صورة الكاتب محمد سالم البيهي
وجهة نظر

مباريات الأسلاك الأمنية بالصحراء المغربية: بين هواجس “التعجيز” والرهانات التنموية

تشكل مباريات التوظيف في أسلاك الأمن الوطني، الدرك الملكي، والقوات المسلحة الملكية، القوات المساعدة والوقاية المدنية الملاذ الأول لآلاف الشباب في الأقاليم الجنوبية للمملكة. ومع الإعلان السنوي عن حصة الأسد من المناصب المالية لهذه القطاعات في الميزانية العامة، يتجدد النقاش الساخن بخصوص “عتبات الانتقاء” والشروط البدنية، وسط تساؤلات متزايدة من الساكنة المحلية حول مدى مراعاة هذه الشروط لخصوصيات المنطقة ومبدأ تكافؤ الفرص في نيل “أبسط الرتب”.

1. المفارقة الرقمية: ميزانيات ضخمة وشروط “إقصائية”

تستقطب مؤسسات الجيش والشرطة والدرك، القوات المساعدة والوقاية المدنية النسبة الأكبر من التوظيفات العمومية سنويا بالجنوب. إلا أن الإشكال يكمن في سلك “السلاليم الدنيا” (حراس الأمن، والجنود، ورجال الدرك البساط). يرى الكثير من أبناء المنطقة أن فرض عتبات انتقاء مرتفعة (لوائح الـPrésélection) بناء على معدلات البكالوريا، أو الصرامة الحادة في الشروط الطبية والبدنية (كالطول وحدة البصر)، يتحول إلى معايير “تعجيزية” تحرم فئات واسعة من ولوج وظائف لا تتطلب كفاءة أكاديمية خارقة، بل تتطلب بالأساس الالتزام والجاهزية.

2. البعد السوسيو-اقتصادي: الوظيفة الأمنية كصمام أمان اجتماعي

في ظل محدودية بدائل التشغيل في القطاع الخاص بالأقاليم الصحراوية، واعتماد الاقتصاد المحلي بشكل كبير على الصيد البحري، الفلاحة المعيشية، أو الوظيفة العمومية، تعتبر “البدلة العسكرية أو الأمنية” الخيار الأكثر أمانا واستقرارا للشباب وعائلاتهم.

• الامتداد القبلي والأسري: إن قبول أو رفض شاب من قبيلة أو منطقة معينة في هذه الأسلاك لا يمس الفرد وحده، بل ينعكس على المحيط الأسري؛ فالوظيفة هنا هي أداة للحراك الاجتماعي وإعالة أسر ممتدة.

• مطلب “الحق في التباري”: لا يطالب شباب المنطقة بامتيازات تفضيلية خارج القانون، بل يطالبون بـ”حق التباري المباشر” عبر إلغاء عتبة المعدل للرتب البسيطة، وترك الحسم لاختبارات الكفاءة الميدانية والمقابلات الشفهية.

3. رقمنة المباريات وتحدي الثقة المحلية

انتقلت المديرية العامة للأمن الوطني ومصالح الدرك الملكي في السنوات الأخيرة إلى نظام الرقمنة الشاملة لطلبات الترشيح واعتماد البطاقة الوطنية كمعيار وحيد، وهو ما ساهم في تقليص “المحسوبية والوساطات التقليدية”. ومع ذلك، ما زالت “التمثلات الاجتماعية” والقصص الشفهية المتداولة بين الساكنة تشكك أحيانا في نزاهة الكواليس عند ظهور النتائج النهائية، مما يتطلب من هذه المؤسسات تعزيز التواصل الشفاف وإبراز نسب قبول أبناء المناطق الجنوبية لطمأنة الرأي العام المحلي.

إن إنجاح النموذج التنموي الجديد بالأقاليم الجنوبية يستدعي إعادة النظر في معايير ولوج الوظائف البسيطة بقطاعات الأمن والدفاع، القوات المساعدة والوقاية المدنية. تكييف هذه الشروط مع الواقع الاجتماعي والمستوى التعليمي العام بالمنطقة سيساهم في امتصاص بطالة الشباب، وتعزيز الاندماج السوسيو-اقتصادي، وتحويل هذه الميزانيات الضخمة إلى رافعة حقيقية للاستقرار والسلم الاجتماعي بالصحراء.