تعتزم حكومة فاطمة الزهراء المنصوري رفع الحد الأدنى للمعاشات الرئيسية إلى 3000 درهم شهريا في مختلف أنظمة التقاعد، وتمكين الأرامل من معاش كامل يعادل 100 في المائة من المعاش الرئيسي المستحق للزوج المتوفى، عوض 50 في المائة المعمول بها حاليا، وذلك في إطار إصلاح هيكلي لمنظومة التقاعد وتوسيع الحماية الاجتماعية لتشمل الفئات التي لا تتوفر على معاشات كافية.
وأبرز البرنامج الحكومي، ضمن محور استكمال الحماية من مخاطر الشيخوخة وفقدان الشغل وضمان معاش يصون الكرامة، أن إصلاح التقاعد يشكل أحد الأوراش الاجتماعية والهيكلية الأساسية، بالنظر إلى ارتباطه بضمان دخل يحفظ كرامة المواطنين بعد انتهاء مسارهم المهني، وتحقيق العدالة بين الفئات والأجيال، إلى جانب تعزيز الاستقرار المالي لأنظمة التقاعد وتعبئة الادخار طويل الأمد لتمويل الاقتصاد الوطني.
وسجل البرنامج أن أنظمة التقاعد بالمغرب تشكلت عبر مسارات تاريخية ومهنية متباينة، دون أن تنتظم في منظومة منسجمة تستند إلى قواعد مشتركة في التمويل واحتساب الحقوق والحكامة، وهو ما أفرز تفاوتات بين المنخرطين في نسب الاشتراك وسن التقاعد ومردودية المساهمات ومعدلات التعويض وقواعد إعادة تقييم المعاشات، فضلا عن محدودية إمكانية نقل الحقوق عند الانتقال بين القطاعين العام والخاص أو بين أوضاع مهنية مختلفة.
وأشار المصدر ذاته إلى أن التغطية بالتقاعد لا تزال دون نصف السكان النشيطين المشتغلين، ما يترك شرائح واسعة، خصوصا العاملين لحسابهم الخاص والعاملين في الاقتصاد غير المنظم، معرضة لفقدان الدخل عند بلوغ سن الشيخوخة.
كما نبه إلى الضغوط المالية المتزايدة التي تواجهها عدة أنظمة، بفعل التحولات الديمغرافية وتباطؤ نمو عدد المنخرطين مقارنة بعدد المستفيدين، وعدم ملاءمة بعض قواعد التمويل مع الالتزامات المتراكمة، معتبرا أن الإصلاح المقياسي الذي عرفه نظام المعاشات المدنية سنة 2016 أتاح هامشا زمنيا إضافيا، لكنه لم يعالج الاختلالات الهيكلية، فيما يشكل أفق سنة 2031 موعدا ضاغطا يفرض الانتقال إلى إصلاح شامل للمنظومة.
إصلاح شامل يتجاوز رفع سن التقاعد
وشدد البرنامج الحكومي على أن إصلاح التقاعد لا يمكن اختزاله في تعديل سن الإحالة على التقاعد أو نسب الاشتراك وطريقة احتساب المعاش، بل يتطلب إعادة بناء منظومة متماسكة توسع الحماية لتشمل الأشخاص الذين لا يتوفرون على معاشات، وتقرب الحقوق والواجبات بين الأنظمة، وتضمن كفاية المعاشات واستدامة تمويلها، مع الحفاظ على الحقوق المكتسبة وعدم تحميل فئة واحدة كلفة الاختلالات المتراكمة.
وفي هذا الإطار، تعتزم الحكومة جعل الإصلاح ورشا اجتماعيا وهيكليا متكاملا، يؤطره الحوار الاجتماعي وتضبطه أهداف ومراحل للتنزيل وتمويلات محددة، مع العمل على توسيع قاعدة المنخرطين، من خلال تبسيط انخراط العاملين غير الأجراء، واعتماد صيغ أداء مرنة تراعي تقلبات مداخيلهم، وتحسين تحصيل الاشتراكات، وربط قواعد البيانات الاجتماعية والضريبية والمهنية، وتشجيع الانتقال من النشاط غير المنظم إلى العمل المصرح به.
وبخصوص الأشخاص المسنين الذين لم يتمكنوا من تكوين حقوق اشتراك كافية، ينص البرنامج على استكمال حمايتهم من خلال دخل تضامني للشيخوخة يندرج ضمن منظومة الدعم الاجتماعي المباشر ويستهدف الدخل الفعلي، مع الفصل بين نظام التقاعد القائم على المساهمات والسياسة الاجتماعية القائمة على التضامن الوطني، بما يضمن شفافية تمويل الحماية الاجتماعية دون تحميل صناديق التقاعد أعباء إضافية غير واضحة.
رفع تدريجي للحد الأدنى للمعاشات
وفي ما يتعلق بتحسين القدرة الشرائية للمتقاعدين، التزمت الحكومة بالرفع التدريجي للحد الأدنى للمعاشات الرئيسية إلى 3000 درهم شهريا في مختلف الأنظمة، وفق برمجة زمنية وتمويلية واضحة.
كما تعتزم اعتماد مراجعة دورية للحد الأدنى والمعاشات الدنيا، بهدف الحد من تآكل قيمتها بفعل ارتفاع كلفة المعيشة، مع الحرص على توفير التمويل اللازم لهذه الزيادات بما يحافظ على استدامة أنظمة التقاعد.
ويمتد الإصلاح، وفق البرنامج الحكومي، إلى معاشات ذوي الحقوق، من خلال تمكين الأرملة من معاش كامل يعادل 100 في المائة من المعاش الرئيسي المستحق للزوج المتوفى، بدلا من 50 في المائة، مع صون حقوق الأيتام وباقي ذوي الحقوق ووضع قواعد عادلة لتوزيع المعاش عند تعدد المستفيدين.
واعتبر البرنامج أن حماية الأسرة بعد وفاة صاحب المعاش تقتضي مراعاة استمرار حاجياتها الأساسية، من سكن وعلاج ومعيش يومي، حتى لا تتحول الوفاة إلى سبب مباشر لانزلاقها نحو الفقر أو الارتهان للمساعدة الاجتماعية.
ضمان الحقوق المكتسبة وتعزيز الشفافية
وأكدت الحكومة أن تنزيل إصلاح التقاعد سيخضع لقواعد انتقالية دقيقة، تحافظ على المعاشات التي يجري صرفها وعلى الحقوق المكتسبة قبل دخول الإصلاح حيز التنفيذ، مع تحديد كيفية احتساب الحقوق السابقة واللاحقة بالنسبة للمنخرطين الحاليين.
كما ينص البرنامج على عرض الآثار المالية والاجتماعية لمختلف سيناريوهات الإصلاح على الحوار الاجتماعي قبل اعتمادها، بما يتيح بناء توافق بشأن توزيع الجهد ومدى الإصلاح.
وفي سياق تعزيز الحكامة والشفافية، تعتزم الحكومة توحيد المرجعية الإحصائية والاكتوارية، ونشر تقرير سنوي حول وضعية كل نظام، وإتاحة حساب تقاعدي رقمي لكل منخرط يوضح مدة اشتراكه والحقوق المتراكمة والتقدير الاستشرافي لمعاشه.
ويتضمن التوجه ذاته تعزيز تمثيلية المنخرطين والمتقاعدين والمشغلين داخل أجهزة الحكامة، وترسيخ مساءلة المسيرين عن الأداء والعائد والمخاطر وجودة الخدمات المقدمة للمستفيدين.
مراجعة التعويض عن فقدان الشغل
ولم يقتصر البرنامج الحكومي على إصلاح أنظمة التقاعد، بل ربط هذا الورش بتطوير التعويض عن فقدان الشغل، حتى لا يؤدي الانقطاع عن العمل إلى السقوط الفوري في الهشاشة أو إلى توقف مسار اكتساب الحقوق التقاعدية.
وفي هذا الصدد، تعتزم الحكومة مراجعة شروط الاستفادة من التعويض بهدف توسيع التغطية، مع الحفاظ على الطابع التأميني لهذه الآلية، وربط الاستفادة بالتسجيل الفعلي في خدمات الوساطة والتكوين وإعادة التأهيل والعودة السريعة إلى سوق الشغل.
كما ستدرس إحداث آلية تتيح استمرار اكتساب حد أدنى من الحقوق الاجتماعية خلال فترة التوقف عن العمل، ضمن سقف زمني وتمويل مضبوطين، بما يجعل الحماية من فقدان الشغل جسرا للعودة إلى النشاط المنتج، بدلا من التحول إلى وضعية إقصاء دائمة من سوق العمل.
وخلص البرنامج الحكومي إلى أن إصلاح التقاعد يستهدف إرساء منظومة تضمن لكل مواطن حقا واضحا وقابلا للتحقق في معاش لائق، وتوزع كلفة الحماية بعدالة بين الأجيال والفئات، وتؤمن استمرارية الأنظمة على المدى البعيد، مع جعل توسيع التغطية وتحسين مستوى المعاشات وحماية الأرامل وتعزيز الشفافية من أبرز الالتزامات المطروحة في هذا الورش.