الدولة الاجتماعية في البرنامج الحكومي: بين طموح الالتزامات واختبار الإمكانات الاقتصادية
وجهة نظر

الدولة الاجتماعية في البرنامج الحكومي: بين طموح الالتزامات واختبار الإمكانات الاقتصادية

قراءة نقدية في واقعية التعهدات الاجتماعية خلال الفترة 2026 إلى 2031، في ضوء تحديات النمو والتشغيل والقدرة الشرائية والاستدامة المالية

مقدمة: من إعلان الالتزامات إلى اختبار القدرة على الإنجاز

يضع التصريح الذي تقدمت به رئيسة الحكومة، فاطمة الزهراء المنصوري، ، يوم 19 أكتوبر 2026، تحسين القدرة الشرائية وتوسيع الحماية الاجتماعية وإصلاح الصحة والتعليم وإدماج الشباب في سوق الشغل وتقليص الفوارق المجالية ضمن أبرز الأولويات المعلنة. ويقدم البرنامج الحكومي للفترة 2026 إلى 2031 أمام مجلسي البرلمان بذلك الدولة الاجتماعية بوصفها أحد محاور التعاقد السياسي المقترح للولاية الجديدة، لا مجرد تدابير قطاعية متفرقة. وتتناول هذه الدراسة ما ورد في خطاب التقديم، ولا تفترض أن كل إجراء معلن أصبح نافذاً أو خُصص له تمويل فعلي.

غير أن أهمية الالتزامات الواردة في البرنامج لا تُقاس فقط بحجم الأهداف المعلنة، بل بمدى استجابتها لحاجيات المجتمع المغربي، وانسجامها مع الإمكانات الاقتصادية والمالية للبلاد، وقدرة السياسات العمومية على تحويل النمو والاستثمارات إلى تحسن ملموس في حياة المواطنين.

ويقر البرنامج نفسه بأن المغرب حقق إصلاحات ومشاريع كبرى، لكن ثمار التقدم لم تصل بالقدر نفسه إلى جميع الفئات والمجالات، وأن التشغيل والقدرة الشرائية وجودة الخدمات العمومية والعدالة المجالية ما تزال في صدارة انتظارات المواطنين. كما يعلن الانتقال من توسيع التغطية الاجتماعية إلى تحسين جودة الخدمات، ومن حجم الاستثمار إلى مردوديته، ومن تعدد البرامج إلى تكاملها وأثرها.

يشكل هذا الإقرار مدخلاً أساسياً للقراءة النقدية: فالتحدي المطروح ليس فقط إطلاق برامج اجتماعية جديدة أو زيادة الاعتمادات المخصصة لها، وإنما معالجة الاختلالات التي حالت دون تحول جزء كافٍ من النمو والاستثمار العمومي إلى فرص شغل مستقرة، ودخول أفضل، وخدمات صحية وتعليمية ذات جودة، وتقليص فعلي للفوارق الاجتماعية والمجالية.

ومن هنا، فإن تقييم البرنامج يقتضي التمييز بين ثلاثة مستويات: طموح الأهداف، واتساق السياسات والموارد اللازمة لتحقيقها، ثم قابلية التنفيذ والنتائج المنتظرة. كما يقتضي وضع التعهدات في سياق اقتصادي وطني وإقليمي ودولي تتزايد فيه الضغوط المرتبطة بالتنافسية، والتحولات التكنولوجية، وأسواق الطاقة والغذاء، والتغير المناخي، وتكاليف تمويل التنمية.

أولاً: الظرفية الاقتصادية تفرض قراءة واقعية للتعهدات الاجتماعية

يأتي البرنامج الحكومي في مرحلة تتداخل فيها فرص النمو مع اختلالات بنيوية تجعل تحسين المؤشرات الاقتصادية الكلية غير كافٍ، في حد ذاته، لضمان تحسن الأوضاع الاجتماعية.

اقتصاد قادر على النمو، لكنه لم يحسم معضلة التشغيل

يستهدف التصريح الحكومي تحقيق متوسط نمو اقتصادي سنوي يبلغ % 5 خلال الفترة 2027 إلى 2031. وهذا متوسط مستهدف لخمس سنوات، وليس توقعاً رسمياً لنسبة النمو في كل سنة منها. ويتوفر المغرب على قاعدة صناعية وبنيات تحتية وفرص في قطاعات التصدير والسياحة والطاقات المتجددة والاقتصاد الرقمي، فضلاً عن الاستثمارات المرتبطة بالتحضير لكأس العالم 2030؛ غير أن تحويل هذه الإمكانات إلى نمو مستدام وشامل يبقى رهيناً بتطور الإنتاجية والاستثمار والتشغيل.

لكن السؤال الحاسم ليس مقدار النمو الذي يمكن تحقيقه، بل طبيعة هذا النمو ومدى قدرته على خلق فرص الشغل وتحسين دخول الأسر.

أظهرت الحسابات الوطنية المؤقتة الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط في يونيو 2026 أن الاقتصاد المغربي سجل نمواً بنسبة % 4,9 خلال سنة 2025، بينما ارتفعت القيمة المضافة للأنشطة غير الفلاحية بنسبة % 3,9. ومع ذلك، يظل إحداث فرص الشغل الكافية ورفع مشاركة النساء وإدماج الشباب تحدياً بنيوياً، ولا ينبغي افتراض ارتباط آلي بين ارتفاع الناتج وتحسن مؤشرات سوق العمل.

وتقدم هذه المفارقة أساساً لنقد جوهري: لا تكمن المشكلة المغربية في غياب النمو وحده، بل أيضاً في محدودية قدرته على استيعاب الوافدين الجدد إلى سوق الشغل، وفي استمرار الفجوة بين توسع النشاط الاقتصادي والنتائج الاجتماعية التي يلمسها المواطن.

وبيّن البنك الدولي، في تقرير «النمو وفرص الشغل في المغرب» الصادر في 28 أبريل 2026، أن عدد السكان في سن العمل ارتفع بين سنتي 2000 و2024 بوتيرة تعادل نحو 2,5 مرة وتيرة نمو التشغيل. وربط التقرير توسيع فرص الشغل بإصلاحات المنافسة ودينامية المقاولات ومردودية الاستثمار العمومي والخاص وإدماج النساء والشباب. ولا يعني ذلك أن الوظائف الإضافية المحتملة ستُحدث تلقائياً من دون تنفيذ تلك الإصلاحات.

وعليه، فإن تحقيق نمو بنسبة % 5 لا يكفي للحكم على واقعية البرنامج الاجتماعي. ينبغي معرفة القطاعات التي ستقود هذا النمو، وكثافة التشغيل فيها، ومدى قدرة المقاولات الصغيرة والمتوسطة على الاستفادة منه، وحجم الوظائف الجديدة التي يمكن أن تنتج عنه، ومستوى الأجور والاستقرار المهني الذي ستوفره.

هدف متوسط النمو الحكومي مقارنة بالتوقعات الاقتصادية المنشورة

تكشف المقارنة بين الهدف الحكومي والتوقعات الاقتصادية المنشورة اختلافاً في المسارات المرجعية. غير أن الهدف متوسط لخمس سنوات، بينما تتعلق بعض التوقعات بسنة محددة، ولذلك ينبغي تجنب اعتبار الفارق بينهما دليلاً حاسماً على تعذر الإنجاز.

ففي الميزانية الاقتصادية الاستشرافية لسنة 2027، الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط في يوليو 2026، توقعت المندوبية نمواً بنسبة % 4,8 في سنة 2026 ثم % 3 في سنة 2027، في ظل فرضية موسم فلاحي متوسط. وربطت هذه الآفاق بتطور الطلب الداخلي والخارجي وتكاليف المواد الأولية والمخاطر الدولية؛ وهي تقديرات مشروطة بفرضيات قابلة للتغير.

أما صندوق النقد الدولي فتوقع، ضمن مشاورات المادة الرابعة المنشورة في مارس 2026، نمواً بنسبة % 4,4 في سنة 2026 و% 4,5 في سنة 2027، ونحو % 4 على المدى المتوسط. ويجب التعامل مع هذه النسب باعتبارها توقعات مؤرخة، لا نتائج محققة أو أحدث تقدير ممكن بالضرورة.

تعني هذه المقارنة أن الهدف الحكومي غير قابل للتحقيق بالضرورة؛ فالتوقعات ليست نتائج حتمية، كما أن الإصلاحات والاستثمارات قد تغير المسار المرجعي. لكنها تبرز حاجة هدف متوسط النمو البالغ % 5 إلى فرضيات تنفيذ واضحة، وإلى بيان مصادر الزيادة المتوقعة في الإنتاجية والاستثمار والتشغيل.

كما أن المقارنة بين متوسط خمس سنوات وتوقع سنة واحدة لا تكفي وحدها للحكم على قابلية الإنجاز؛ فالمعيار الأدق هو المسار السنوي المطلوب، ومصادر النمو المتوقعة، والافتراضات المتعلقة بالموسم الفلاحي والاستثمار الخاص والإنتاجية والطلب الخارجي.

ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يوجه النقاش هو: ما التحول الاقتصادي الإضافي الذي سيجعل متوسط النمو الحكومي قابلاً للتحقق، وما نصيب التشغيل والأجور والخدمات الاجتماعية من ثماره؟

التوترات الدولية والمناخ تضيفان مخاطر على التمويل والقدرة الشرائية

يقر البرنامج بأن الولاية الحكومية تأتي في سياق دولي أقل استقراراً وأكثر تنافسية، مع تغير طرق التجارة والطاقة، وإعادة تشكيل سلاسل الإنتاج، وتسارع الرقمنة والذكاء الاصطناعي، وتزايد الضغط المناخي على الماء والفلاحة والأمن الغذائي.

وتتجاوز هذه المخاطر تأثيراتها على النمو الإجمالي؛ إذ يمكنها أن تنعكس مباشرة على كلفة المعيشة وعلى قدرة الدولة على تمويل التزاماتها.

فالمغرب يتأثر بتقلبات أسعار الطاقة والمواد الغذائية في الأسواق الدولية، وبالطلب في أسواقه التصديرية الرئيسية، وبمردودية المواسم الفلاحية. وقد ربطت المندوبية السامية للتخطيط توقعاتها لسنة 2026 بتباطؤ التجارة العالمية وارتفاع أسعار المواد الأولية، فيما أشار البنك الدولي في يوليو 2026 إلى أن الصراع في الشرق الأوسط يرفع تكاليف استيراد الطاقة والشحن، وأن الجفاف المتكرر يظل خطراً على النشاط الفلاحي والقطاعات المرتبطة بالماء.

وتكتسب هذه المعطيات أهمية عند تقييم تعهد الحكومة باستهداف تضخم في حدود % 2 سنوياً. فتباطؤ التضخم يعني، في العادة، انخفاض وتيرة ارتفاع الأسعار، ولا يعني عودتها إلى مستوياتها السابقة. كما أن تحقيق معدل قريب من % 2 يتأثر بالظروف النقدية وبأسعار الطاقة والغذاء والصدمات المناخية، ولا يخضع كله للتحكم الحكومي المباشر.

لذلك، ينبغي تقييم سياسة القدرة الشرائية من خلال تطور الدخل الحقيقي، وأسعار الغذاء والسكن والنقل والطاقة، لا من خلال معدل التضخم العام وحده.

والأهم أن الحكومة لا تتحكم بمفردها في جميع هذه المتغيرات. تستطيع التأثير في الأسعار عبر المنافسة وتنظيم الأسواق والضرائب والدعم، لكنها لا تستطيع ضمان استقرارها بمعزل عن الصدمات الخارجية أو اختلالات العرض المحلي.

ثانياً: القدرة الشرائية والدعم الاجتماعي… هل تكفي زيادة التحويلات النقدية؟

تتعهد الحكومة بمواجهة ارتفاع كلفة المعيشة عبر أربعة مسارات مترابطة: تعزيز دخل الأسر، وضبط أسباب الغلاء، وتوسيع الحماية الاجتماعية، وتحسين جودة الخدمات العمومية.

تشمل التدابير المعلنة خططاً لتموين السوق بالمنتجات الاستراتيجية، وتقريب المنتج من المستهلك عبر شركات جهوية ومنصات مهنية للتجميع والتسويق، وإصلاح مسالك تسويق اللحوم والأسماك، وتنظيم العلاقة بين التصدير وتموين السوق الوطنية. كما تعهدت الحكومة بإقرار تعويض اجتماعي تلقائي يعادل فاتورة الكهرباء الشهرية التي لا تتجاوز 100 درهم للمسكن الرئيسي للأسر المستحقة، إلى جانب إصلاح تدريجي للضريبة على الدخل. ولا يحدد خطاب التقديم وحده كافة قواعد الاستحقاق والتكلفة وآجال التفعيل.

تستهدف هذه التدابير معالجة أكثر من جانب من جوانب الضغط على ميزانية الأسرة، لكن مدى فعاليتها يختلف بحسب طبيعة كل إجراء.

رفع الدعم الاجتماعي إلى 1000 درهم: مكسب مشروط بالاستهداف

يعلن التصريح هدفاً لرفع قيمة الدعم الاجتماعي المباشر من 500 إلى 1000 درهم عند نهاية الولاية الحكومية، مع مراجعة الاستهداف بناءً على الدخل الفعلي وربط الدعم بالإدماج الاقتصادي والاجتماعي. ولا ينبغي فهم هذا الإعلان على أنه تعميم مبلغ موحد قدره 1000 درهم على جميع الأسر؛ إذ يتوقف نطاق الاستفادة ومبلغها النهائي على الفئات والقواعد التي ستحددها النصوص والإجراءات التطبيقية.

ومن حيث المبدأ، يمكن أن يسهم رفع التحويلات النقدية في تخفيف الفقر وتحسين قدرة الأسر المستفيدة على تغطية نفقاتها الأساسية. لكن الحكم على أثره يتطلب معرفة ثلاثة عناصر: عدد الأسر المستفيدة، وتوزيع مبالغ الدعم بينها، وتطور القيمة الحقيقية للدعم خلال سنوات الولاية.

فمضاعفة المبلغ الاسمي لا تعني بالضرورة مضاعفة القدرة الشرائية، خصوصاً إذا استمر ارتفاع تكاليف الغذاء والسكن والنقل والخدمات الأساسية.

كما أن مراجعة الاستهداف وفق الدخل الفعلي تطرح تحدياً تنفيذياً. فمن الضروري أن تضمن قواعد الاستحقاق وصول الدعم إلى الأسر الأكثر حاجة، وأن تحد من الإقصاء غير المبرر لأسر تعيش هشاشة فعلية، بما فيها الأسر التي تتقلب دخولها أو تعتمد على أنشطة غير منتظمة.

ويطرح ربط الدعم بالإدماج سؤالاً إضافياً: كيف سيُترجم هذا التوجه عملياً؟ هل عبر التكوين والتشغيل والمواكبة الاقتصادية، أم سيظل مجرد مبدأ عام؟ فالدعم النقدي يمكن أن يخفف الهشاشة، لكنه لا يعوض سياسة قادرة على تمكين المستفيدين من فرص عمل ودخل مستدام.

معالجة الغلاء: الانتقال من دعم المستهلك إلى إصلاح السوق

تبدو الإجراءات المتعلقة بتموين السوق وتقريب المنتج من المستهلك وإصلاح مسالك التسويق ذات أهمية لأنها تتجاوز المعالجة النقدية إلى محاولة التأثير في بنية الأسعار.

لكن فعاليتها ستتوقف على قدرة الحكومة على تشخيص مصادر ارتفاع الأسعار: هل ترتبط بندرة العرض، أم بتكاليف النقل والتخزين، أم بتعدد الوسطاء، أم بضعف المنافسة، أم بارتفاع تكاليف الاستيراد؟

إن إنشاء منصات للتجميع والتسويق أو شركات جهوية لن يؤدي تلقائياً إلى خفض الأسعار. ويتطلب نجاح هذه التدابير تحديد نموذج حكامتها، وطريقة اختيار المتدخلين، وكلفة تشغيلها، وآليات مراقبة المنافسة، ومدى انعكاس انخفاض كلفة الوساطة على السعر النهائي للمستهلك.

ويكتسب هذا الجانب أهمية خاصة لأن البرنامج نفسه يعلن التزاماً بمحاربة الاحتكار والوساطة الانتهازية وتنظيم الأسواق.

وعليه، فإن المعيار الحقيقي لنجاح سياسة القدرة الشرائية ليس عدد الآليات التي ستُحدث، بل مقدار التحسن الذي ستحدثه في الأسعار الحقيقية، ومدى استمراره، وانعكاسه على الأسر محدودة الدخل.

إصلاح الضريبة على الدخل: من زيادة الأجر الصافي إلى أثرها على التشغيل

تتعهد الحكومة بإصلاح تدريجي للضريبة على الدخل بهدف رفع الدخل الصافي للأجراء وتشجيع التشغيل المصرح به.

ويستجيب هذا التوجه لحاجة الأسر إلى تحسين دخلها المتاح، كما يمكن أن يدعم جاذبية العمل المصرح به إذا صُمم بصورة تقلص العبء الضريبي على الفئات المستهدفة.

غير أن الأثر الاجتماعي للإصلاح سيتوقف على توزيع التخفيضات الضريبية بين شرائح الدخل، وعلى مدى استفادة الأجراء ذوي الدخول المحدودة والمتوسطة منها، وعلى كيفية تعويض الإيرادات التي ستفقدها الخزينة.

فإذا تركزت المكاسب لدى الفئات الأعلى دخلاً، فقد يكون أثر الإصلاح على تقليص الفوارق محدوداً. وإذا لم يصاحبه تحسن في الأجور والإنتاجية وتوسيع قاعدة التشغيل المصرح به، فقد تظل الاستفادة محصورة في الأجراء الموجودين أصلاً داخل القطاع المنظم.

وهنا تظهر ضرورة الربط بين السياسة الضريبية وسياسة التشغيل: لا ينبغي أن يكون الإصلاح مجرد تخفيض للضريبة على دخل قائم، بل جزءاً من استراتيجية أوسع لتوسيع التشغيل اللائق، وتحفيز المقاولات على التصريح بالأجراء، وتحسين الامتثال الضريبي، وضمان عدالة توزيع العبء الجبائي.

ثالثاً: التقاعد والحماية الاجتماعية… طموح اجتماعي واختبار مالي

يمثل إصلاح التقاعد أحد أكثر الملفات حساسية في البرنامج، لأنه يجمع بين تحسين دخل المتقاعدين، وتوسيع الحماية لتشمل من لا يتوفرون على معاش، وتقريب الحقوق والواجبات بين الأنظمة، وضمان استدامة التمويل.

تتعهد الحكومة برفع الحد الأدنى للمعاشات الرئيسية تدريجياً إلى 3 000 درهم شهرياً في مختلف الأنظمة، والعمل على تمكين الأرملة من معاش يعادل % 100 من المعاش الرئيسي المستحق للزوج المتوفى، مقابل نسبة % 50 الواردة في خطاب التقديم، مع حفظ حقوق الأيتام وسائر ذوي الحقوق. وهذه تعهدات بإصلاح مستقبلي، وليست تعديلاً نافذاً بمجرد إعلانها، إذ تتطلب تحديد الأنظمة المعنية وشروط التطبيق وآليات التمويل وملاءمة النصوص المؤطرة للمعاشات.

رفع الحد الأدنى للمعاشات: من يستفيد، ومن يتحمل الكلفة؟

يمكن أن يؤدي رفع الحد الأدنى للمعاشات الرئيسية إلى 3 000 درهم إلى تحسين دخول فئات من المتقاعدين ذوي المعاشات الصغيرة، لكن الأثر يتوقف على تعريف «المعاش الرئيسي» وقواعد الاستحقاق، وعلى عدد المستفيدين في كل نظام ومدى شمول أصحاب المعاشات المنخفضة.

إذ ينبغي التمييز بين الأنظمة المختلفة، وبين أصحاب المعاشات الصغيرة الذين يستوفون شروط الاستفادة، ومن لا يتوفرون أصلاً على معاش. كما ينبغي معرفة ما إذا كان الحد الأدنى المعلن سيطبق على جميع المستفيدين وفق قواعد موحدة، أم سيخضع لشروط تختلف بحسب النظام والمساهمات والحقوق المكتسبة.

ومن الناحية المالية، يتطلب هذا الإجراء تقدير عدد المستفيدين، والفارق بين معاشاتهم الحالية والحد المستهدف، والمدة الزمنية للرفع، ومصادر التمويل.

ولا يقدم الخطاب، في المقاطع التي تتناول هذا الالتزام، تقديراً إجمالياً لكلفته أو توزيعها السنوي. وهذا لا يثبت غياب دراسة مالية لدى الحكومة، لكنه يعني أن النص المتاح لا يكفي وحده للحكم على مدى استدامة الإجراء.

معاش الأرملة: توسيع الحماية مع ضرورة احتساب الالتزامات

يشكل التعهد برفع نصيب الأرملة إلى % 100 من المعاش الرئيسي المستحق للزوج المتوفى توسعاً مقترحاً للحماية. غير أن نسب معاشات ذوي الحقوق وتوزيعها تخضع حالياً لأحكام تختلف باختلاف الأنظمة والأوضاع الأسرية؛ ولذلك لا يجوز استنتاج أن كل أرملة كانت تتقاضى فعلياً % 50، أو أن نسبة % 100 أُقرت قانوناً بمجرد الإعلان عنها.

لكن تقدير أثره يتطلب معرفة عدد المستفيدات، والقواعد التي ستنظم الجمع بين حقوق الأرملة والأيتام وباقي ذوي الحقوق، وكيفية تطبيقه على الأنظمة المختلفة.

ويزداد هذا التحدي تعقيداً لأن الحكومة تربط تحسين المعاشات بإصلاح شامل للتقاعد، وليس بزيادة منفصلة عن بقية مكونات المنظومة.

الاستدامة المالية ليست مبرراً لتأجيل الإصلاح، لكنها شرط لنجاحه

يجب ألا يتحول النقاش حول كلفة إصلاح التقاعد إلى مفاضلة مبسطة بين حماية المتقاعدين وحماية المالية العمومية. فالاستدامة المالية هي نفسها شرط لاستمرار أداء المعاشات مستقبلاً.

ويؤكد صندوق النقد الدولي أن إتاحة موارد إضافية للإنفاق الاجتماعي تتطلب استمرار تحسن الإيرادات وإعادة ترتيب النفقات، إلى جانب تنفيذ إصلاحات التقاعد والمؤسسات العمومية.

ومن ثم، فإن التقييم النقدي ينبغي أن يركز على مدى وضوح قواعد التمويل، وعدالة توزيع الأعباء بين الدولة والمشغلين والأجراء، وحماية الحقوق المكتسبة، وضمان ألا يؤدي إصلاح الاختلالات المالية إلى إضعاف كفاية المعاشات نفسها.

رابعاً: الصحة والتعليم… هل ينتقل البرنامج من توسيع التغطية إلى تحسين الخدمة فعلاً؟

يعلن البرنامج انتقالاً من تعميم التغطية الصحية إلى ضمان الولوج الفعلي والعادل والمستمر إلى خدمات ذات جودة، ويضع ضمن أولوياته معالجة الخصاص الترابي في العرض الصحي، وتحسين استقبال المرضى ومصالح المستعجلات، وتعميم المساعدة الطبية الاستعجالية، وإرساء منظومة معلوماتية صحية وطنية موحدة، وتعزيز الموارد البشرية واستكمال الإصلاح المؤسساتي.

ويمثل هذا التحول في صياغة الأولويات نقطة إيجابية؛ لأنه يعترف بأن توسيع التغطية التأمينية لا يضمن وحده حصول المواطنين على العلاج.

لكن الانتقال من الحق النظري إلى الخدمة الفعلية يتطلب توفر الأطباء والممرضين والتجهيزات والأدوية، وتقليص أوقات الانتظار، وضمان قدرة المؤسسات الصحية على استقبال المرضى، خصوصاً في المناطق القروية والمجالات التي تعاني خصاصاً في البنيات والموارد البشرية.

كما يتطلب قياس نجاح الإصلاح بمؤشرات تتجاوز عدد المستفيدين من التغطية الصحية، لتشمل زمن الانتظار، وتوفر الأطر الطبية، وجودة العلاج، ونسب الإحالة بين المؤسسات، وحجم الإنفاق المباشر الذي تتحمله الأسر.

وتبرز أهمية هذا التمييز في ضوء دراسة لصندوق النقد الدولي بشأن كفاءة الإنفاق على الصحة والتعليم، نُشرت سنة 2026، أشارت إلى ارتفاع نسبة التغطية بالتأمين الصحي من % 42 من السكان سنة 2021 إلى % 88 سنة 2025. وهذه نسبة تغطية تأمينية، لا قياس مباشر لنسبة السكان الذين تلقوا العلاج فعلاً أو لمستوى جودة الخدمات، مع استمرار فجوات الولوج والفوارق الترابية.

التعليم: هدف % 80 و«صفر انقطاع» بين الطموح وإمكانات التنفيذ

يحدد البرنامج هدفاً يتمثل في رفع نسبة التلاميذ المتحكمين في التعلمات والكفايات الأساسية إلى % 80 على الأقل بحلول 2031، وتحقيق «صفر انقطاع عن الدراسة» في أفق 2030.

ويعتمد لتحقيق ذلك على تطوير نموذج مؤسسات الريادة، وإعداد مرجع وطني ملزم للتعلمات الأساسية، واعتماد تقييمات تشخيصية منتظمة، وتعزيز الدعم التربوي الفردي، واستخدام الوسائل الرقمية لتتبع مكتسبات التلاميذ. كما يتضمن رصد التلاميذ المهددين بالانقطاع وتوجيه المنقطعين إلى حلول بديلة، تشمل العودة إلى التعليم أو التكوين المهني أو التكوين بالتدرج.

تتمثل قوة هذه المقاربة في الجمع بين جودة التعلمات ومحاربة الانقطاع، بدلاً من التعامل معهما كملفين منفصلين. لكنها تواجه تحديين أساسيين.

الأول هو تحديد خط الأساس الذي ستُقاس انطلاقاً منه نسبة التحكم في التعلمات، وضمان أن تكون التقييمات قابلة للمقارنة بين الجهات والمؤسسات والفئات الاجتماعية.

والثاني هو توفير شروط التنفيذ: تأهيل المدرسين، وتقليص الاكتظاظ حيث يوجد، وتوفير الدعم التربوي، ومعالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية للانقطاع، بما فيها بُعد المؤسسات التعليمية وصعوبة النقل والهشاشة الأسرية.

أما هدف «صفر انقطاع» فيتطلب تعريفاً دقيقاً للمؤشر. فإعادة توجيه التلميذ المنقطع إلى مسار بديل قد تمثل نجاحاً في الإدماج، لكنها لا تعني بالضرورة اختفاء الانقطاع من التعليم النظامي. لذلك يجب التمييز بين خفض الانقطاع، وإعادة الإدماج، وضمان الاستمرار في مسار تعليمي أو تكويني مؤهل.

إن واقعية الأهداف التعليمية لن تُحسم بإعلان نسب مرتفعة، بل بوجود مؤشرات سنوية قابلة للتحقق، وموارد بشرية ومالية متناسبة مع حجم التحول المطلوب.

خامساً: الشباب والتشغيل… الفجوة بين حجم المشكلة وأدوات المعالجة

يحتل إدماج الشباب موقعاً مركزياً في الخطاب الحكومي، الذي أورد نحو 2,9 مليون شاب وشابة تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة خارج الشغل والتعليم والتكوين، ومعدل بطالة يبلغ % 29,2 لدى الفئة بين 15 و24 سنة، ومغادرة نحو 300 ألف تلميذ للدراسة سنوياً دون تأهيل. وتحتاج هذه الأرقام إلى ضبط مرجعيتها الزمنية: فرقم 2,9 مليون يستند إلى تحليل للمندوبية السامية للتخطيط مبني أساساً على بيانات سنة 2023؛ ونسبة % 29,2 تخص البطالة بالمعنى الصارم في الربع الأول من 2026، وقد أصبحت % 27,2 في الربع الثاني وفق المنهجية الجديدة؛ أما 300 ألف فهي قيمة تقريبية تاريخية وردت في خارطة طريق إصلاح التعليم استناداً إلى متوسطات سنوات سابقة، وليست حصيلة محققة لسنة 2026.

وتكشف هذه المعطيات عن مشكلة تتجاوز البطالة بالمعنى الإحصائي، لأن وضعية الشباب خارج الشغل والتعليم والتكوين تشمل أيضاً أشخاصاً غير نشيطين اقتصادياً. ولا يجوز جمع أعداد هؤلاء الشباب مع أعداد العاطلين عن العمل باعتبارهم فئتين منفصلتين، أو مقارنة معدل البطالة الصارمة الجديد مباشرة بسلسلة البطالة القديمة من دون مراعاة التغيير المنهجي الذي أدخلته المندوبية السامية للتخطيط سنة 2026.

مئتا ألف فرصة للمواكبة سنوياً: ما الذي تعنيه فعلياً؟

تتعهد الحكومة، ابتداءً من سنة 2027، بإطلاق برنامج وطني للمواكبة الاجتماعية الترابية يهدف إلى تكوين 100 ألف شاب سنوياً وفق احتياجات المقاولات، وتمكين نحو 100 ألف شاب سنوياً من أول تجربة مهنية. كما يتضمن التصريح مواكبة 60 ألف مقاولة لتسهيل نموها واستمرارها. وهذه أهداف تتعلق بالتكوين والمواكبة والتجربة المهنية، ولا تمثل بذاتها تعهداً بإحداث 200 ألف منصب شغل صافٍ كل سنة.

ويمثل هذا التوجه استجابة عملية لبعض اختلالات سوق الشغل، خصوصاً ضعف الخبرة المهنية الأولى وعدم التطابق بين التكوين وحاجيات المقاولات.

تقيس الأرقام المعلنة عدد المستفيدين المستهدفين من التكوين والمواكبة، ولا تحدد بذاتها صافي الوظائف الجديدة التي ستُحدث. كما لا يوضح المقطع المتعلق بالبرنامج ما إذا كان المستفيدون من التكوين وأول تجربة مهنية فئتين متمايزتين تماماً، ولا يقدم معدل إدماج مهني محدداً بعد انتهاء المواكبة. لذلك ينبغي تجنب جمع الفئتين بوصفهما 200 ألف وظيفة مضمونة.

ولذلك ينبغي تقييم البرنامج من خلال مؤشرات أكثر دلالة، منها:

• نسبة المستفيدين الذين يحصلون على عمل بعد التكوين أو التجربة المهنية.
• نسبة من يحتفظون بعملهم بعد ستة أشهر وسنة.
• طبيعة العقود والأجور ومستوى الاستقرار المهني.
• توزيع المستفيدين حسب الجهات والجنس والمستوى التعليمي.
• كلفة كل عملية إدماج مستدام، وليس كلفة التكوين وحده.

خلق الوظائف يتطلب إصلاحاً اقتصادياً، لا برامج مواكبة فقط

تؤكد تقارير المؤسسات الدولية أن التشغيل المستدام في المغرب يحتاج إلى قطاع خاص أكثر دينامية، ومنافسة أكثر فعالية، وتحسين استجابة سوق الشغل، وتيسير نمو المقاولات، ومعالجة الحواجز التي تحد من مشاركة النساء والشباب.

ويشير البنك الدولي إلى أن الإصلاحات المتعلقة بالمنافسة والاستثمار الخاص والإنتاجية والاندماج في الاقتصاد المنظم يمكن أن تفتح المجال أمام خلق وظائف إضافية كبيرة على المدى الطويل.

وهذا يعني أن برامج التكوين والتجربة المهنية، مهما بلغت أهميتها، لن تحقق نتائج مستدامة إذا لم يتوسع الطلب على العمل في الاقتصاد الحقيقي.

فالمقاولة لا توظف لمجرد توفر متدربين مؤهلين، بل عندما تتوفر لديها فرص نمو وأسواق وتمويل وإمكانات لتوسيع الإنتاج. وإذا ظل نمو النشاط الاقتصادي مركزاً في قطاعات محدودة أو كثيفة رأس المال، فقد يتوسع الاستثمار دون أن تتوسع فرص العمل بالوتيرة المطلوبة.

ومن هنا، ينبغي أن يرتبط برنامج الشباب بسياسة صناعية وإنتاجية واضحة، ودعم فعلي للمقاولات الصغيرة والمتوسطة، وتحسين الولوج إلى التمويل والأسواق، وتطوير المهن الرقمية، وربط الصفقات العمومية بأهداف قابلة للقياس في التشغيل والتكوين.

الشباب خارج المنظومة: كيف نمنع تجدد المشكلة؟

إذا استمر خروج عدد كبير من التلاميذ من المنظومة المدرسية دون تأهيل، فإن التحدي لا يقتصر على إعادة إدماج الشباب الموجودين خارج التعليم والشغل، بل يشمل الوقاية من انقطاع أفواج جديدة. أما رقم 300 ألف تلميذ سنوياً، الوارد في التصريح، فتدعمه مرجعية تاريخية تعود إلى متوسط الانقطاع خلال سنوات سابقة؛ ولذلك ينبغي تحيينه دورياً قبل استخدامه بوصفه مستوى سنوياً راهناً.

وتبرز هنا أهمية الربط بين إصلاح المدرسة، والتوجيه، والتكوين المهني، والسياسات الاجتماعية للأسر، وبرامج التشغيل. فنجاح الحكومة في خفض عدد الشباب خارج المنظومة سيظل محدوداً إذا استمرت أسباب الانقطاع وضعف التأهيل.

كما أن توسيع مشاركة النساء في سوق الشغل ينبغي أن يكون جزءاً مركزياً من استراتيجية الإدماج، لا مجرد عنصر إضافي فيها؛ إذ إن إقصاء جزء من القدرات البشرية المتاحة يحد من إمكانات النمو ومن قاعدة المساهمين في تمويل الحماية الاجتماعية.

الخلاصة في هذا المحور: يستجيب البرنامج لحاجات حقيقية، ويقدم أهدافاً كمية قابلة للتتبع، لكن واقعيته تتوقف على قدرته على تحويل التكوين والمواكبة إلى وظائف مستقرة، وعلى معالجة أسباب ضعف خلق فرص الشغل في الاقتصاد المغربي.

سادساً: السكن القروي والتنمية الجهوية… هل تصل التنمية إلى المجالات الأكثر هشاشة؟

تتعهد الحكومة بإطلاق برنامج يستهدف تأهيل أو بناء 100 ألف مسكن خلال الولاية الحكومية، ولا سيما في المراكز القروية الصاعدة، مع دعم مباشر بقيمة 40 ألف درهم للأسرة المؤهلة ومواكبة تقنية مجانية وتبسيط المساطر. ويتعلق الأمر بهدف مستقبلي؛ أما المستفيدون الفعليون والكلفة النهائية فسيحددهما التنفيذ وشروط الأهلية.

ويمثل هذا التوجه فرصة لمعالجة جانب من الهشاشة السكنية، لكنه يطرح أسئلة حول معايير الاستحقاق، والكلفة الإجمالية، وتوزيع الوحدات جغرافياً، ومدى ارتباط السكن بالخدمات الأساسية وفرص الشغل.

مئة ألف مسكن: بين الدعم الفردي والتنمية المجالية

إذا افترضنا، لغرض الحساب فقط، أن 100 ألف مسكن سيستفيد كل واحد منها من دعم مباشر يبلغ 40 ألف درهم، فإن المبلغ النظري يساوي 4 مليارات درهم (100 000 مسكن بكلفة 40 000 درهم للوحدة). وهذا حساب تحليلي افتراضي، وليس اعتمادات مرصودة أو تقديراً رسمياً نهائياً لكلفة البرنامج.

لكن هذا الحساب لا يمثل تقديراً رسمياً للكلفة النهائية؛ فالنص لا يوضح أن كل المساكن ستستفيد بالضرورة من الدعم نفسه، كما لا يحدد في المقطع المعني الكلفة الإجمالية للمواكبة التقنية والبنيات التحتية المصاحبة.

وتكمن أهمية هذه الملاحظة في ضرورة التمييز بين كلفة دعم البناء أو التأهيل، وكلفة توفير الطرق والماء والكهرباء والصرف الصحي والمدارس والمراكز الصحية والنقل.

فالسكن الملائم لا يقتصر على جدران آمنة، بل يتطلب بيئة تسمح للأسر بالعيش الكريم والوصول إلى الخدمات وفرص العمل. وإذا لم يربط البرنامج سياسة السكن بالتنمية المحلية، فقد يحقق نتائج كمية في البناء دون أن يعالج أسباب الهشاشة المجالية.

التحويلات إلى الجهات: شرط ضروري وليس ضماناً للإنصاف

تعهد البرنامج برفع التحويلات المالية لفائدة الجهات إلى ما لا يقل عن 12 مليار درهم ابتداءً من سنة 2027، مع تعزيز استقلاليتها وإعادة هندسة الاختصاصات وتعميم عقود البرامج بين الدولة والجهات وربطها بأهداف التشغيل والاستثمار وتقليص الفوارق. ويمثل مبلغ 12 مليار درهم مستوى مستهدفاً للتحويلات ابتداءً من 2027، وليس بالضرورة زيادة إضافية صافية بالمقدار نفسه على ما كان محولاً سابقاً.

ويمثل هذا الالتزام فرصة لتقوية التنمية الترابية، لكنه لا يضمن تلقائياً توزيعاً أكثر إنصافاً للموارد أو تحسناً متكافئاً في الخدمات.

فنجاحه يتوقف على معايير توزيع التحويلات، وقدرة الجهات على إعداد المشاريع وتنفيذها، وتوفر الموارد البشرية المؤهلة، ووضوح المسؤوليات بين الدولة والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية.

كما يتطلب قياس الأثر بمؤشرات جهوية تسمح بمقارنة التطور في الولوج إلى الصحة والتعليم والسكن والماء والنقل وفرص العمل، بدلاً من الاكتفاء بحجم الاعتمادات المالية المرصودة.

ومن الضروري أيضاً التمييز بين زيادة الموارد المالية للجهات وإعادة توزيعها على أساس الحاجات. فقد تتسع التحويلات دون أن تنخفض الفوارق إذا لم تُوجَّه الموارد بما يتناسب مع حجم الخصاص الاجتماعي والمجالي.

سابعاً: النساء والأسرة والفئات الهشة… من الالتزام العام إلى الأثر القابل للقياس

يتضمن البرنامج التزامات تتعلق بتمكين النساء اقتصادياً، وتعزيز المساواة وتكافؤ الفرص، ومحاربة العنف ضد النساء، وتحسين الولوج إلى التعليم والصحة والحماية الاجتماعية، إلى جانب حماية الأطفال والأشخاص في وضعية إعاقة والمسنين، ومواصلة إصلاح مدونة الأسرة.

وتكتسب هذه الالتزامات أهميتها من ارتباطها بمصادر متعددة للهشاشة، لا تختزل في الدخل وحده. فقد تعاني الأسرة من ضعف الدخل، أو صعوبة الوصول إلى الخدمات، أو غياب الحماية عند فقدان المعيل، أو التمييز الذي يحد من المشاركة الاقتصادية.

لكن البرنامج يحتاج، في هذه المجالات، إلى أهداف كمية أكثر تحديداً تسمح بتقييم أثر السياسات، مثل تطور مشاركة النساء في سوق الشغل، ونسبة المستفيدات من برامج الإدماج الاقتصادي، ومدى تحسن الخدمات المقدمة للأشخاص في وضعية إعاقة، وتطور الولوج الفعلي إلى الحماية الاجتماعية.

كما أن تحسين أوضاع النساء لا يمكن أن يتحقق بالبرامج الاجتماعية وحدها؛ إذ يرتبط أيضاً بتوفر فرص العمل اللائق، وخدمات رعاية الأطفال، والنقل، وشروط العمل، وتقاسم المسؤوليات الأسرية.

ويُظهر ذلك أن الإنصاف الاجتماعي ليس قطاعاً مستقلاً عن النمو، بل شرط من شروط توسيع قاعدة المشاركة الاقتصادية وتحسين توزيع ثمار التنمية.

ثامناً: معادلة التمويل… هل تستطيع المالية العمومية استيعاب الطموح الاجتماعي؟

يمثل التمويل أحد اختبارات تنفيذ التعهدات، إذ يجمع الخطاب بين الرفع التدريجي للدعم والمعاشات، وتطوير الصحة والتعليم والتشغيل والسكن، وتعزيز موارد الجهات، وبين هدف إبقاء عجز الميزانية في حدود % 3 من الناتج الداخلي الإجمالي طوال 2026 إلى 2031، ووضع المديونية العمومية على مسار تنازلي نحو % 62 من الناتج بحلول 2031. والرقمان الأخيران هدفان حكوميان معلنان، ولا يعكسان بالضرورة النتائج الفعلية أو التقديرات المستقلة للسنوات الأولى.

وتعلن الحكومة أنها ستعتمد على توسيع الوعاء الضريبي، وتحسين نجاعة الإنفاق، والاستفادة من أثر النمو، وزيادة مساهمة المؤسسات والمقاولات العمومية.

هذه توجهات معقولة من حيث المبدأ، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات أن جميع الالتزامات قابلة للتمويل في الوقت نفسه.

هدف العجز: التوفيق بين ضبط المالية العمومية وتوسيع الإنفاق الاجتماعي

توقّع صندوق النقد الدولي، في مارس 2026، انخفاض عجز الميزانية من % 3,5 من الناتج الداخلي الإجمالي سنة 2025 إلى % 3,4 سنة 2026، ثم % 3,3 سنة 2027، قبل بلوغه نحو % 3 في سنة 2030. كما توقع مساراً تنازلياً لدين الحكومة المركزية وفق تعريفه الإحصائي؛ وهو نطاق ينبغي عدم مساواته آلياً بأي مؤشر أوسع لـ«المديونية العمومية» قد تعتمده الحكومة.

تبرز هنا نقطة تستحق التوضيح: يستهدف الخطاب الحكومي عجزاً في حدود % 3 طوال الفترة 2026 إلى 2031، بينما كانت توقعات صندوق النقد الدولي في مارس 2026 تشير إلى % 3,4 سنة 2026 و% 3,3 سنة 2027، وتوقعات المندوبية السامية للتخطيط في يوليو 2026 تشير إلى % 3,4 و% 3,2 على التوالي. ولا يثبت هذا التعارض بين الهدف والتوقعات استحالة تحقيق الهدف، لكنه يستدعي نشر مسار سنوي واضح وتدابير تمويل قابلة للقياس.

لكن المشكلة ليست في إمكانية خفض العجز من حيث المبدأ، بل في كيفية تحقيق ذلك مع تمويل الالتزامات الاجتماعية الجديدة، ومواصلة الاستثمارات الكبرى، وتحسين الخدمات العمومية.

فإذا تحقق النمو المتوقع وارتفعت الإيرادات الضريبية، فقد تتوسع قدرة الدولة على تمويل الإنفاق الاجتماعي. أما إذا تباطأ النمو أو ارتفعت كلفة الطاقة والاستيراد أو تراجعت الإيرادات، فستصبح المفاضلة بين النفقات أكثر صعوبة.

ولهذا، فإن السؤال الحاسم ليس هل يمكن ضبط العجز وتوسيع الإنفاق الاجتماعي معاً، بل ما الترتيب الذي ستعتمده الحكومة للأولويات، وما النفقات التي ستعيد هيكلتها، وما الموارد الإضافية التي ستعبئها، وكيف ستتعامل مع سيناريو تباطؤ النمو؟

توسيع الوعاء الضريبي: إمكانات حقيقية، لكنها ليست مورداً غير محدود

تراهن الحكومة على توسيع الوعاء الضريبي وتحسين نجاعة الإنفاق. ويمثل توسيع الامتثال الضريبي، ومكافحة التهرب، وتحسين تحصيل المستحقات، وتقليص الامتيازات غير المبررة، مسارات يمكن أن تزيد موارد الدولة من دون اللجوء بالضرورة إلى رفع الضرائب على الفئات نفسها.

لكن نجاح هذه المقاربة يتطلب إجراءات قابلة للقياس، مثل تحديد الإيرادات الإضافية المستهدفة، وتوضيح مساهمة كل تدبير في تحقيقها، ومراقبة أثرها على المقاولات والأجراء والاستهلاك والاستثمار.

كما ينبغي التمييز بين توسيع الوعاء الضريبي نتيجة إدماج أنشطة اقتصادية غير مصرح بها، وبين رفع العبء على الفاعلين الملتزمين أصلاً. فالهدف هو تحسين عدالة النظام الضريبي وفعاليته، لا مجرد زيادة الإيرادات كيفما كانت آثارها الاقتصادية.

تحسين نجاعة الإنفاق: أين يمكن تحقيق الوفورات؟

يكتسب هذا الالتزام أهمية خاصة لأن البرنامج يقر بأن حجم الاستثمار لا يضمن مردوديته، وأن جودة الخدمات وأثرها الفعلي ينبغي أن يتصدرا الأولويات.

أكد صندوق النقد الدولي، في تحليله لكفاءة الإنفاق العمومي، أن تحسين اختيار المشروعات وترتيب الأولويات والتنفيذ والتقييم يمكن أن يرفع مردودية الإنفاق، ولا سيما في الخدمات الاجتماعية. غير أن حجم الوفر المحتمل لا يجوز اعتباره مورداً محققاً قبل تحديد الإجراءات ونتائجها الفعلية.
لكن تحسين النجاعة ليس مجرد شعار محاسبي. فهو يتطلب مراجعة المشاريع المتعثرة، وتقييم أثر النفقات، وتقليص التكرار بين البرامج، وتحسين حكامة المؤسسات العمومية، وربط التمويل بالنتائج.

كما ينبغي ألا يتحول البحث عن الوفورات إلى تقليص آلي للنفقات الاجتماعية أو الاستثمارية الضرورية. فخفض الإنفاق الذي يمس جودة المدرسة أو المستشفى قد يحسن المؤشرات المالية مؤقتاً، لكنه يفاقم الكلفة الاجتماعية والاقتصادية على المدى الطويل.

الاختبار الحقيقي: تقدير كلفة الالتزامات وربطها بالسنوات

يتضمن البرنامج أهدافاً كمية متعددة، لكن الحكم على قابليتها للإنجاز يقتضي جمعها في إطار مالي متوسط الأجل، يحدد لكل التزام:

• كلفته الإجمالية والسنوية، مع التمييز بين النفقات الجارية والاستثمارية.
• عدد المستفيدين وشروط الاستحقاق.
• مصادر التمويل، ومساهمة الميزانية العامة والأنظمة الاجتماعية والجهات والمؤسسات العمومية.
• الآثار المتوقعة على العجز والمديونية.
• السيناريوهات البديلة إذا جاء النمو أو تحصيل الإيرادات دون التوقعات.

ومن دون إطار مالي متعدد السنوات يربط كل التزام بكلفته وجدوله الزمني ومصدر تمويله، يبقى التحقق المستقل من إمكانية جمع هذه الأهداف في سقف مالي واحد محدوداً. ولا يعني ذلك الجزم بعدم وجود دراسات داخلية؛ فخطاب التقديم ليس وثيقة مالية تفصيلية، وسيحتاج هذا التقييم إلى مشاريع قوانين المالية والبرمجة الميزانياتية متعددة السنوات والتقارير المرافقة.

ولا يعني ذلك أن البرنامج يفتقر بالضرورة إلى دراسات مالية داخلية؛ بل إن الخطاب المرفق لا يعرض كل البيانات اللازمة للتحقق المستقل من هذه المسألة.

تاسعاً: مصفوفة متابعة التعهدات وشروط التحقق من إنجازها

تلخص المصفوفة التالية التعهدات الاجتماعية الرئيسية، وتحدد المعلومات الضرورية للتحقق من التنفيذ لاحقاً. وهي أداة متابعة للنتائج، وليست حكماً مسبقاً على نجاح الحكومة أو إخفاقها.

تركز المصفوفة على التمييز بين إعلان الهدف واعتماد القواعد التطبيقية وتوفير التمويل وظهور النتائج القابلة للقياس، مع مراعاة الاختلاف بين المؤشرات المالية والمؤشرات المتعلقة بجودة الخدمة.

خاتمة: من إعلان التعهدات إلى قياس النتائج

قدم التصريح الحكومي للفترة 2026 إلى 2031 التزامات اجتماعية متعددة، وأقر بأن التحدي لم يعد مقتصراً على توسيع البرامج والاستثمارات، بل أصبح مرتبطاً بتحويل الموارد الاقتصادية إلى خدمات ذات جودة وفرص شغل ودخل حقيقي أفضل، وتقليص الفوارق بين الفئات والمجالات.

وتتمثل إحدى نقاط قوته في تحديد أهداف كمية في مجالات الدعم الاجتماعي والمعاشات والتشغيل والتعليم والسكن والتنمية الجهوية، وفي إعلانه الانتقال من توسيع التغطية إلى جودة الخدمة، ومن حجم الاستثمار إلى مردوديته.

لكن هذه الأهداف تواجه ثلاثة اختبارات مترابطة.

الاختبار الاقتصادي: هل تسمح الإصلاحات والاستثمارات بتحقيق متوسط نمو سنوي يبلغ % 5 خلال 2027 إلى 2031، مع زيادة كافية في التشغيل والإنتاجية؟ وتُظهر التوقعات المنشورة أن المسار المستهدف يحتاج إلى تبرير اقتصادي مفصل، لا إلى مقارنة شكلية بين أرقام تنتمي إلى آفاق زمنية مختلفة.

الاختبار الثاني اجتماعي: هل ستتحول البرامج المعلنة إلى تحسن ملموس في الدخل الحقيقي، وجودة التعليم والصحة، وفرص العمل المستقرة، والإنصاف المجالي؟ فارتفاع عدد المستفيدين من الدعم أو التكوين لا يساوي بالضرورة انخفاض الفقر أو البطالة أو الهشاشة.

الاختبار الثالث مالي ومؤسساتي: هل تستطيع الدولة تمويل الالتزامات الاجتماعية مع ضبط العجز وخفض المديونية، وهل تتوفر المؤسسات العمومية والجهات على الموارد والقدرات اللازمة لتنفيذ البرامج في آجالها؟

لا تتيح المعطيات المتاحة الجزم سلفاً بتحقق الأهداف أو تعذرها. والأدق هو تتبع ما سيُترجم منها إلى نصوص تطبيقية واعتمادات سنوية ومشروعات منفذة، ثم تقييم الأثر الفعلي على الأسر والجهات والفئات المستهدفة، في ضوء الظروف الاقتصادية والمناخية والمالية.

وعليه، يقدم الخطاب طموحاً اجتماعياً محدداً في عدد من المجالات وآليات عامة للتمويل، لكنه لا يقدم وحده بيانات كافية لتحديد الكلفة الإجمالية لكل التزام أو للتحقق من قابلية الإنجاز في كل سنة من سنوات الولاية. وتظل الوثائق الميزانياتية والتشريعية والتقييمات المستقلة حاسمة لاستكمال هذا الاختبار.

لا تُقاس الدولة الاجتماعية بعدد الوعود وحده، ولا بمجرد ارتفاع اعتمادات الإنفاق، بل بتطور الدخل الحقيقي والتشغيل وجودة الصحة والتعليم وفعالية الحماية الاجتماعية والإنصاف الترابي، مع القدرة على استدامة التمويل. وعلى أساس هذه النتائج ينبغي أن تُقرأ حصيلة البرنامج خلال سنوات تنفيذه.

المصادر والمراجع المعتمدة

• التصريح الحكومي للفترة 2026 إلى 2031، المقدم أمام مجلسي البرلمان بتاريخ 19 أكتوبر 2026.
• المندوبية السامية للتخطيط: الحسابات الوطنية المؤقتة لسنة 2025 (يونيو 2026)، والميزانية الاقتصادية الاستشرافية لسنة 2027 (يوليو 2026)، ونتائج سوق الشغل للربع الثاني 2026 بالمنهجية الجديدة.
• صندوق النقد الدولي: مشاورات المادة الرابعة مع المغرب (مارس 2026)، ودراسة كفاءة الإنفاق العمومي في قطاعي الصحة والتعليم (2026).
• البنك الدولي: تقرير «النمو وفرص الشغل في المغرب» (أبريل 2026)، والتحديث الاقتصادي للمغرب «ترسيخ النمو والتحول الرقمي بوصفه رافعة للإنتاجية» (يوليو 2026).
• المندوبية السامية للتخطيط: الدراسة الإحصائية للشباب خارج الشغل والتعليم والتكوين (2026، استناداً إلى بيانات سابقة). وزارة التربية الوطنية: خارطة الطريق 2022 إلى 2026 المتعلقة بالتسرب المدرسي. مراجع تشريعية ومؤسساتية لأنظمة معاشات ذوي الحقوق.