“من الحظر إلى الحزم”.. الصديقي يكشف كيف أصبحت قضية الصحراء شرطا للشراكة الدولية مع المغرب؟
سياسة

“من الحظر إلى الحزم”.. الصديقي يكشف كيف أصبحت قضية الصحراء شرطا للشراكة الدولية مع المغرب؟

أكد سعيد الصديقي، أستاذ العلاقات الدولية والقانون الدولي بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، أن المغرب يتجه نحو إعادة صياغة تموضعه الاستراتيجي في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي، من خلال تنويع شراكاته الخارجية وتوسيع انخراطه الإقليمي، مع الحفاظ على علاقاته التقليدية مع القوى الغربية.

وأوضح الصديقي، في دراسة أكاديمية نشرها المعهد المغربي لتحليل السياسات، أن صعود قوى دولية جديدة، وفي مقدمتها الصين، وتنامي التنافس الجيوسياسي، والتراجع النسبي للهيمنة الأمريكية، أتاح للمغرب فرصا جديدة لتعزيز حضوره الدولي وتوسيع هامش تحركه الدبلوماسي، لكنه وضعه في المقابل أمام تحديات ومخاطر تتطلب تدبيرا حذرا للعلاقات مع القوى المتنافسة.

وتحمل الدراسة عنوان «التموضع الاستراتيجي للمغرب: كيف تتكيف قوة متوسطة مع عالم متغير»، وتبحث في كيفية توظيف الرباط للتحولات الدولية من أجل حماية مصالحها الوطنية وتعزيز مكانتها الإقليمية والدولية، دون الدخول في مواجهة مع النظامين الإقليمي والدولي القائمين أو التخلي عن تحالفاتها التقليدية.

من الارتباط بالغرب إلى تنويع الشراكات

ويشير الصديقي إلى أن السياسة الخارجية المغربية اتسمت، خلال السنوات الأولى من عهد الملك محمد السادس، بقدر كبير من الحذر، في ظل هيمنة الولايات المتحدة على النظام الدولي، إلى جانب الضغوط الأمنية والتحديات الاقتصادية والاجتماعية الداخلية.

غير أن التحولات التي أعقبت الربيع العربي سنة 2011، وصعود الصين، وعودة روسيا إلى واجهة التنافس الدولي، دفعت المغرب إلى توسيع دائرة شراكاته الخارجية، لتشمل قوى دولية وإقليمية متعددة، من بينها الصين وروسيا والهند وتركيا، بالتوازي مع تعزيز علاقاته مع دول الخليج وتكثيف حضوره في إفريقيا.

وسجلت الدراسة أن هذا التوجه تجسد في عدد من المحطات، من بينها الزيارتان الملكيتان إلى روسيا والصين سنة 2016، وتعزيز العلاقات الاقتصادية والسياسية مع بكين، فضلا عن عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017، بعد أكثر من ثلاثة عقود على انسحابه من منظمة الوحدة الإفريقية.

وبحسب التحليل نفسه، لم يقتصر التحول على توسيع الشراكات، بل شمل أيضا اعتماد الرباط نهجا أكثر حزما تجاه حلفائها الغربيين، من خلال المطالبة بمراعاة مصالحها الوطنية الأساسية، وفي مقدمتها قضية الصحراء، والسعي إلى تحقيق قدر أكبر من المعاملة بالمثل داخل علاقاتها الدولية.

ويؤكد الصديقي أن هذا التوجه لا يعكس رغبة في التخلي عن التحالفات التقليدية، بقدر ما يمثل محاولة لإعادة ضبطها ضمن سياسة خارجية أكثر تنوعا ومرونة.

“التحوط البراغماتي” لتجنب الاصطفاف

وتعتبر الدراسة أن مفهوم «التحوط البراغماتي» يشكل مدخلا أساسيا لفهم السياسة الخارجية المغربية في المرحلة الراهنة، إذ لا يتعلق الأمر باتخاذ مسافة متساوية من القوى المتنافسة، وإنما بتوسيع الخيارات الاستراتيجية مع الحفاظ على العلاقات التي تظل ضرورية للمصالح الأمنية والاقتصادية والدبلوماسية للمملكة.

وفي هذا السياق، يستحضر الصديقي العلاقات المغربية الصينية، التي شهدت تطورا ملحوظا منذ إرساء الشراكة الاستراتيجية سنة 2016، ثم انضمام المغرب إلى مبادرة الحزام والطريق الصينية سنة 2017، وتوقيع اتفاق لتنفيذ إطار المبادرة سنة 2022.

كما يشير إلى تطور الحوار بين البلدين، والاهتمام الصيني بإمكانية التفاوض بشأن اتفاقية للتجارة الحرة مع المغرب سنة 2026، معتبرا أن الرباط تحرص، في المقابل، على ضبط وتيرة التعاون مع بكين بما يراعي انعكاساته المحتملة على علاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة.

وتبرز الحرب الروسية الأوكرانية، وفق الدراسة، وجها آخر لهذا النهج، إذ أكد المغرب احترام وحدة أراضي أوكرانيا وسيادتها، مع تجنب الاصطفاف الحصري إلى جانب موسكو أو المعسكر الغربي، وهو ما تجسد في غيابه عن تصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة في مارس 2022 بشأن القرار الذي أدان العدوان الروسي.

ويربط الصديقي هذا الموقف بحسابات استراتيجية متعددة، تشمل أهمية الحفاظ على علاقات بناءة مع روسيا، بالنظر إلى عضويتها الدائمة في مجلس الأمن، وتنامي حضورها السياسي والأمني في منطقة الساحل، فضلا عن رغبة الرباط في الاحتفاظ بهامش للمناورة وسط حالة عدم اليقين التي طبعت علاقاتها مع عدد من الشركاء الغربيين.

وبالنسبة إلى أوروبا، يرى الباحث أن العلاقات لم تعد قائمة فقط على اعتماد المغرب على شركائه الأوروبيين، بل أصبحت تتسم أيضا بدرجة متزايدة من الاعتماد المتبادل، خصوصا في مجالات التجارة والاستثمار والهجرة وأمن الحدود ومكافحة الإرهاب، وهو ما يمنح الرباط هامشا أوسع للمطالبة بمراعاة أولوياتها الاستراتيجية.

قضية الصحراء في صلب الحسابات الاستراتيجية

وتضع الدراسة قضية الصحراء في قلب محددات السياسة الخارجية المغربية، معتبرة أن فهم التموضع الاستراتيجي للمملكة يظل مرتبطا بمدى مركزية هذا الملف في حسابات الرباط وعلاقاتها مع شركائها الدوليين.

وفي هذا الإطار، يستحضر الصديقي الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على الصحراء في دجنبر 2020، والتحولات التي شهدتها مواقف عدد من الدول الأوروبية، ولا سيما إسبانيا وفرنسا، بشأن مبادرة الحكم الذاتي، إضافة إلى قرار مجلس الأمن رقم 2797 المعتمد في 31 أكتوبر 2025، الذي تعتبره الرباط تطورا مهما في مسار النزاع.

ويشير الباحث إلى أن مركزية القضية تفسر استعداد المغرب لتحمل تكاليف دبلوماسية عندما تتخذ بعض الدول مواقف تعتبرها الرباط متعارضة مع مصالحها الوطنية، مستحضرا التوترات التي شهدتها العلاقات المغربية مع الولايات المتحدة والسويد وألمانيا وإسبانيا وفرنسا وتونس في مراحل مختلفة.

ويخلص إلى أن قضية الصحراء تمثل، في الوقت نفسه، قيدا ومحركا للتموضع الاستراتيجي المغربي؛ فهي تحد من هامش المرونة في بعض العلاقات الثنائية، لكنها تدفع المملكة أيضا إلى تنويع شراكاتها وتوسيع دائرة الدعم السياسي والدبلوماسي لموقفها.

كما تتناول الدراسة تدبير المغرب لعلاقاته مع الولايات المتحدة وإسرائيل، بالتوازي مع استمرار دعمه لقيام دولة فلسطينية على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، معتبرة أن هذا التوازن يعكس سعي الرباط إلى الحفاظ على مرونتها الدبلوماسية وتفادي الإضرار بمصالحها الاستراتيجية الأوسع.

استقلالية استراتيجية دون مراجعة النظام القائم

وفي قراءته لطبيعة الدور المغربي، يعتبر الصديقي أن المملكة تسعى إلى تعزيز استقلاليتها الاستراتيجية دون تبني سياسة تستهدف تغيير النظام الإقليمي والدولي القائم، موضحا أن الاستقلالية لا تعني الانفصال عن القوى الخارجية أو الاستغناء عن الشراكات الدولية، بل الحفاظ على حرية الاختيار وتوسيع هامش القرار الوطني.

ويبرز هذا التوجه، بحسب الدراسة، في سعي المغرب إلى الحفاظ على توازن القوى في المنطقة المغاربية، في ظل التنافس المستمر مع الجزائر، وما يرافقه من تحديات أمنية وعسكرية، إذ إن أي محاولة لإحداث تغيير جوهري في التوازن الإقليمي قد تترتب عليها تكاليف كبيرة بالنسبة إلى الطرفين.

وفي هذا السياق، يحذر الباحث من مخاطر سباق تسلح غير منضبط قد يؤدي إلى تقويض الاستقرار الإقليمي الهش، معتبرا أن تحديث القدرات العسكرية المغربية يرتبط، من منظور الرباط، بحماية المصالح الوطنية والحفاظ على التوازن الاستراتيجي.

ويؤكد الصديقي أن التحول نحو نظام دولي أكثر تعددية أتاح للمغرب فرصا أوسع لتنويع شراكاته وتقليص الاعتماد على طرف واحد، دون الحاجة إلى موازنة القوى الكبرى بصورة مباشرة أو الابتعاد عنها.

 طموحات متزايدة وحدود القدرة

ورغم المكاسب التي حققها المغرب في توسيع حضوره الدبلوماسي والاقتصادي، تنبه الدراسة إلى أن التموضع الاستراتيجي للمملكة يظل محكوما بقيود بنيوية ترتبط بمحدودية الموارد الاقتصادية والعسكرية والسياسية، فضلا عن تعقيدات البيئة الإقليمية.

ويعتبر الصديقي أن التحدي الأساسي يتمثل في ضمان التناسب بين الطموحات الدولية للمغرب وقدرته على الوفاء بالتزاماته، محذرا من أن الاستثمارات الكبرى والانخراط الدبلوماسي المكثف في القضايا الإقليمية قد يترتب عليهما أحيانا تكاليف تتجاوز العوائد الاستراتيجية المتوقعة.

كما يشير إلى أن التنافس المغربي الجزائري، وتعقيدات العلاقات مع إسبانيا، والتداخل بين قضايا الهجرة والخلافات الدبلوماسية، تفرض حدودا على قدرة الرباط على تحويل تنامي حضورها الخارجي إلى نفوذ جيوسياسي أوسع.

وتضيف الدراسة أن نجاح سياسة التحوط يظل رهينا بالحفاظ على مصداقية المغرب لدى شركائه التقليديين والقوى الصاعدة على حد سواء، بما يضمن أن يفهم تنويع الشراكات باعتباره امتدادا للالتزامات القائمة، وليس بديلا عنها.

وتخلص الدراسة إلى أن التموضع الاستراتيجي المغربي يمثل محاولة لتعزيز موقع المملكة داخل نظام دولي متغير، وليس انتقالا نحو مراجعة النظام القائم، مؤكدة أن استدامة هذا النهج ستتوقف على قدرة الرباط على المواءمة بين طموحاتها وإمكاناتها، وتدبير القيود الإقليمية، وتحويل تنويع الشراكات إلى استقلالية استراتيجية مستدامة، مع الحفاظ على العلاقات التي تعتمد عليها مصالح المغرب الأمنية والاقتصادية.