ۗ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» (سورة هود:118-119) . ومن أجل التعايش بين المختلفين شرع الله سبحانه وتعالى التعارف، وجعل الحوار هو الوسيلة المثلى. فالقرآن الكريم بأحكامه المجملة والتفصيلية يؤسس لمبدأ التنوع والتعدد، ويمهد السبل للاعتراف بالغير مصداقا لقوله تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ» (سورة الحجرات :13). ولم يقف التعارف مع الآخر عند حدود المعرفة السطحية، وإنما تعداها إلى الدعوة إلى الإيمان بكل ما أنزل على جميع الأنبياء السابقين قال في كتابه العزيز، « قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ» (سورة البقرة الآية :136).

فالحوار إذن معطى قرآني، وهو سبيل للتفاهم والتعارف مع أهل الكتاب، ويكشف هذا التوجيه القرآني أن الحوار لا يُطرح باعتباره خياراً ظرفياً، وإنما بوصفه مبدأً مؤسساً للعلاقة مع الآخر الديني، يقوم على البحث عن المشترك الإنساني والعقدي. قال الله تعالى :« قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ» (سورة آل عمران: 64 ) فأهل الكتاب هم أول من تخاطبهم الرسالة المنزلة كما أنها تخاطب الناس جميعا. إنه حوار قائم على أسس ثابتة يراعي العدل والتساوي والإنصاف. وهو ما يجعلنا نستنتج أن الحوار هو أساس بناء المجتمعات سواء كان حوارا داخليا بين أفراد المجتمع الواحد أو خارجيا بين أهل الأديان المتنوعة. لهذا فالقرآن الكريم وضع الأسس الأولى لحوار معتدل سلمي ينأى عن الغلو والتطرف. لأن الدين الحق هو الذي يؤلف بين القلوب.

لقد أكد الإسلام على ضرورة سلوك منهج الحوار في مجموعة من القضايا المصيرية التي تتعلق بالعقيدة والشريعة والحياة؛ فالحوار الحقيقي لا يستقيم في الفرد والجماعة مادام المحاور لا يستشعر بأن الآخرين إخوة له، وعليه أن يتعايش معهم على أسس ومشتركات دينية وإنسانية، ويتوافق معهم فيما يضمن المصلحة الكبرى للجميع بغض النظر عن الجنس، أو اللون، أو اللغة، أو الدين. وقد جعل القرآن الكريم هذا التعدد الذي نطمح إليه في عالم اليوم آية من آيات الله الدالة على قدرته، وسمة من سمات عظيم صنعه.

من سوء حظنا نحن العرب والمسلمين أننا أصبحنا في موقع المتهم الذي ألصقت به دون تحر أو تثبت تُهم هو بريء منها. فوقع الخلط المقصود بين الإسلام دين التسامح الحق كما يُمثله غالبية المسلمين وبعض الجماعات الدينية المتطرفة التي لا تمثل إلا نفسها. ويبدو أن هذا الخلط يرتبط في بعض الأحيان بخلفيات تاريخية وثقافية أسهمت في تكريس صور نمطية سلبية عن الإسلام والمسلمين. فبمجرد الإعلان عن وقوع حدث إرهابي وحتى قبل التأكد من هوية فاعليه تسارع بعض المنابر الإعلامية الغربية إلى الربط بين الأعمال الإرهابية والإسلام قبل اكتمال نتائج التحقيقات، أو إلى نسبة الفعل الإجرامي إلى أشخاص من أصول شرق أوسطية أو مغاربية، وتتعالى أصوات الخبراء الذين يبحثون في ماضي تاريخ الإسلام عن قرائن تؤكد تجذر العنف في الشخصية الإسلامية، وتُزين أغلفة كبريات المجلات صور الدم، واللحى والسيوف والمصاحف. ولا يمكن تجاوز هذه الصورة التي رسختها وسائل الإعلام والتكنولوجيا الجديدة من (فيسبوك( (Facebook) تويتر (Twitter) يوتيوب (YouTube) لينكد إن (Linked in)  بنترإيست (Pinterest) جوجل بلس (Google Plus) تمبلر (Tumblr) إنستغرام (Instagram) ماي سبيس (Myspace).. … ) التي رسخت صورة المسلم الإرهابي في الفكر والعقلية الغربية أو ما يمكن أن نصطلح عليه بالاسلامو فوبيا وهو الخوف المرضي والجماعي من الإسلام والمسلمين أعتقد أن الوقت حان لتصحيح تلك الرؤية القدحية عن الإسلام ولن يتم ذلك إلا من خلال:

• أولا بالتعرف على الآخر،

• وثانيا التأكيد على أن الإسلام هو دين التسامح الحق،

• ثالثا مواجهة بعض الأفكار الدخيلة التي لا تُمثل الإسلام في شيء، والتي قد تجد في بعض شبابنا الغُفل صيدا ثمينا تحركه كما تشاء،

• رابعا إشاعة ثقافة السلم. فنحن الذين نُشكل أغلبية في مجتمعاتنا المسلمة أصبحنا كذلك نُمثل أقليات في مجتمعات أخرى. إن حرصنا على حماية الآخر في مجتمعاتنا هو بشكل أو بآخر حماية لنا أو لأبنائنا أو لبني جلدتنا في مجتمعات أخرى.

• ولن يتأتى لنا ذلك إلا من خلال الحوار بين أتباع الديانات والمختلفين عقديا أو لغويا أو دينيا.

وقد برهنت العديد من المبادرات الدولية المعاصرة على أهمية الحوار بين أتباع الديانات، ومن أبرزها “وثيقة الأخوة الإنسانية” التي أكدت ضرورة التعاون بين المؤمنين بمختلف الديانات من أجل تعزيز السلم العالمي ونشر ثقافة التعايش والاحترام المتبادل.
وخلاصة القول، إن الحوار بين أتباع الديانات لم يعد ترفاً فكرياً أو خياراً ثقافياً يمكن الأخذ به أو الاستغناء عنه، بل أصبح ضرورة إنسانية وحضارية تفرضها طبيعة التحديات التي يواجهها عالمنا المعاصر. فالاختلاف بين البشر سنة إلهية قائمة على الحكمة والتدبير، وهو ليس مدعاة للصراع والتنازع، وإنما مجال للتعارف، والتعاون، وتبادل الخبرات والقيم. وقد أسس القرآن الكريم لهذا المبدأ من خلال دعوته إلى الاعتراف بالآخر، واحترام كرامته الإنسانية، والبحث عن المشتركات التي تجمع الناس على اختلاف معتقداتهم وثقافاتهم.

وفي زمن تتعالى فيه أصوات التعصب والكراهية، وتُغذى فيه الصور النمطية والأحكام المسبقة، تبرز الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى ترسيخ ثقافة الحوار بوصفها السبيل الأمثل لبناء جسور الثقة والتفاهم بين الشعوب والأمم. كما أن تصحيح الصورة المغلوطة عن الإسلام ومواجهة مختلف أشكال التطرف والعنف لا يمكن أن يتحققا إلا من خلال الانفتاح على الآخر، وتعزيز التواصل بين أتباع الديانات، والعمل المشترك من أجل إشاعة قيم العدل والتسامح والسلم. فالحوار ليس مجرد تبادل للأفكار والآراء، بل هو مشروع إنساني وأخلاقي يسهم في بناء عالم أكثر أمناً واستقراراً، تسوده روح الأخوة الإنسانية والاحترام المتبادل، بعيداً عن الإقصاء والصراع والكراهية.

* د.كريمة نور عيساوي، أستاذة تاريخ الأديان وحوار الحضارات، كلية أصول الدين – جامعة عبد المالك السعدي، تطوان