في التاسعة إلا ربعا من صباح خريفي، كان المطر يضرب زجاج الفصل، وتتساقط قطراته من أوراق النخل في بركة صغيرة عند الجذع. امتد ضوء شاحب على المقاعد القريبة من النافذة، وبقي آخر الصف في الظل. على السبورة آثار من درس الأمس، وتحتها ممحاة مبتلة وضعها أحد التلاميذ لتجف. واختلطت رائحة المعاطف الرطبة برائحة النعناع من كأس الأستاذ.
وقف الأستاذ منصور بمحاذاة مكتبه؛ طويل القامة، ضيق الكتفين، له شارب قصير تتخلله شعيرات بيض، ونظارة تنزلق كلما انحنى إلى دفتر. سوى ربطة عنقه، ومسح طرف حذائه بحذائه الآخر، ثم تفقد أزرار سترته. وكان شديد الضيق بكل ما يختل في مظهره، سريع الانتباه إلى عوج صغير في ياقته، ولو لم يره سواه.
وفي المقعد الثاني جلس أنيس، مستدير الوجه، وردي الخدين، قد فرق شعره بعناية، وأدخل أطراف قميصه في سرواله. أمامه قلم باهظ الثمن، وممحاة لم تستعمل، ومسطرة يضعها تحت العنوان لئلا يميل. وكانت له عناية بحسن الخط، يرضى بها عن نفسه، ويستغني بما يراه من جمال كتابته عن مراجعة ما كتب.
أعلن الأستاذ امتحان الإملا، عفوا، الإملاء، فسكنت الحركة، ولم يبق إلا احتكاك الأقلام، وصرير كرسي كلما تحرك صاحبه. أملى ببطء: «في المساء صفاء، وفي الرجاء عزاء». فكتب أنيس: «في المسا صفا، وفي الرجا عزا»، ثم نفخ على الحبر، ورفع الورقة قليلا، وأعادها وقد أعجبه انتظام السطر.
توقف الأستاذ عند مقعده، وانحنى يقرأ. أبعد ربطة عنقه عن الدفتر، ووضع إصبعه عند أول همزة ناقصة.
«أين الهمزات؟»
نظر أنيس إلى الكلمة، ثم رفع عينيه إلى الأستاذ وقال: «لكنكم قرأتموها يا أستاذ، ولم تسألوني عما أقصد. فكيف جاز لكم أن تفهموها ناقصة، ولم يجز لي أن أكتبها كذلك؟»
رفع الأستاذ أحد حاجبيه، وانتظر. تابع أنيس: «أنا أهتم بأوائل الكلمات، ولا أعير اهتماما لمؤخرتها. أصل إلى آخر الكلمة وقد فهمتموها؛ فما حاجتكم إلى ما يأتي بعد الفهم؟ ثم إن الهمزة كثيرة المطالب: تارة على ألف، وتارة على واو، وتارة وحدها على السطر. لا أعرف أين أضعها، فأترك لها حرية الاختيار».
ضحك تلميذ في المقعد الخلفي، ووضع كفه على فمه حين التفت الأستاذ. أما أنيس فاسترسل، وقد شجعه الضحك: «الماء يروي ولو كتبناه الما، والدواء يشفي ولو كتبناه الدوا، والغذاء يشبع ولو اختصرناه إلى الغذا. أتظن المعدة ترفض وجبتها لأن الطباخ نسي همزة؟ إنكم تحملون اللغة ما لا تحتمله الأمعا!»
قال الأستاذ: «الأمعاء».
«عفوا، الأمعاء. أرأيتم؟ عرفتموها قبل أن أصححها!»
سأله الأستاذ: «وأين القاموس الذي طلبته منكم؟»
قال أنيس: «أستعين بالهاتف يا أستاذ، غير أن بيننا خلافا في الهمزة؛ يثبتها فأحذفها، ويعيدها فأمحوها. وقد طال الجدال بيننا، حتى عطلت التصحيح، فاستراحت الكلمة على الخطأ، واسترحنا نحن من الخلاف».
قال الأستاذ: «هاتفك أحسن منك إملاء».
فقال أنيس: «ومع ذلك لا يدخل الامتحان. أليس ظلما أن يعرف الجواب، وأحاسب على جهلي به؟»
ثم نظر إلى زملائه، ينتظر أن يضحكوا، وقد راقه جوابه أكثر مما عنته المسألة.
مد زميله إصبعه إلى آخر السطر، وهمس: «هنا مكانها».
غطى أنيس الكلمة بيده، وقال: «دعها الآن؛ لقد كنا، قبل أن تضع إصبعك، متفقين على معناها».
وأخذ يراجع الصفحة، فعثر على همزة كتبها سهوا، فمحاها، ثم نظف الورق من فتات الممحاة، وأغلق قلمه مطمئنا.
جمع الأستاذ الأوراق، وعاد إلى مكتبه. بدأ التصحيح متأنيا؛ يضع خطا تحت الكلمة، ويثبت الهمزة الناقصة، ويخصم نصف نقطة. ثم تتابعت الأوراق، وتكررت العبارة نفسها حتى حفظها. وأخذ يرددها في سره، فتسبق قراءته عينيه؛ يقول «المساء» وإن كان أمامه «المسا»، وينطق «الرجاء» تامة، ولا ينتبه إلى ما نقص منها.
وحين بلغ ورقة أنيس، أعجبه حسن الخط وانتظام السطور. مر على الكلمات، وهز رأسه راضيا، ثم كتب: عشرون من عشرين.
تسلم أنيس ورقته، وبسطها أمام زميله. نظر الزميل إلى العلامة، ثم إلى الكلمات، وأخرج ورقته يقارنهما. كان الأستاذ قد خصم منه نصف نقطة لنسيان همزة واحدة، أما أنيس فلم يكتب واحدة.
رفع الورقتين وقال: «يا أستاذ، أتنقص الدرجة إذا غابت همزة، وتكتمل إذا غابت الهمزات كلها؟»
استرد الأستاذ الورقة، وأخذ يقرأها كلمة كلمة. وكان أنيس يتابع إصبعه؛ كلما توقف عند فراغ، نظر إلى العشرين في أعلى الصفحة.
قال منصور أخيرا: «كنت أقرأ من حفظي، فأتم ما نقص دون أن أشعر».
تهلل وجه أنيس: «إذن امتحنتم حفظكم، وكتبتم اسمي!»
ضحك التلاميذ، وابتسم الأستاذ رغما عنه. ثم تناول القلم الأحمر، فبادره أنيس: «انتظروا يا أستاذ؛ لعل في الأمر وجها آخر».
«وأي وجه بقي؟»
«أنتم تقولون دائما: من عرف خطأه فقد قطع نصف الطريق إلى الصواب».
«نعم».
«وقد عرفتم خطأكم. أفلا نكتفي بهذا القدر اليوم؟»
ظل القلم معلقا فوق الورقة لحظة. ثم وضعه الأستاذ، وشرع يجمع دفاتره. أما أنيس فاسترد ورقته في تؤدة، وطواها والعلامة إلى الداخل. ولم يطلع عليها أحدا بقية اليوم؛ فقد راجعت عينان همزاته، ولم يكن يريد للعشرين عينا ثالثة.