الأمن الغذائي أم السيادة الغذائية؟ سؤال المفهوم والتنمية
وجهة نظر

الأمن الغذائي أم السيادة الغذائية؟ سؤال المفهوم والتنمية

بوصفي أستاذًا مهتمًا بالشأن البيداغوجي ، أجدني معنيًا بدقة المفاهيم ووضوح المصطلحات ، باعتبارهما مدخلًا أساسيًا لبناء الفهم السليم، وتجويد النقاش العمومي، وتفادي الخلط بين المفاهيم المتقاربة في اللفظ والمتباينة في الدلالة . ومن هذا المنطلق، استوقفني إدراج مصطلح «السيادة الغذائية» ضمن التسمية الجديدة لوزارة الفلاحة، فكان أول ما بادرت إلى الاستفسار عنه هو المقصود بهذا المفهوم، وما يميزه عن مفهوم «الأمن الغذائي»، وما إذا كانت الإضافة تعكس توجهًا جديدًا في الرؤية والسياسة أم تستدعي، قبل كل شيء، توضيحًا مفاهيميًا يرفع الالتباس ويؤسس لنقاش رصين. ولأن المفاهيم ليست مجرد كلمات تُضاف إلى أسماء المؤسسات، بل مفاتيح لفهم السياسات والاختيارات والغايات، ارتأيت الإسهام بهذا المقال لتقريب دلالات المفهومين من القارئ، واستجلاء أوجه التقاطع والاختلاف بينهما. فالأمن الغذائي ينصرف أساسًا إلى ضمان توافر الغذاء وإمكانية الوصول إليه، بينما تثير السيادة الغذائية أسئلة أعمق تتعلق بمن يمتلك قرار الإنتاج، ومن يتحكم في الأرض والماء والبذور، ومن يحدد الأولويات الزراعية والغذائية.

وبين أمنٍ يضمن القوت، وسيادةٍ تستحضر القرار، تبرز ضرورة التمييز بين المفهومين، لا من باب الجدل الاصطلاحي، بل من باب الفهم والتوضيح؛ ذلك أن سلامة المفاهيم شرط لسلامة النقاش، ووضوح المصطلحات مدخل إلى مساءلة السياسات، وربط الشعارات بمضامينها العملية وآثارها على المجتمع والفلاحين والمستهلكين.

من توفير الغذاء إلى امتلاك القرار

لم يعد النقاش حول الغذاء محصورًا في حجم الإنتاج الزراعي أو أسعار المواد الأساسية أو قدرة الأسواق على تلبية حاجات السكان؛ بل أصبح يرتبط بأسئلة أعمق تتعلق بالاستقلال الاقتصادي، والعدالة الاجتماعية، والتحكم في الموارد الطبيعية، وموقع الفلاحين داخل السياسات العمومية. ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين مفهومي الأمن الغذائي والسيادة الغذائية، باعتبارهما مدخلين مختلفين، وإن كانا متكاملين، لفهم تحديات النظام الغذائي المغربي.

فالأمن الغذائي يعني ضمان حصول جميع المواطنين، في كل الأوقات، على غذاء كافٍ وآمن ومغذٍّ، بما يستجيب لحاجاتهم الغذائية. أما السيادة الغذائية فتتجاوز مسألة توفير الغذاء إلى حق الشعوب في تحديد سياساتها الزراعية والغذائية، واختيار أنماط الإنتاج والتوزيع والاستهلاك التي تستجيب لحاجاتها وإمكاناتها وخصوصياتها البيئية والاجتماعية.

وعليه، فإن السؤال لم يعد فقط: هل نملك ما يكفي من الغذاء؟ بل أصبح أيضًا: من يحدد ما ننتجه؟ ولمن ننتج؟ وكيف نوزع الموارد والعائدات؟ وإلى أي حد تستطيع الدولة والمجتمع حماية اختياراتهما الغذائية من تقلبات الأسواق وضغوط المصالح الاقتصادية؟

الأمن الغذائي: ضرورة اجتماعية لا غنى عنها

يحتل الأمن الغذائي مكانة مركزية في السياسات العمومية، لأنه يرتبط مباشرة بالحق في الغذاء، ومحاربة الفقر، وحماية القدرة الشرائية، وضمان الاستقرار الاجتماعي. ولا يتحقق بمجرد وجود المواد الغذائية في الأسواق، بل يتطلب توافرها، وإمكانية الوصول إليها ماديًا واقتصاديًا، والاستفادة منها غذائيًا، وضمان استمرارية الحصول عليها.

ومن هذا المنطلق، يمكن لبلد أن يحسن أمنه الغذائي من خلال تطوير إنتاجه المحلي، وتنويع مصادر الاستيراد، وبناء المخزونات الاستراتيجية، ودعم الفئات الهشة، وضمان انتظام سلاسل التوزيع. فالاستيراد ليس في حد ذاته دليلًا على الفشل، كما أن الإنتاج المحلي لا يضمن وحده حصول الجميع على الغذاء، خصوصًا عندما تكون القدرة الشرائية ضعيفة أو تختل آليات التوزيع.

لكن المقاربة التي تحصر الأمن الغذائي في ضمان الإمدادات قد تظل محدودة إذا لم تطرح أسئلة مصدر الغذاء، وكلفة إنتاجه، وشروط التجارة التي تحكمه، ومدى قدرة البلاد على مواجهة الأزمات الدولية. فقد تتوافر المواد الأساسية في الأسواق في مرحلة معينة، بينما يظل النظام الغذائي معرضًا للهشاشة بسبب الاعتماد المفرط على الخارج أو ضعف الإنتاج المحلي أو تراجع الموارد الطبيعية.

السيادة الغذائية: البعد السياسي والاقتصادي للغذاء

برز مفهوم السيادة الغذائية بقوة مع حركات الفلاحين، خصوصًا حركة «لا فيا كامبيسينا» (حركة فلاحية دولية تأسست سنة1993 بمدينة مؤنس ببلجيكا ، طرحت المفهوم للنقاش في قمة الغذاء العالمية بروما 1996)، التي جعلت منه إطارًا للدفاع عن حقوق المنتجين الصغار، والتحكم في الأرض والماء والبذور، ومقاومة هيمنة الشركات الكبرى على سلاسل الغذاء.

ولا تعني السيادة الغذائية الانغلاق الاقتصادي أو رفض الاستيراد أو السعي إلى إنتاج كل المواد محليًا مهما كانت الكلفة. إنها تعني، أساسًا، امتلاك القدرة على تحديد الأولويات الغذائية والزراعية وفق المصلحة العامة، بدل إخضاعها بصورة مطلقة لمنطق الربح السريع أو تقلبات الأسواق الدولية.

ومن منظور السيادة الغذائية، لا يكفي أن تنتج الضيعات الكبرى كميات مرتفعة من المحاصيل إذا كان ذلك يتم على حساب الموارد المائية أو التنوع الزراعي أو استقرار الفلاحين الصغار. كما لا يكفي أن تحقق الصادرات الزراعية عائدات مالية مهمة إذا لم تنعكس بصورة عادلة على التنمية المحلية، وفرص الشغل، والأمن الغذائي للأسر.

وهكذا تتحول السيادة الغذائية إلى سؤال عن توزيع السلطة داخل النظام الغذائي: من يملك الأرض؟ ومن يتحكم في المياه والبذور؟ ومن يحدد المحاصيل المدعومة؟ ومن يستفيد من الدعم العمومي؟ إنها، بهذا المعنى، قضية تنموية وديمقراطية واقتصادية، وليست مجرد شعار زراعي.

المغرب بين الاستيراد والإنتاج المحلي

تكتسي هذه الإشكالية أهمية خاصة في المغرب، حيث تتقاطع تقلبات التساقطات المطرية، وتزايد الضغط على الموارد المائية، وتفاوت أوضاع الاستغلاليات الفلاحية، والحاجة إلى تأمين إمدادات بعض المواد الأساسية.

ويكشف الاعتماد على استيراد الحبوب، في السنوات التي يتراجع فيها الإنتاج المحلي، عن ضرورة تنويع مصادر التموين وبناء مخزونات قادرة على مواجهة الصدمات. لكنه يطرح، في الوقت نفسه، سؤال القدرة على تقليص مواطن الهشاشة الخارجية دون استنزاف الموارد الطبيعية أو تحميل الاقتصاد كلفة لا يستطيع تحملها. كما أن تقييم السياسات الزراعية لا ينبغي أن يقتصر على حجم الاستثمار أو مردودية الإنتاج أو قيمة الصادرات. بل يجب أن يشمل أيضًا أثرها على الأمن الغذائي للأسر، ودخل الفلاحين، وتوزيع الدعم، واستدامة المياه والتربة، ومدى ملاءمة المحاصيل المزروعة للحاجات الغذائية الوطنية.

فليس من المنطقي أن تتحول السيادة الغذائية إلى دعوة لإنتاج كل شيء محليًا، بصرف النظر عن الكلفة المائية والاقتصادية، كما لا ينبغي أن يتحول الأمن الغذائي إلى مبرر دائم لتوسيع التبعية للأسواق الخارجية. المطلوب هو بناء توازن عقلاني بين الإنتاج المحلي والتجارة، مع إعطاء الأولوية للغذاء الأساسي، وحماية الموارد، وتقوية قدرات المنتجين المحليين.

الفلاح الصغير والماء والعدالة الغذائية

لا يمكن بناء سيادة غذائية فعلية دون إعادة الاعتبار إلى الفلاح الصغير والمتوسط، باعتباره فاعلًا اقتصاديًا واجتماعيًا، لا مجرد مستفيد محتمل من برامج الدعم. ويقتضي ذلك تحسين الولوج إلى الأرض والماء والتمويل والتأطير التقني، وتطوير التعاونيات، وتقوية إمكانات التخزين والتسويق، والحد من اختلال موازين القوة بين المنتجين والوسطاء.

ويكتسب الماء أهمية حاسمة في هذا السياق. فالسيادة الغذائية لا تتحقق عبر توسيع الإنتاج بأي ثمن، وإنما من خلال اختيار أنماط زراعية تتلاءم مع الموارد المائية المتاحة، وتطوير تقنيات الاقتصاد في الماء، وحماية الفرشات المائية، ومراجعة الخيارات التي قد تجعل المردودية التجارية الآنية مقدمة على الاستدامة.

وتبقى العدالة الغذائية عنصرًا أساسيًا كذلك ؛ إذ لا معنى لنظام غذائي قادر على الإنتاج والتصدير إذا ظلت فئات من المجتمع عاجزة عن الحصول على غذاء متنوع وصحي. لذلك ينبغي أن تتكامل السياسات الزراعية مع سياسات اجتماعية تحمي القدرة الشرائية، وتضمن عدالة الولوج إلى الغذاء، وتدعم الأسواق المحلية، وتقلص الفجوة بين المنتج والمستهلك.

نحو سياسة غذائية تجمع الأمن والسيادة

إن الاختيار بين الأمن الغذائي والسيادة الغذائية ليس بالضرورة اختيارًا بين مفهومين متعارضين. فالأمن الغذائي يحدد الغاية الأساسية المتمثلة في ضمان الغذاء للجميع، بينما تساعد السيادة الغذائية على مساءلة الشروط الاقتصادية والسياسية والبيئية التي يتحقق من خلالها هذا الهدف.

ويحتاج المغرب إلى سياسة غذائية متكاملة تقوم على تنويع مصادر التموين، وتقوية الإنتاج المحلي حيث يكون مجديًا ومستدامًا، وتطوير المخزونات الاستراتيجية، ودعم الفلاحين الصغار، وحماية الموارد المائية، وتحسين حكامة الدعم العمومي، وربط الاستثمار الزراعي بأولويات التنمية الوطنية. كما يتطلب الأمر إشراك الفلاحين والتعاونيات والمستهلكين والباحثين والجماعات الترابية في النقاش حول الاختيارات الغذائية، بدل اختزال القرار في المؤشرات التقنية أو الحسابات التجارية. فالغذاء قضية تتصل بالصحة والكرامة والعمل والبيئة والاستقرار الاجتماعي، ولا يمكن ترك مستقبلها لمنطق السوق وحده.

في المحصلة، لا تقاس قوة السياسة الغذائية فقط بقدرتها على توفير الغذاء في الوقت الراهن، بل أيضًا بقدرتها على ضمان استمرارية هذا الحق في المستقبل، دون استنزاف الموارد أو إضعاف المنتجين أو الارتهان المفرط للخارج. لذلك، فإن الرهان الحقيقي أمام المغرب هو الجمع بين أمن غذائي يضمن الحق في الغذاء، وسيادة غذائية تعزز القدرة على الاختيار والتحكم في شروط إنتاجه. فالغذاء ليس سلعة فحسب؛ إنه أيضًا حق اجتماعي، وموضوع للسياسة العمومية، وأحد مرتكزات الاستقلال التنموي .

(*) أستاذ مهتم بالشأن البيداغوجي – مديرية المضيق الفنيدق