صورة الكاتب عبدالله الحسيني
منتدى العمق

الشعور بالوحدة رغم التواصل الدائم: أزمة العصر الصامتة

ادخل أي مقهى في الدار البيضاء أو فاس أو مراكش، وستلاحظ المشهد نفسه: مجموعة من الأصدقاء يجلسون حول طاولة واحدة، لكن كل واحد منهم غارق في هاتفه. يضحكون على رسالة وصلتهم من شخص غائب، بينما الشخص الجالس أمامهم يبقى بلا كلمة. هذا المشهد صار عاديا لدرجة أننا توقفنا عن ملاحظته.

نحن نعيش في الزمن الأكثر اتصالا في تاريخ البشرية. مجموعات واتساب لا تهدأ، إشعارات فيسبوك لا تتوقف، وفيديوهات تيك توك تمر أمام أعيننا بالعشرات كل دقيقة. ومع ذلك، يشتكي كثير من الناس، خصوصا الشباب، من شعور غريب بالوحدة. يتحدثون مع العالم كله، لكنهم لا يشعرون أن أحدا يسمعهم فعلا.

هذا التناقض ليس وليد الصدفة. فالتواصل عبر الشاشة شيء، والحضور الحقيقي شيء آخر تماما. حين كانت الأسرة المغربية تجتمع مساء كل يوم حول كأس الشاي، كان الحديث يمتد ساعات، وكانت المشاكل تُحل بالكلام المباشر، والفرح يُعاش بصوت مرتفع. اليوم، كثير من هذه السهرات تحول إلى صمت مشترك: الجميع حاضر بالجسد، غائب بالذهن، منشغل بما يحدث في هاتفه.

والمفارقة أن التطبيقات التي صُممت لتقرّب الناس أصبحت أحيانا سببا في إبعادهم. رسالة “كيف حالك” على واتساب حلّت محل الزيارة. تعليق بـ”حبيت” على صورة حلّ محل الاتصال الهاتفي. حتى العزاء والمباركة صارا يُرسلان أحيانا عبر رسالة جاهزة تُنسخ وتُلصق. الشكل موجود، لكن الروح غائبة.

وهناك جانب آخر مؤلم: الوحدة التي تولدها المقارنة. كل شخص يرى على هاتفه حياة الآخرين في أبهى صورها: سفراتيات، حفلات، نجاحات. ولا أحد ينشر يوما عاديا مليئا بالتعب أو الملل أو الحزن. فيشعر المتابع، دون أن يدري، أن حياته وحده ناقصة، وأن الجميع من حوله سعداء إلا هو. وهذا الشعور، رغم أنه مبني على صورة مزيفة في الغالب، يترك أثرا حقيقيا وثقيلا.

والأخطر أن هذا النوع من الوحدة صامت. لا يشبه وحدة الشخص المعزول الذي لا يكلمه أحد. هو وحده من يملك المئات من “الأصدقاء” على فيسبوك، ولا يملك واحدا يتصل به حين يمرّ بيوم صعب. وحده من يعيش وسط صخب رقمي دائم، لكنه حين يغلق الهاتف، لا يجد من حوله أحدا.

الحل ليس في ترك الهاتف أو مقاطعة التواصل الاجتماعي، فهذا غير واقعي ولا ضروري. الحل أبسط من ذلك: أن نعيد للقاء وزنه الحقيقي. أن نزور بدل أن نكتفي بالمتابعة. أن نتصل بدل أن نكتب رسالة قصيرة. أن نترك الهاتف جانبا حين نجلس مع من نحب، ولو لنصف ساعة فقط. تفاصيل صغيرة، لكنها كفيلة بأن تعيد لنا شيئا فقدناه دون أن ننتبه: الإحساس بأن هناك من يراك فعلا، لا من يرى صورتك فقط.