البرنامج الحكومي الجديد.. معادلة تنزيل الجيل الثاني من الإصلاحات في زمن التحديات و الاستحقاقات الكبرى
وجهة نظر

البرنامج الحكومي الجديد.. معادلة تنزيل الجيل الثاني من الإصلاحات في زمن التحديات و الاستحقاقات الكبرى

لم تكن لحظة وقوف فاطمة الزهراء المنصوري أمام مجلسي البرلمان لعرض البرنامج الحكومي للولاية التشريعية 2026–2031 مجرد استيفاء لمسطرة دستورية ينص عليها الفصل الثامن و الثمانون من الوثيقة الدستورية، بل بدت أقرب إلى لحظة مفصلية تختبر قدرة النسق السياسي المغربي على تجديد نفسه من الداخل. فبين الرمزية التاريخية لتولي امرأة رئاسة السلطة التنفيذية لأول مرة في تاريخ المملكة، وبين السياق الإقليمي والدولي المشحون بالتقلبات الجيوسياسية، جاء النص الحكومي ليقدم نفسه بوصفه تعاقدا سياسيا يسعى إلى المصالحة بين طموح الدولة الاستراتيجي والانتظارات اليومية الضاغطة للمجتمع. غير أن القراءة العميقة المتأنية في ثنايا هذه الوثيقة تقتضي تجاوز بياض النوايا المعلنة، لمساءلة بنيتها المضمرة، وفحص مدى تلاؤم وعودها السخية مع الإكراهات الهيكلية للاقتصاد والإدارة بالمغرب.

يستوقف القارئ المدقق في ديباجة البرنامج ذلك النقد الذاتي الضمني الذي يمسك بخيط الوثيقة من أولها إلى آخرها؛ فالحكومة، وهي تستند إلى شرعية صناديق اقتراع الثالث والعشرين من شتنبر 2026 وإلى المرجعية الملكية ومخرجات النموذج التنموي الجديد، تقر بغير قليل من الصراحة بأن ثمار التقدم والمشاريع الكبرى التي راكمتها البلاد لم تصل بالقدر ذاته من الإنصاف إلى جميع الفئات والمجالات الترابية. هذا الإقرار يؤسس لتحول مفاهيمي لافت يطبع روح البرنامج، قوامه الانتقال مما يمكن تسميته «الجيل الأول من الإصلاحات» —الذي انشغل بهندسة القوانين وتوسيع التغطية الاجتماعية كميا وضخ الاستثمارات العمومية في البنيات التحتية— إلى «الجيل الثاني» الذي يضع معيار «الأثر الفعلي» و«جودة الخدمة» مقياسا وحيدا للنجاح. لم يعد السؤال، وفق منطق الوثيقة، هو كم مستفيدا سجل في قوائم التأمين الصحي أو كم مليارا صرف في الاستثمار العمومي، بل ما الذي تغير فعليا في سرير المستشفى العمومي، وحجرة الدراسة، ومليارات الدراهم التي يفترض أن تتحول إلى مناصب شغل قارة.

ومن أعمق الدلالات السياسية في هندسة هذا البرنامج إعادة ترتيب سلم الأولويات؛ إذ اختارت الحكومة أن تفتتح التزاماتها بتوطيد دولة الحق والقانون أولا، ومحاربة الفساد والريع وتخليق الحياة العامة ثانيا، مرجئة الملفات الاجتماعية والاقتصادية إلى المراتب اللاحقة. لا يمكن قراءة هذا التقديم والتأخير باعتباره تفصيلا شكليا في التحرير، بل هو استجابة واعية لأزمة الثقة التي نخرت علاقة المواطن بالعمل الحزبي والمؤسساتي خلال السنوات الماضية. لقد أدرك واضعو البرنامج أن الغلاء الذي أنهك القدرة الشرائية للأسر لم يكن كله ضريبة مستوردة من التضخم العالمي أو تواتر سنوات الجفاف، بل كان في جزء كبير منه نتاجا لأعطاب داخلية مرتبطة بالوساطة الانتهازية، والاحتكار، وتضارب المصالح، وضعف آليات الضبط في أسواق المنتجات الأساسية واللحوم والأسماك.

ومن هنا، فإن التزام الحكومة بتجريم الإثراء غير المشروع، وتفعيل الفصل السادس والثلاثين من الدستور، وتخصيص ثلاثين في المائة من الصفقات العمومية للمقاولات الصغرى والمتوسطة بقوة القانون، يضع الجهاز التنفيذي منذ يومه الأول في مواجهة مباشرة مع لوبيات الريع والمضاربة؛ وهي معركة لن تحسم بجودة النصوص التشريعية، بل بمدى استقلال الإرادة السياسية عن شبكات المصالح المتداخلة مع الحقل الانتخابي والاقتصادي.

وعلى المستوى الاجتماعي، يحاول البرنامج ترميم التصدعات التي أصابت الطبقة الوسطى والفئات الهشة عبر حزمة من الإجراءات الملموسة التي تلامس المعيش اليومي، بدءا من الوعد برفع قيمة الدعم الاجتماعي المباشر من خمسمائة إلى ألف درهم مع نهاية الولاية، ومرورا بالإعفاء التلقائي لفواتير الكهرباء التي لا تتجاوز مائة درهم للأسر المستحقة، وصولا إلى مراجعة الضريبة على الدخل، ورفع الحد الأدنى لمعاشات التقاعد إلى ثلاثة آلاف درهم، وتمكين الأرملة من المعاش الكامل لزوجها المتوفى. غير أن التدقيق في هذه الالتزامات يكشف عن تصحيح مساري هادئ لآليات الاستهداف السابقة؛ فالتنصيص على ربط الدعم بالدخل الفعلي للأسر يحمل اعترافا ضمنيا بالاختلالات التقنية التي شابت نظام المؤشر الاجتماعي والاقتصادي الذي أقصى فئات هشة بمجرد امتلاكها لبعض التجهيزات المنزلية البسيطة. بيد أن الشق المتعلق بإصلاح التقاعد يظل محفوفا بغموض واضح؛ فالنص يعد بمكاسب مالية سخية للمتقاعدين وذوي الحقوق، لكنه يتحاشى الخوض في الكلفة التمويلية للإصلاح أو مصير الإجراءات المؤلمة كرفع سن التقاعد وزيادة نسب الاشتراك أو خفض أجور المتفاعدين، مرحلا هذه القنبلة الموقوتة إلى جولات الحوار الاجتماعي المقبلة.

وتتبدى المفارقة السوسيو-اقتصادية الأكثر حدة حين يقترب النص من معضلة الشباب والمدرسة العمومية. يمتلك البرنامج شجاعة تشخيص النزيف بالأرقام الصادمة: تسعة وعشرون في المائة نسبة البطالة بين الشباب اليافعين، ونحو مليونين وتسعمائة ألف شاب وشابة خارج دوائر التعليم والتكوين والشغل، وثلاثمائة ألف تلميذ يغادرون فصول الدراسة سنويا بلا تأهيل. في مواجهة هذا الواقع، تطرح الحكومة شعار «صفر انقطاع عن الدراسة» في أفق سنة 2030، مع رفع نسبة التحكم في الكفايات الأساسية إلى ثمانين في المائة عبر تعميم مؤسسات الريادة. غير أن هذا الطموح التربوي، على نبله، يصطدم بحقيقة أن الهدر المدرسي ليس مجرد عطب بيداغوجي تعالجه الرقمنة والدعم الفردي داخل القسم، بل هو ظاهرة اجتماعية ومجالية مركبة تتغذى من فقر الأسر القروية، وهشاشة النقل المدرسي، وتشغيل القاصرين. وبالمثل، فإن خطة إدماج الشباب المهنية —التي تراهن على تكوين مائة ألف شاب سنويا وتمكين مثلهم من أول تجربة مهنية وتوسيع التدرج المهني— تظل محكومة بمقاربة قابلية التشغيل والوساطة المؤقتة، بينما يكمن جوهر الأزمة في ضعف قدرة النسيج الاقتصادي الوطني على توليد مناصب شغل صافية ومستدامة تحمي الكرامة وتحد من نزيف هجرة الكفاءات وحاملي الشهادات.

أما في بعده الجيوسياسي والاقتصادي، فيرتقي البرنامج بمفهوم «السيادة الاستراتيجية» ليجعل منه عقيدة ناظمة للسياسات القطاعية، مستثمرا الزخم الدبلوماسي الذي أفرزه قرار مجلس الأمن رقم 2797 بشأن الصحراء المغربية، وموقع المملكة كبوابة أطلسية وإفريقية. لم تعد السيادة محصورة في الدفاع الترابي، بل باتت تتجسد في تعبئة مليار وثمانمائة مليون متر مكعب من المياه المحلاة، ورفع حصة الطاقات المتجددة إلى ما يفوق اثنين وخمسين في المائة، وكسر التبعية الغذائية عبر رفع حصة البذور الوطنية من عشرين إلى خمسين في المائة، فضلا عن إرساء صناعة دفاعية وطنية وأسطول بحري تجاري. غير أن هذا الطموح السيادي الضخم، المقرون بأوراش التحضير لكأس العالم 2030 وتنزيل قانون مرن للتعمير القروي ورفع تحويلات الجهات إلى اثني عشر مليار درهم، يضعنا وجها لوجه أمام «المثلث المالي المستحيل» الذي يختم به البرنامج التزاماته.

فالحكومة تعد بتمويل كل هذه الأوراش الاجتماعية والسيادية الكبرى مع الحفاظ على عجز الميزانية في حدود ثلاثة في المائة، وحصر التضخم في اثنين في المائة، وتقليص المديونية العمومية إلى اثنين وستين في المائة من الناتج الداخلي الخام بحلول سنة 2031، مستندة في ذلك إلى فرضية تحقيق معدل نمو سنوي مستدام يناهز خمسة في المائة، ورفع مساهمة القطاع الخاص إلى ثلثي الاستثمار الوطني. هنا تحديدا يكمن الاختبار العسير لواقعية البرنامج؛ فاقتصاد لم يستطع تاريخيا تجاوز عتبة ثلاثة إلى أربعة في المائة من النمو إلا في السنوات الممطرة استثنائيا، ويظل فيه الرأسمال الخاص الكبير حذرا وميالا إلى القطاعات العقارية والخدماتية المحمية، سيجد صعوبة بالغة في تحقيق هذه القفزة دون تحول صناعي وتكنولوجي عميق لا يؤتي ثماره في الأمد القصير. كما أن تزامن هذه الولاية مع ذروة استثمارات مونديال 2030 يطرح تحديا حقيقيا على مستوى العدالة المجالية، خشية أن يؤدي تركيز الموارد في الحواضر المستضيفة والواجهة الأطلسية إلى تكريس «مغرب بسرعتين» يترك الهوامش القروية والجبلية والواحات تحت وطأة الإجهاد المائي وضعف البنيات الصحية والتعليمية.

على هذا النحو، يبدو البرنامج الحكومي للفترة 2026–2031 وثيقة سياسية ناضجة في لغتها، ذكية في تشخيصها لمكامن الخلل، ومتحررة إلى حد بعيد من الإنشاء السياسوي الفضفاض أو لغة الخشب التكنوقراطية. بيد أن التاريخ السياسي المعاصر يعلمنا أن قيمة البرامج الحكومية لا تكمن في بلاغة هندستها النصية يوم التنصيب، بل في صلابتها حين تصطدم بمقاومات البيروقراطية الإدارية، وتقلبات المناخ والأسواق الدولية، وشراسة المصالح الريعية المتجذرة. إن الرهان الحقيقي لهذه الولاية لن يقاس في أفق 2031، بل سيبدأ امتحانه الفعلي منذ مشروع قانون مالية 2027، حيث سيتبين ما إذا كانت الحكومة تملك الجرأة والأدوات لتحويل التعاقد المكتوب إلى إجراءات عملية ملموسة تنعكس إيجابا على حياة المغاربة .