لم تكن سوس، عبر تاريخها، مجرد مجال جغرافي تحيط به الجبال وتنتشر في سهوله القرى والحقول؛ بل كانت أيضًا مجالًا للعلم والمعرفة، احتضنت فيه المساجد والمدارس العتيقة أجيالًا من طلبة العلم والفقهاء، وأسهمت في تشكيل الحياة الدينية والاجتماعية لقبائل المنطقة. وفي هذا المجال، لم يكن العلم شأنًا خاصًا بالفقيه والطالب وحدهما، بل كان مسؤولية جماعية شارك فيها السكان، كلٌّ بحسب استطاعته، من خلال توفير المؤونة وصيانة المدارس وإكرام العلماء وإيواء الطلبة.
ويجد هذا الامتداد التاريخي ما يسنده في كتابات العلامة محمد المختار السوسي، الذي أفرد جانبًا مهمًا من مؤلفاته لتاريخ سوس العلمي ومدارسه وفقهائه، ولا سيما في كتبه المعسول وسوس العالمة ومدارس سوس العتيقة: نظامها، أساتذتها. كما تناول الحسين وجاج، في مقال منشور بمجلة دعوة الحق، مكانة التعليم العتيق في سوس وأدواره العلمية والدينية والاجتماعية.
ومن أبرز المعالم التي يستحضرها هذا التاريخ رباط أكلو، المعروف بارتباطه بالفقيه وكّاك بن زلو اللمطي، بضواحي تزنيت. وينقل الحسين وجاج عن المختار السوسي أن أكلو عرفت مدرسة علمية في أواخر القرن الخامس الهجري. وهذا يعني أننا نتحدث عن بدايات تعود، على وجه التقريب، إلى القرن الحادي عشر الميلادي، أي قبل سنة 2026 بنحو تسعة قرون أو أكثر، بحسب التاريخ المعتمد لبداية المؤسسة.
ولا تكمن أهمية هذه الإشارة في تحديد عمر مدرسة بعينها، بل في إظهار عمق الجذور التي امتلكها التعليم العتيق في سوس، وفي بيان أن المؤسسات العلمية لم تظهر دفعة واحدة، وإنما تشكلت وتطورت عبر قرون، وانتقلت تقاليدها من مجال إلى آخر، حتى أصبحت المدارس جزءًا من الحياة اليومية لقبائل عديدة.
وإذا كان تاريخ أكلو يمثل إحدى المحطات البارزة في هذه الذاكرة، فإن امتداد التعليم العتيق إلى مختلف مناطق سوس يفتح أمامنا بابًا آخر للتأمل: كيف احتضنت القبائل هذه المؤسسات؟ وكيف أسهمت في استمرارها؟ وما الذي يمكن أن تكشفه لنا سيرة العلماء المحليين عن تاريخ بعض المدارس التي لا تزال حاضرة في الذاكرة الجماعية؟
من تاريخ المدارس إلى تاريخ هلالة ومزذاكن
إن الانتقال من تاريخ المدارس العتيقة بسوس إلى تاريخ قبائلها ليس انتقالًا بين موضوعين منفصلين؛ فالمدرسة كانت في كثير من الأحيان مرآة للمجتمع الذي احتضنها، وكان تاريخها يرتبط بتاريخ القبيلة، وبما عرفته من علماء وطلبة وأسر علمية، وبما بذلته من جهود للمحافظة على استمرار التعليم.
وفي هذا السياق، تبرز قبائل هلالة بسوس، التي خصص لها محمد بن أحمد البوقدوري مؤلفًا بعنوان تاريخ قبائل هلالة بسوس: إتحاف أهل البدو والقرى بسلالة زينب الكبرى بنت فاطمة الزهراء بضعة سيد الورى، الصادر عن مطبعة النجاح الجديدة بالدار البيضاء سنة 2000. ويشكل هذا المؤلف مدخلًا إلى التعرف على تاريخ هلالة وفروعها وأعلامها، وإلى فهم البيئة القبلية التي نشأت داخلها تقاليد العلم والتدين والتكافل.
ومن بين هذه القبائل، تبرز قبيلة مزذاكن، بما تحمله من أسماء أعلام ومواضع وذاكرة محلية تستحق الجمع والتوثيق. ولا تنحصر أهمية تاريخ القبيلة في أنسابها أو حدود مجالها، وإنما تمتد إلى ما أنتجته من علماء، وما احتضنته من مدارس ومجالس للعلم، وما حافظت عليه من عادات اجتماعية ودينية انتقلت بين الأجيال.
فحين نبحث في تاريخ قبيلة، فإننا لا نبحث عن سنوات وأسماء مجردة فحسب، بل نحاول استعادة صورة مجتمع كامل: كيف كان يتعلم أبناؤه؟ أين كان يجتمع؟ كيف كان يكرم العلماء؟ وكيف كانت الجماعة تتعاون في المناسبات الدينية والاجتماعية؟
ومن هنا تصبح مزذاكن مدخلًا مناسبًا لقراءة التاريخ من زاوية محلية؛ أي من خلال علمائها ومدرستها وموروثها الاجتماعي، بدل الاكتفاء بسرد تاريخ عام قد لا يكشف وحده تفاصيل الحياة اليومية للناس.
علماء مزذاكن: تواريخ تقرّب الماضي من الحاضر
تساعد تراجم العلماء المحليين على تقريب التاريخ من القارئ؛ فالسنة التي عاش فيها عالم أو توفي ليست رقمًا عابرًا، بل علامة زمنية يمكن من خلالها تخيل المسافة التي تفصلنا عن أجيال سبقَتنا في طلب العلم والتدريس وخدمة المجتمع.
ومن الأسماء التي توردها المادة المنشورة عن قبيلة مزذاكن سيدي سعيد بن الحسن الفزيكي المزداكني الهلالي، الذي تذكر أنه كان عالمًا وقاضيًا، وأن وفاته كانت سنة 1243هـ، الموافقة تقريبًا لسنتي 1827 و1828م. وبذلك تفصلنا عن وفاته، إلى سنة 2026، قرابة مئتي سنة.
وتشير المادة نفسها إلى سيدي أحمد بن يحيى بن امحمد بن بركة، من فزيك، مع ذكر عقد زواج مكتوب بخطه ومؤرخ بسنة 1088هـ، الموافقة تقريبًا لسنتي 1677 و1678م. وإذا صحت هذه النسبة والتأريخ، فإن الوثيقة تضعنا أمام أثر كتابي يعود إلى نحو ثلاثة قرون ونصف قبل حاضرنا، وتمنحنا دليلًا ملموسًا على وجود نشاط علمي وتوثيقي في المنطقة في ذلك الزمن.
ومن الأسماء الأخرى التي تذكرها المصادر المتداولة عن علماء مزذاكن: سيدي امحمد بن محمد نيت علي واعلا الفزيكي المزداكني، الذي يرد أنه كان حيًّا سنة 1194هـ، الموافقة تقريبًا لسنتي 1780 و1781م؛ وسيدي أحمد بن امحمد بن أحمد الفزيكي، الذي يرد أنه كان حيًّا سنة 1208هـ، الموافقة تقريبًا لسنتي 1793 و1794م؛ وسيدي أحمد بن محمد بن الحسن الفزيكي المزداكني الهلالي، الذي يرد أنه كان حيًّا سنة 1235هـ، الموافقة تقريبًا لسنتي 1819 و1820م.
كما تذكر هذه المادة سيدي بوبكر بن عبد الله بن إبراهيم، المرتبط بدوار أمينتسيل، وتورد أن وفاته كانت نحو سنة 1350هـ أو بعدها، أي قرابة سنة 1931م أو ما بعدها. وتورد كذلك أسماء أخرى، منها سيدي امحمد بن محمد بن عبد المؤمن بن أحمد، وسيدي أحمد بن بلقاسم، وسيدي إبراهيم بن محمد نيت الطالب إبراهيم، وسيدي إبراهيم بن محمد بن سعيد الفزيكي الهلالي، وسيدي علي بن الحاج أحمد بن علي من بني تاهرى الفزيكي الهلالي.
وتشير مادة منشورة عن فقهاء تيمزكيد أوسرير إلى سيدي الطاهر بن أحمد الومهالي اللحياني، الذي تذكر أنه توفي سنة 1373هـ، الموافقة تقريبًا لسنة 1954م، وأنه اشتغل بمدرسة سيدي عثمان.
إن هذه التواريخ، إذا جُمعت ووُثّقت بالرجوع إلى مصادرها الأصلية، تمنحنا خطًّا زمنيًا يمتد من القرن الحادي عشر الهجري إلى القرن الرابع عشر الهجري، وتكشف أن الذاكرة العلمية لمزذاكن لا تختزل في اسم واحد أو جيل واحد. ومع ذلك، ينبغي التمييز بين تاريخ حياة العالم وتاريخ اشتغاله بمدرسة معينة؛ فوجود عالم من أبناء القبيلة في القرن السابع عشر أو الثامن عشر لا يثبت وحده أنه درّس في مدرسة سيدي عثمان، ما لم يرد نص صريح يربطه بها.
وهنا تحديدًا تظهر قيمة البحث المحلي: فكل ترجمة، وكل عقد قديم، وكل مخطوط، وكل رواية عائلية موثوقة يمكن أن تكون حلقة في سلسلة تساعد على فهم تاريخ المنطقة.
ذاكرة المكان وسؤال التأسيس
على ضفاف وادي أوراكا، بمنطقة مزذاكن التابعة لجماعة تسكدلت بإقليم اشتوكة آيت باها، تقف المدرسة العتيقة سيدي عثمان المزذكني الهلالي شاهدةً على ذاكرة علمية واجتماعية ضاربة في القدم، ارتبطت بحياة القبيلة وبما راكمته من تقاليد في طلب العلم وحفظه وتوارثه عبر الأجيال.
إن ما نعرفه عن امتداد المدارس العتيقة في سوس منذ القرون الهجرية الأولى، وما تذكره المصادر عن علماء مزذاكن خلال القرون اللاحقة، وما يرد عن ارتباط بعض الفقهاء بمدرسة سيدي عثمان أوعلى مزذاكن ، كلها معطيات تفتح باب التساؤل عن المراحل التي مرت بها هذه المدرسة، وعن دورها في حياة القبيلة.
فإذا كانت مدرسة أكلو، وفق ما ينقله المختار السوسي، تعود إلى أواخر القرن الخامس الهجري، فإن ذلك يبين أن تقاليد التعليم المؤسسي كانت حاضرة في سوس منذ زمن بعيد. وإذا كانت منطقة مزذاكن قد عرفت علماء عاشوا في القرون التالية، فإن ذلك يؤكد أهمية دراسة تاريخ العلم في هذه المنطقة. أما الجمع بين هذه القرائن فيدعو إلى التساؤل عن مدى قِدم المدرسة العتيقة سيدي عثمان مزذاكن ، لكنه لا يكفي وحده لإثبات أنها تأسست في القرن الخامس الهجري أو أنها كانت قائمة في عهد كل واحد من أولئك العلماء.
وما يزيد هذه المدرسة أهميةً ما تتناقله الذاكرة المحلية من روايات تفيد بأن أجدادًا من أبناء القبيلة وجدوها قائمة في مكانها منذ أجيال بعيدة، حتى إن بعض الروايات المتوارثة عن الأجداد تنقل صورة المدرسة باعتبارها معلمًا كان حاضرًا في حياة من سبقوهم، دون أن يحتفظ الرواة بتاريخ محدد لبنائها أو لتأسيسها. وهذه الشهادات، وإن كانت لا تكفي وحدها لتحديد عمر المدرسة، فإنها تمنحنا قرينةً من الذاكرة الشفوية تستحق التوثيق والبحث.
غير أن السؤال التاريخي يظل قائمًا: متى شُيّدت المدرسة العتيقة سيدي عثمان بمزذاكن ، ومتى بدأت رسالتها العلمية؟ هل يعود تأسيسها إلى ما قبل العصر الذي عاش فيه علماء مزذاكن الذين وردت أسماؤهم في المصادر التاريخية، أم أنها ظهرت في مرحلة لاحقة؟ إن غياب تاريخ تأسيس موثق لا يسمح بالجزم بأي من الاحتمالين، كما أن وجودها في ذاكرة الأجيال لا يكفي وحده لربط نشأتها بعالم معين أو بعصر محدد.
ولذلك، فإن الأمانة التاريخية تقتضي التعامل مع قِدم المدرسة باعتباره احتمالًا قويًا في ضوء الروايات المحلية، دون تحويله إلى تاريخ محسوم. فإثبات سنة التأسيس أو تحديد الفترة التي ظهرت فيها المدرسة يحتاج إلى شواهد ملموسة، كوثيقة قديمة، أو مخطوط يحمل ما يفيد مكان نسخِه أو تدريسه، أو ترجمة لأحد علمائها، أو إشارة صريحة إليها في مصدر تاريخي موثوق.
الا أن من الشواهد المكتوبة التي تساعد على الاقتراب من تاريخ المدرسة، يكمن فيما أورده الباحثون المهتمون بتاريخ قبائل سوس وفقهائها. فقد ورد في مقال “قبيلة مزداكن” أن مدرسة القبيلة هي مدرسة سيدي عثمان بن علي، كما أورد أسماء عدد من علمائها، من بينهم سيدي سعيد بن الحسن الفزيكي المزداكني الهلالي، المتوفى سنة 1243هـ، أي نحو 1827م. غير أن هذا التاريخ يتعلق بوفاته..
كما تذكر مادة منشورة عن أعلام نزلوا بقبيلة أيت مزال ومنهم الفقيه سعيد بن محمد بن امحمد من أيت مبارك التسلاني الضيائي، وتشير إلى أنه لازم مدرسة سيدي عثمان بوادي مزداكن ودرّس بها، دون تحديد الفترة التي عمل فيها.
ويضاف إلى ذلك سيدي الطاهر بن أحمد الومهالي اللحياني، الذي تفيد ترجمتُه المنشورة بأنه عمل بالمدرسة، وتوفي سنة 1373هـ/1954م هذا كل ما ذكر في بعض الكتوب والمقالات.
فالمدرسة العتيقة سيدي عثمان ليست مجرد بناء قديم على ضفاف وادي أوراكا، بل هي جزء من ذاكرة قبيلة وموروثها العلمي والاجتماعي. وقد يظل تاريخ تأسيسها الدقيق مجهولًا إلى أن تظهر أدلة جديدة، لكن ذلك لا ينتقص من قيمتها التاريخية؛ بل يجعل البحث في ماضيها مسؤوليةً جماعية، غايتها صون الذاكرة المحلية وتحويل ما توارثته الأجيال من روايات إلى مادة تاريخية موثقة.
حين تتحول الذاكرة إلى اجتماع
إذا كانت المدرسة تحفظ ذاكرة العلم، فإن المعروف نتقبيلت مزذاكن يفتح بابًا آخر لفهم الذاكرة الجماعية؛ ذاكرة الاجتماع والتكافل وصلة الرحم، وما ينشأ بين أفراد القبيلة من روابط تتجاوز حدود الدواوير والأسر.
فالملتقيات الدينية والاجتماعية التي عرفتها مناطق سوس لم تكن مجرد مناسبات عابرة، بل كانت في كثير من البيئات فضاءات يلتقي فيها الناس، ويتبادلون الأخبار، ويجددون الصلات، ويكرمون الضيوف، ويجتمعون حول الطعام والذكر والدعاء. وكانت هذه اللقاءات، بحسب طبيعة كل منطقة وتقاليدها، تتداخل مع أدوار المساجد والمدارس العتيقة ومع أشكال التضامن التي يقوم بها المجتمع المحلي.
وفي هذا الإطار يمكن قراءة المعروف نتقبيلت مزذاكن باعتباره مناسبة تتقاطع فيها ذاكرة القبيلة مع مكانة المدرسة العتيقة سيدي عثمان، خصوصًا إذا كان تنظيمه في محيطها أو مرتبطًا بها في الذاكرة المحلية. فالمكان هنا ليس مجرد موقع تُقام فيه المناسبة، بل قد يكون جزءًا من معناها؛ إذ يجمع بين رمزية العلم والدين من جهة، وروابط الجماعة والتعاون من جهة أخرى.
وإذا كانت المدرسة قد شكلت فضاء لتلقي العلم، فإن اللقاء السنوي يمكن أن يكون فضاء لاستعادة الصلة بين أبناء القبيلة، بمن فيهم من فرقت بينهم ظروف العمل أو الدراسة أو الإقامة في مدن ومناطق أخرى. وهكذا يجتمع في المناسبة بُعد ديني يتمثل في الذكر والدعاء والقراءة، وبُعد اجتماعي يتجلى في صلة الرحم والتعارف والتعاون وإطعام الحاضرين.
غير أن فهم هذا المعروف يقتضي النظر إلى تاريخه بوصفه مسارًا متحولًا، لا صورة جامدة بقيت على حالها منذ البداية. فالعادات الاجتماعية تتغير بتغير المجتمع، وقد تحتفظ باسمها ومكانها وبعض رموزها، بينما تتبدل تفاصيل تنظيمها ومواعيدها والوظائف التي تؤديها في حياة الناس.
هل كان للمعروف ارتباط بالموسم الزراعي؟
من الأسئلة التي تستحق البحث في تاريخ بعض المواسم والعادات المحلية علاقة مواعيدها بالتقويم الفلاحي. فقد ارتبطت بعض الاجتماعات الموسمية في البيئات القروية بدورة الزراعة، وبمراحل الحصاد والحرث وانتظار الأمطار، حيث تتداخل حاجات العيش مع الدعاء والتكافل والطقوس الاجتماعية.
وتُتداول في بعض الروايات الإقليمية إشارة إلى إقامة مواسم في «الخميس الأول من أكتوبر الفلاحي». لكن هذه الإشارة لا يجوز تعميمها على جميع قبائل سوس، ولا نسبتها إلى المعروف نتقبيلت مزذاكن على وجه اليقين من دون رواية محلية واضحة أو وثيقة تؤكد ذلك.
ومع ذلك، فإن طرح السؤال يظل مهمًا: هل ارتبط موعد المعروف في مرحلة من مراحله بموسم فلاحي محدد؟ وهل كان اختيار الزمن مرتبطًا بفراغ نسبي بعد الحصاد، أو بالاستعداد لموسم الحرث، أو بانتظار الأمطار؟ أم أن الموعد ارتبط أساسًا بترتيبات دينية واجتماعية تطورت مع الزمن؟
لا يمكن الإجابة عن هذه الأسئلة بالاعتماد على التشابه وحده، لكنها تتيح مسارًا للبحث في الذاكرة الشفوية؛ من خلال سؤال كبار السن عن الموعد القديم، وكيف كان يُحدد، ومن كان يقرر تنظيمه، وما إذا كان قد تغير في العقود الأخيرة.
فالتقويم الفلاحي في المجتمعات القروية ليس مجرد وسيلة لحساب الزمن، بل هو جزء من إيقاع الحياة: تتوزع فيه الأعمال والالتزامات واللقاءات بحسب مواسم الأرض. وقد تتقاطع بعض العادات مع هذا الإيقاع، ثم يعاد تنظيمها مع تغير ظروف المجتمع. غير أن إثبات هذا المسار بالنسبة إلى مزذاكن يظل محتاجًا إلى شواهد محلية.
المعروف والقربان: قراءة اجتماعية في العادات
ولفهم الأبعاد الاجتماعية لبعض أشكال المعروف في المغرب، يمكن الاستفادة من الدراسات التي تناولت المواسم والطقوس الجماعية، مع التمييز بين مناطقها وموضوعاتها وبين الحالة المحلية التي نبحث فيها.
ومن الأعمال المعروفة في هذا المجال كتاب الباحث المغربي حسن رشيق Sacré et sacrifice dans le Haut Atlas marocain، الصادر عن Afrique Orient سنة 1990. يتناول الكتاب المعروف من زاوية إثنوغرافية واجتماعية، ويناقش ما يمكن أن تكشفه الطقوس والوجبات الجماعية والقرابين من تصورات المجتمع عن الجماعة والمقدس والعلاقات الاجتماعية. كما يحيل هذا الحقل من الدراسات إلى أعمال إثنوغرافية سابقة، منها أعمال الباحث الفرنسي إدمون دوتيه.
وتفيد هذه الدراسات في تنبيهنا إلى أن الطعام الجماعي والذبيحة والصدقة والاجتماع ليست عناصر منفصلة بالضرورة عن الحياة الاجتماعية؛ فقد تحمل معاني التضامن والانتماء وإعادة وصل العلاقات بين أفراد الجماعة. كما قد ترتبط بعض الممارسات في بيئات معينة بالمواسم الزراعية أو بطلب الخير والبركة، بحسب ما تثبته الشواهد الخاصة بكل مجتمع.
لكن لا يصح أن نستنتج من هذه الدراسات أن المعروف نتقبيلت مزذاكن نشأ بالضرورة من أصل زراعي أو قرباني بعينه، أو أن جميع عناصره الحالية امتداد مباشر لممارسات قديمة. فدراسة رشيق تتناول سياقات من الأطلس الكبير، ولا تكفي وحدها لإثبات تاريخ عادة محددة في مزذاكن. كما أن أعمال دوتيه، مهما كانت أهميتها في تاريخ الدراسات الإثنوغرافية، ينبغي التعامل معها في سياقها التاريخي والمنهجي، لا باعتبارها وصفًا مباشرًا لكل عادات سوس.
والأقرب إلى المنهج التاريخي أن نستفيد من هذه الأعمال في بناء الأسئلة، لا في فرض الأجوبة: ما معنى الذبيحة في الذاكرة المحلية؟ كيف ينظم الناس المساهمة في الطعام؟ هل كان المعروف يؤدي وظيفة اجتماعية مرتبطة بالتعاون بين الأسر؟ وما الذي بقي من هذه الوظائف، وما الذي تغير؟
فبهذه الأسئلة نستطيع الاقتراب من تاريخ العادة من دون اختزالها في تفسير واحد، ومن دون إغفال ما اكتسبته عبر الزمن من معانٍ دينية واجتماعية خاصة بالمجتمع الذي يمارسها.
كيف تغيرت طريقة إقامة المعروف؟
إن المجتمع الذي حافظ على المدرسة العتيقة وعلى عادة المعروف لم يبقَ خارج التحولات التي عرفها العالم القروي. فقد تغيرت وسائل التنقل، وتوسعت فرص الدراسة والعمل خارج الدواوير، وانتقل عدد من أبناء القبيلة إلى المدن، كما تغيرت أنماط التواصل والتعاون وتنظيم المناسبات.
ومن الطبيعي أن تترك هذه التحولات أثرها في طريقة إقامة الملتقى السنوي. فقد تتغير وسائل جمع المساهمات، وأساليب إعداد الطعام، وعدد المشاركين، وطرق التواصل بين المنظمين وأبناء القبيلة المقيمين بعيدًا عن موطنهم الأصلي. وقد تتبدل بعض الترتيبات العملية مع بقاء المقاصد الأساسية للمناسبة حاضرة في الوجدان المحلي.
وفي صورته الحالية، يرتبط المعروف نتقبيلت مزذاكن، بحسب ما يُراد له أن يحمله من معانٍ، بتلاوة القرآن الكريم، وذكر الله والحديث النبوي الشريف والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وإطعام الحاضرين، وصلة الرحم، وتقوية روابط التعاون بين أبناء القبيلة. وهذه العناصر تمنح المناسبة قيمة تتجاوز تنظيم اجتماع سنوي؛ فهي تجعلها فرصة لتجديد الصلة بين الناس وبين المكان الذي يجمعهم.
لكن قراءة هذا التحول تحتاج إلى مقارنة واعية بين الماضي والحاضر. فمن المهم أن نعرف كيف كانت المناسبة تقام في السابق، وما الذي تغير في موعدها أو تنظيمها أو المشاركين فيها، ومتى حدثت هذه التغييرات، وما العوامل التي أسهمت فيها. ويمكن أن تكون شهادات كبار السن، والصور القديمة، والوثائق المتاحة، وسجلات المدرسة إن وجدت، مصادر نافعة لإعادة بناء هذه المراحل.
فليس من الضروري أن تكون العادة قد فقدت معناها لأنها تغيرت، كما ليس من الضروري أن تكون قد بقيت مطابقة لما كانت عليه قبل قرن أو قرنين. فقد تستمر العادة لأن المجتمع يعيد منحها معنى يناسب ظروفه الجديدة، ويحتفظ منها بما يراه جديرًا بالحماية والاستمرار.
ومن هنا تتضح أهمية المدرسة العتيقة سيدي عثمان في هذا السياق؛ فهي ليست مجرد خلفية مكانية للملتقى، بل مؤسسة علمية يمكن أن تشكل صلة بين ذاكرة الماضي وحاجات الحاضر. وكلما جرى توثيق تاريخها وتاريخ علمائها وعلاقتها بالمجتمع، ازدادت قدرة الأجيال الجديدة على فهم قيمة هذا الموروث بدل الاكتفاء بممارسته من دون معرفة قصته.
الموروث مسؤولية الأجيال
إن الانتقال من تاريخ المدارس العتيقة بسوس إلى تاريخ هلالة ومزذاكن، ومن تراجم العلماء إلى المدرسة العتيقة سيدي عثمان، ثم إلى المعروف نتقبيلت، يكشف عن خيط جامع بين العلم والمكان والمجتمع. فالتاريخ لا تصنعه المؤسسات وحدها، ولا تحفظه الكتب وحدها؛ بل تحفظه أيضًا الذاكرة الشفوية والوثائق القديمة والعادات التي يواصل الناس ممارستها جيلًا بعد جيل.
وإذا كانت القرائن المتاحة تفتح باب التساؤل عن تاريخ و عن قِدم مدرسة سيدي عثمان وعن المراحل التي مرت بها، فإن الواجب هو مواصلة البحث والتوثيق، لا التسرع في تحديد تاريخ تأسيسها من دون دليل. وكذلك فإن البحث في جذور المعروف وعلاقته بالتقويم الفلاحي والذبيحة والاجتماع الجماعي ينبغي أن يقوم على الشهادات المحلية والمصادر الموثوقة، مع احترام خصوصية تجربة مزذاكن وعدم إسقاط نتائج دراسات مناطق أخرى عليها من غير برهان.
إن المسؤولية اليوم لا تقع على عاتق لجنة التنظيم وحدها، ولا على كبار السن وحدهم، بل تشمل الشباب والباحثين والمهتمين بتاريخ المنطقة. فبإمكان الشباب أن يسهموا في جمع الروايات من الآباء والأجداد، وتصوير الوثائق القديمة وحفظها، وتوثيق أسماء العلماء والمدرسين، وتسجيل تاريخ المدرسة ومراحل تطورها، ونقل المعرفة إلى الأجيال المقبلة بوسائل تناسب العصر.
أما المدرسة العتيقة، فهي جديرة بأن تحظى بالعناية لا لقدمها المؤكد فحسب، بل لما كانت ولا تزال تمثله من قيمة علمية ودينية واجتماعية، وهكذا، لا يكون المعروف نتقبيلت مجرد موعد يتكرر كل عام، بل فرصة لإحياء الذاكرة، وصلة الرحم، والتعاون، والاعتزاز بالعلم وأهله. فالموروث الذي لا يُوثَّق قد تضيع تفاصيله، والذي لا يجد من يحمله إلى الأجيال الجديدة قد يظل حاضرًا في الشكل، بينما تتراجع معرفة الناس بمعناه وتاريخه.
إن الحفاظ على هذا الموروث لا يعني تجميد الحياة عند صورة الماضي، بل يعني أن نفهم ذلك الماضي، ونحفظ ما فيه من قيم، ونمنحه فرصة للاستمرار في الحاضر. فالأمم والقبائل لا تحفظ ذاكرتها بمجرد تكرار عاداتها، وإنما حين تعرف لماذا نشأت، وكيف تطورت، وما الذي يجعلها جديرة بأن تنتقل إلى المستقبل.
وما أجمل أن يصبح الملتقى السنوي مناسبة لاجتماع الناس فحسب، بل أيضًا لاجتماع الذاكرة بالعلم، والماضي بالحاضر، والشباب بتاريخ مدرستهم وقبيلتهم، حتى تبقى المدرسة العتيقة سيدي عثمان منارة للعلم، ويبقى المعروف نتقبيلت جسرًا لصلة الرحم وحفظ الموروث الثقافي والاجتماعي لمزذاكن.