محمد حبيب
وجهة نظر

التعليم الأولي بالمغرب.. نحتاج ثورة في تربية الطفل لا سباقا نحو تعليمه!

ثمة سؤال ينبغي أن نطرحه بشجاعة ونحن نتحدث عن إصلاح المدرسة المغربية: هل نريد أن نعلم الطفل مبكرا، أم نريد أن نعلمه جيدا؟ وهل يكفي أن نفتح المزيد من أقسام التعليم الأولي لنطمئن إلى أننا نبني جيلا أكثر استعدادا للمستقبل؟

لقد أصبح التعليم الأولي أحد الأوراش الكبرى للإصلاح التربوي بالمغرب، وهو توجه يستحق التثمين بالنظر إلى أهميته في توسيع فرص التعلم والحد من الفوارق الاجتماعية. غير أن التحدي الحقيقي لم يعد مقتصرا على عدد المؤسسات والأطفال المسجلين، بل يتعلق أساسا بما يحدث داخل تلك الأقسام، وبمدى احترام الممارسات التربوية لطبيعة النمو النفسي والعقلي والاجتماعي للطفل.

وبحسب المعطيات التي أعلنتها وزارة التربية الوطنية بشأن الموسم الدراسي 2025-2026، بلغت نسبة التمدرس بالتعليم الأولي نحو 85 في المائة. ومع أهمية هذا التقدم الكمي، تظل جودة الخبرة التربوية والإنصاف في الولوج إليها من القضايا التي تستحق نقاشا عموميا مستمرا.

حين تتحول الطفولة إلى سباق نحو المدرسة

من الأخطاء التربوية التي ينبغي الحذر منها اختزال نجاح التعليم الأولي في قدرة الطفل على كتابة الحروف، أو حفظ الأرقام، أو ترديد الكلمات والجمل أمام الكبار.

ليس تعلم هذه المهارات في حد ذاته أمرا سلبيا، لكن المشكلة تبدأ حين تتحول إلى غاية تهيمن على تجربة الطفل، على حساب اللعب والحركة والاستكشاف والتفاعل الاجتماعي.

فالطفل في الرابعة أو الخامسة ليس تلميذا ابتدائيا صغير الحجم، بل يعيش مرحلة نمائية لها احتياجاتها النفسية والمعرفية الخاصة. إنه يتعلم حين يلعب، ويكتشف حين يتحرك، ويطور لغته حين يتحاور، ويبني ثقته بنفسه حين ينجح في تجربة بسيطة، ويتعلم تنظيم انفعالاته حين يجد راشدا يساعده على فهم مشاعره والتعبير عنها.

ولهذا، فإن تحويل التعليم الأولي إلى نسخة مصغرة من التعليم الابتدائي قد يجعلنا نختزل مرحلة غنية من النمو الإنساني في سلسلة من التمارين والإنجازات المدرسية المبكرة.

نريد طفلا يفكر، لا طفلا يحفظ فقط

لا تقاس جودة التعليم الأولي بعدد الأوراق التي يملؤها الطفل، ولا بحجم الواجبات التي يحملها إلى المنزل.

فمن منظور علم النفس النمائي، تتطلب هذه المرحلة الاهتمام باللغة والتفاعل الاجتماعي والاستقلالية والمرونة في التفكير والقدرة على الانتباه وتنظيم السلوك والانفعالات.

والتعلم الجيد لا يعني الاختيار بين المعرفة واللعب، بل حسن الجمع بينهما داخل أنشطة تربوية هادفة تحترم إيقاع نمو الأطفال واختلاف قدراتهم.

إن الطفل الذي يتعلم طرح الأسئلة، والتعاون مع أقرانه، والتعبير عن احتياجاته، ومواجهة الصعوبات البسيطة، يكتسب موارد نمائية لا تقل أهمية عن تعرفه المبكر على الحروف والأرقام.

وهنا ينبغي أن نراجع بعض تمثلاتنا الاجتماعية للنجاح المدرسي، خاصة حين يصبح الطفل الذي يقرأ مبكرا موضع إعجاب، بينما لا يحظى الطفل الذي يمتلك فضولا كبيرا أو قدرة على الإبداع والتواصل بالتقدير نفسه.

المربي ليس حارسا للقسم، بل فاعل أساسي في بناء شخصية الطفل

لا يمكن الحديث عن إصلاح جاد للتعليم الأولي دون إعادة الاعتبار لمربياته ومربيه.

فالتعامل التربوي مع طفل في الرابعة من عمره يتطلب كفايات متخصصة في علم نفس النمو، والتواصل، وتدبير السلوك، والتربية الدامجة، والملاحظة النمائية، والتفاعل الإيجابي.

ولذلك، فإن التكوين المستمر وحده لا يكفي إن لم يواكبه تأهيل مهني متين، وتحسين لظروف الممارسة، وتوفير موارد بيداغوجية مناسبة، وإشراف تربوي داعم.

كما أن جودة العلاقة بين الطفل ومربيه ليست تفصيلا ثانويا. فالطفل الذي يشعر بالأمان والاحترام داخل القسم يكون في وضع أفضل للانخراط في أنشطة التعلم، بينما قد تؤثر الممارسات القائمة على التخويف أو الإهانة أو الضغط المفرط سلبا في علاقته بالمدرسة.

ومن غير المنصف أن نطالب المربي بتحقيق أهداف تربوية معقدة دون أن نوفر له شروط العمل والتأهيل الضرورية.

الأسرة أيضا مطالبة بمراجعة نظرتها للتعليم الأولي

لا تتحمل المؤسسة التربوية وحدها مسؤولية بعض الاختلالات. فهناك آباء وأمهات يربطون جودة التعليم الأولي بكمية الحروف والأرقام التي يتقنها الطفل، أو بعدد الدفاتر والأنشطة المنجزة.

وقد يؤدي هذا التصور، دون قصد، إلى تشجيع الممارسات التي تفضل الإنجاز المدرسي السريع على التعلم المتدرج والمناسب للعمر.

إن الأسرة شريك أساسي في التربية، لكنها تحتاج بدورها إلى مواكبة تساعدها على فهم احتياجات الطفل النمائية، وأهمية اللعب والنوم والحركة والتواصل العاطفي، وتجنب المقارنات المستمرة بين الأطفال.

فليس كل طفل يتأخر نسبيا في اكتساب مهارة معينة يعاني اضطرابا نمائيا، كما أن التقدم المبكر في مهارة محددة لا يعني بالضرورة تفوقا شاملا في بقية مجالات النمو.

أي ثورة تربوية نحتاج؟

إن ما يحتاجه المغرب، في تقديري، ليس مجرد مراجعة للبرامج أو إضافة أنشطة جديدة إلى جداول الزمن المدرسي، بل تحول في الفلسفة التي تؤطر التعليم الأولي.

تحول يجعل الطفل مركز العملية التربوية، ويمنح اللعب والاستكشاف والتعبير الفني والحركي مكانتها، ويعزز التأهيل المتخصص للمربين، ويجعل جودة التفاعل داخل القسم معيارا أساسيا للتقييم.

كما يقتضي هذا التحول تطوير آليات علمية لتتبع النمو، وتوفير شروط الإدماج للأطفال في وضعية إعاقة، وتقليص الفوارق بين المؤسسات والمجالات الترابية، وبناء شراكة فعلية مع الأسر.

ولعل المدخل العملي لذلك هو تجريب نماذج تربوية مغربية قائمة على معارف علم نفس النمو والتربية، وإخضاعها لتقييم مستقل قبل تعميم الممارسات التي تثبت فعاليتها.

فالإصلاح الحقيقي لا يقاس فقط بما نعلنه من طموحات، وإنما بما نستطيع إثباته من تحسن في خبرات الأطفال وفرص نموهم وتعلمهم.

الطفولة ليست مرحلة ينبغي اختصارها

نحن لا نحتاج إلى أطفال يدخلون المدرسة وهم يحملون أكبر قدر من المعلومات، بقدر ما نحتاج إلى أطفال يدخلونها وهم يحتفظون بفضولهم، وثقتهم بأنفسهم، ورغبتهم في الاكتشاف والتعلم.

إن الرهان على التعليم الأولي ليس رهانا على سنتين تسبقان المدرسة الابتدائية فحسب، بل هو رهان على علاقة الإنسان المغربي بالتعلم منذ سنواته الأولى.

وإذا كنا نريد إصلاحا تربويا عميقا، فعلينا أن نبدأ بتغيير السؤال: بدلا من أن نسأل عما يجب أن يعرفه الطفل قبل دخوله المدرسة، ينبغي أن نسأل عما يجب أن توفره المدرسة لكي ينمو الطفل ويتعلم في أفضل الظروف الممكنة.

فالثورة الحقيقية في التعليم الأولي ليست أن نجعل الطفل يسبق عمره، بل أن نجعل التربية تحترم عمره.