«يخ منو وعيني فيه»؛ عبارة مغربية تفضح التناقض بين إظهار النفور وإخفاء الرغبة. وتستحضر، في النقاش حول مغاربة العالم، مفارقة الترحيب بتحويلاتهم وضعف المساحة الممنوحة لقضاياهم في الأولويات الحكومية. فكيف يتسع الاقتصاد لأموال الجهة الثالثة عشرة، ويضيق البرنامج عن تخصيص محور مستقل لها؟ وأي رسالة تصل إلى مواطن يستدعى للمساهمة والاستثمار، ثم لا يجد وضوحا في حقوقه وانتظاراته؟ إنه سؤال عن الشراكة التي تليق بعطائه وانتمائه، وعن مكانته خارج الحسابات المالية.
وتسمية «الجهة الثالثة عشرة» تعبير رمزي عن امتداد المغرب خارج حدوده، وعن مواطنين تتوزع إقامتهم بين القارات ويجمعهم ارتباط بوطنهم. هؤلاء يسندون أسرهم، وينشطون الأسواق، ويسهمون في السياحة والعقار والمقاولة، ويحملون خبرات وشبكات علاقات يمكن أن تفتح للصناعة والخدمات المغربية أبوابا يصعب بلوغها بالتمويل وحده.
وتظهر المعطيات الرسمية أن تحويلاتهم تجاوزت 122 مليار درهم سنة 2025. وراء هذا الرقم أجور اقتطع منها أصحابها لتغطية مصاريف العلاج والدراسة والسكن، ومدخرات جمعت بتعب سنوات. وتسهم هذه التدفقات في توفير العملة الصعبة وتمويل حاجات الاقتصاد الخارجية، كما تمنح أسرا كثيرة قدرة على مواجهة الغلاء. لذلك يستحق أصحابها موقعا واضحا في التفكير التنموي.
غير أن الإنصاف يقتضي التدقيق: المحاور المعروضة للبرنامج الحكومي تتضمن، ضمن الهوية والمواطنة وتماسك المجتمع، التزاما بسياسة دامجة لمغاربة العالم وتيسير مساهمتهم في التنمية. السؤال إذن عن غياب محور مستقل ومفصل، وعن الاكتفاء بوعد عام لا تظهر فيه ميزانية مخصصة، أو آجال تنفيذ، أو مؤشرات تسمح بمحاسبة الحكومة على النتائج.
لماذا لم تمنح هذه القضية مساحة تناسب حجمها؟ وأين الخطة التي تربط ادخار الجالية بالاستثمار المنتج، وتصل كفاءاتها بحاجات الجهات، وتحمي مصالح أفرادها؟ إدراجهم تحت عنوان جامع قد يعبر عن نية إيجابية، لكنه يترك تفاصيل أساسية معلقة. فالمواطن الذي يفكر في مشروع يحتاج إلى مسار واضح، ومسؤول معروف، وإجابة داخل أجل محدد.
ومن هنا تتردد الأسئلة المؤلمة: هل أصبح مغاربة العالم من المغضوب عليهم، أم أنهم غير مرغوب فيهم عندما يتعلق الأمر بالمشاركة والتأثير؟ تعكس هذه الأسئلة مرارة مواطنين يريدون اعترافا عمليا بمكانتهم. وعلى الحكومة أن تجيب بسياسات قابلة للتنفيذ، تفتح أمامهم أبواب التشاور وصنع المبادرات، وتمنحهم الثقة بأن انتماءهم لا تختصره حوالة مصرفية.
وقد أكد الخطاب الملكي في السادس من نونبر 2024 ضرورة فتح آفاق جديدة لاستثمارات الجالية، ومراجعة تدبير شؤونها، وتعبئة كفاءاتها، وتبسيط المساطر. وهذه مرجعية تجعل المطلوب الحكومي أكثر تحديدا: تحويل التوجيه إلى إجراءات يستطيع المواطن لمسها، ومتابعة ما تحقق منها، ومعرفة الجهة المسؤولة عن التعثر عندما يقع.
فالاستثمار يحتاج إلى الثقة قبل الحوافز. وحين يواجه صاحب المشروع تعقيد الإجراءات، أو غموض المعلومة، أو صعوبة التتبع من بلد الإقامة، تتراجع رغبته مهما اشتد حنينه. والمطلوب خدمات رقمية فعالة، ومواكبة قانونية وتقنية، وتمويل ملائم، وحماية للحقوق، وآلية لمعالجة الشكايات. كما ينبغي توفير فرص في مختلف الجهات، حتى تتحول الصلة بمسقط الرأس إلى مشاريع تخلق الشغل.
ومن الضروري التمييز بين التحويلات العائلية والاستثمارات؛ فإعالة الأقارب ليست رأسمالا متاحا تلقائيا للمشاريع، ولا يجوز تحميل المهاجر مسؤولية تحويل كل مدخراته إلى مقاولة. نجاح السياسة يقاس بقدرتها على توفير اختيار آمن وطوعي لمن يرغب، مع إشراك الكفاءات العلمية والمهنية في البحث والتكوين والتصدير. وقد تكون الخبرة التي ينقلها مهندس أو طبيب أو باحث أعمق أثرا من مبلغ مالي عابر.
والمشكلة أن اختزال الجالية في مردودها المالي يضعف الصلة التي يراد تقويتها. فهؤلاء مواطنون متنوعون في أوضاعهم؛ بينهم المستثمر والعامل والمتقاعد والطالب، ولكل فئة حاجات تستحق الإصغاء. ومن حقهم أن يجدوا خدمات تحترم وقتهم، ومؤسسات تنصت إليهم، وفرصا للمشاركة. كما أن حقوقهم ثابتة بالمواطنة، مهما اختلفت قدرتهم على التحويل والاستثمار.
إن تخصيص محور واضح لمغاربة العالم، بخطة وميزانية ومواعيد ومساءلة، سيكون استثمارا في ثقة يحتاجها المغرب بقدر حاجته إلى العملات الأجنبية. والجهة الثالثة عشرة تنتظر أن ترى أبناءها شركاء في تحديد الأولويات وتنفيذها، وأن تجد خبراتهم طريقها إلى المؤسسات والمشاريع. ولتجاوز مفارقة «يخ منو وعيني فيه»، على الحكومة أن تفتح للمواطن الباب الذي تفتحه لتحويلاته، وأن تستقبل أفكاره بالاهتمام الذي تستقبل به أمواله.