فاطمة الزهراء المنصوري
سياسة

“معارضة المستشارين” تنتقد لغة النوايا ببرنامج الحكومة وتطالب بمحاسبة “فراقشية الكرافطة”

وجهت المعارضة بمجلس المستشارين انتقادات للبرنامج الحكومي الذي قدمته رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري أمام البرلمان، معتبرة أن عددا من الالتزامات المعلنة لا تزال تفتقر إلى الوضوح بشأن آليات التنفيذ والجدولة الزمنية والتمويل، مطالبة بتقديم أجوبة ملموسة عن قضايا التشغيل والصحة والتعليم وإصلاح التقاعد وحماية القدرة الشرائية للمواطنين.

وفي هذا السياق، اعتبر محمد البكوري، رئيس فريق التجمع الوطني للأحرار بمجلس المستشارين، أن البرنامج الحكومي لا يعكس تغييرا فعليا في السياسات العمومية، بل يكرس استمرارية اختيارات ومشاريع الحكومة السابقة التي قادها عزيز أخنوش، مشيرا إلى أن الحكومة الجديدة لم تقدم، بحسب تقييم فريقه، بديلا اقتصاديا واجتماعيا وتنمويا واضحا يستجيب لتطلعات الشباب والأجيال المقبلة.

وقال البكوري، خلال مناقشة البرنامج الحكومي، إن فريقه كان ينتظر من الحكومة التي تقدم نفسها باعتبارها حكومة سياسية منسجمة أن تعرض رؤية مبتكرة ومسارات جديدة لمواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية، غير أن مضامين البرنامج، وفق تعبيره، تعكس استمرارا للمشاريع والإصلاحات السابقة، من قبيل تعميم الحماية الاجتماعية والدعم الاجتماعي المباشر، وإصلاح قطاعي الصحة والتعليم، وبرنامج دعم السكن الرئيسي.

وتساءل رئيس فريق التجمع الوطني للأحرار عن مدى انسجام البرنامج الحكومي مع الالتزامات المشتركة للأغلبية الجديدة، منتقدا غياب تصور واضح بشأن ما ستحتفظ به الحكومة من الاختيارات السابقة وما ستعمل على تغييره، والإجراءات التي ستعتمدها لتجاوز الاختلالات المحتملة.

وفي الشق الاجتماعي، أثار البكوري مسألة الرفع التدريجي للدعم الاجتماعي المباشر من 500 إلى 1000 درهم، معتبرا أن تحديد هذا الهدف بحلول نهاية الولاية الحكومية يطرح تساؤلات بشأن توقيت التنفيذ وتكافؤ الفرص، كما دعا إلى وضع جدول زمني واضح لإصلاح أنظمة التقاعد، محذرا من الكلفة الاجتماعية والاقتصادية المترتبة عن استمرار التأخر في معالجة هذا الملف.

وبخصوص الصحة والتعليم، دعا إلى مواصلة تأهيل المراكز الصحية للقرب وبناء وتجهيز المراكز الاستشفائية الجامعية وتعزيز الموارد البشرية، معتبرا أن البرنامج الحكومي لم يقدم تصورا واضحا يتجاوز الإصلاحات الهيكلية التي أطلقتها الحكومة السابقة. كما شدد على ضرورة مواصلة إصلاح التعليم وتحسين التعلمات الأساسية، ورفع ميزانية القطاع، إلى جانب توضيح شروط تحقيق الأهداف الاقتصادية المعلنة، خاصة بلوغ نمو بنسبة 5 في المائة سنويا، وخفض التضخم وعجز الميزانية والدين العمومي.

وانتقد البكوري، أيضا، استمرار الحكومة في تبني هدف إحداث مليون منصب شغل، متسائلا عن مدى قدرة البرامج التكوينية والتدريبية المعلن عنها على تحقيق هذا الالتزام في ظل استمرار البطالة، ولا سيما في صفوف الشباب حاملي الشهادات. كما دعا إلى اتخاذ تدابير استعجالية لمواجهة غلاء الأسعار وحماية القدرة الشرائية، وتوضيح الإجراءات المرتقبة لخفض أسعار المواد الأساسية، مع تسجيل ما اعتبره محدودية الالتزامات المتعلقة بالعالم القروي والمناطق الجبلية ومغاربة العالم.

ورغم هذه الانتقادات، أكد البكوري أن فريق التجمع الوطني للأحرار لا يحمل موقفا مسبقا من الحكومة الجديدة ولا يسعى إلى الحكم على تجربتها بالفشل منذ بدايتها، معلنا توجهه نحو ممارسة معارضة مسؤولة وبناءة وموضوعية، تقوم على مراقبة الأداء الحكومي وتتبع تنفيذ الالتزامات، معتبرا أن البرنامج المقدم لم يترجم بعد مفهوم “الحكومة السياسية” إلى إجراءات ملموسة ومحددة التمويل والآجال.

من جهته، ركز يونس ملال، المستشار البرلماني عن الفريق الحركي بمجلس المستشارين، على ضرورة إعطاء الأولوية للورش الاجتماعية الكبرى، وفي مقدمتها تعميم الحماية الاجتماعية، داعيا الحكومة إلى تجاوز المقاربة القائمة على المؤشرات والخوارزميات في تحديد المستفيدين من الدعم، وإحداث آلية تراعي الحالات الاجتماعية والإنسانية التي قد لا تعكسها الأرقام بدقة.

وانتقد ملال الرفع التدريجي للدعم الاجتماعي المباشر من 500 إلى 1000 درهم خلال خمس سنوات، متسائلا عن جدوى الزيادة السنوية التي لا تتجاوز 100 درهم، وعن مصير الالتزامات المرتبطة بتحسين أوضاع الفئات الهشة. كما أثار مسألة إخراج نحو أربعة ملايين مغربي من التغطية الصحية، داعيا إلى إيجاد حلول لإدماج العاملين في القطاع غير المهيكل وتمكينهم من الاستفادة من الحماية الصحية.

وفي هذا الإطار، طالب الفريق الحركي برفع ميزانية قطاع الصحة ومعالجة الخصاص في الموارد البشرية والتجهيزات، داعيا الحكومة والوزير الوصي على القطاع إلى القيام بزيارات ميدانية للأقاليم والمدن وفتح حوار مع مهنيي الصحة. واستحضر، في هذا الصدد، وضعية المستشفى الإقليمي بمكناس، معتبرا أنه يفتقر إلى الحد الأدنى من الشروط والإمكانات والموارد البشرية اللازمة لتقديم خدمات صحية لائقة.

كما دعا إلى تشديد مراقبة القطاع الصحي الخاص والتصدي للممارسات التي تستغل معاناة المرضى، منتقدا استمرار مطالبة بعض المواطنين بتقديم شيكات أو أداء مبالغ غير معلنة قبل الولوج إلى المصحات، ومشددا على ضرورة تدخل الدولة لوضع حد لهذه الممارسات.

وفي قطاع التعليم، اعتبر ملال أن البرنامج الحكومي لم يقدم رؤية متكاملة لتطوير المنظومة خلال السنوات الخمس المقبلة، داعيا إلى تقييم تجربة مدارس الريادة وتحديد مكامن الخصاص قبل توسيعها، والعمل على تحسين ترتيب المغرب في المؤشرات التعليمية والجامعية. كما طالب بمراجعة شرط السن المحدد في 30 سنة للولوج إلى مهنة التدريس، معتبرا أن هذا الشرط يحرم المنظومة من طاقات شابة قادرة على الإسهام في إصلاح القطاع.

وأثار المتحدث ذاته ارتفاع كلفة التعليم الخاص، داعيا إلى البحث عن آليات لتخفيف العبء المالي عن الأسر، خاصة الطبقة المتوسطة التي أصبحت، بحسب تعبيره، تجد نفسها مضطرة إلى اللجوء إلى هذا النوع من التعليم.

وفي ملف التشغيل، انتقد ملال غياب استراتيجية واضحة ومؤطرة زمنيا لتحقيق هدف إحداث مليون فرصة شغل، متسائلا عن عدد المناصب التي تعتزم الحكومة إحداثها فعليا خلال ولايتها. كما حذر من استمرار إقصاء ملايين الشباب من منظومتي التعليم والشغل، داعيا إلى وضع برامج تستجيب لظروفهم وتطلعاتهم، والإنصات إليهم بدل الاكتفاء بمقاربات لا تواكب تحولات الجيل الحالي.

وحث المستشار عن الفريق الحركي الحكومة على توضيح تصورها لإصلاح أنظمة التقاعد والرفع من الحد الأدنى للمعاشات، منتقدا استمرار تأجيل الإصلاحات الهيكلية للصناديق، ومعتبرا أن الوضعية الحالية لم تعد تحتمل مزيدا من الانتظار.

وفي ما يتعلق بالقدرة الشرائية، دعا ملال إلى مراجعة سلاسل الإنتاج والتوزيع بما يضمن استفادة المنتجين الصغار من القيمة المضافة، والحد من الأرباح التي يجنيها الوسطاء، مطالبا بإحداث لجنة لتقصي الحقائق بشأن اختلالات برامج الدعم، والتحقق من أوجه صرف المال العام وترتيب المسؤوليات عند ثبوت أي تجاوزات.

كما دعا إلى اتخاذ إجراءات ملموسة بشأن أسعار المحروقات، من خلال فتح النقاش حول تسقيف هوامش الأرباح ومراجعة الضرائب المفروضة عليها، إلى جانب إثارة مسألة المخزون الاستراتيجي وإمكانية إعادة تشغيل نشاط التكرير أو إشراك مستثمرين آخرين لتوفير المنتجات بأسعار أقل.

وفي مجال الحكامة ومحاربة الفساد، طالب ملال بإعادة طرح مشروع القانون المتعلق بالإثراء غير المشروع للنقاش، ومراجعة المقتضيات التي اعتبر أنها تقيد عمل الجمعيات والمجتمع المدني، بما يضمن حقها في التبليغ عن الاختلالات. وشدد على ضرورة ربط المسؤولية بالمحاسبة، ومنع تضارب المصالح بين ممارسة السياسة والتعاملات التجارية مع الدولة.

وفي سياق حديثه عن اختلالات برامج الدعم ومحاربة الفساد، استخدم ملال تعبير “فراقشية ربطة العنق”، في إشارة إلى من اتهمهم بالاستيلاء على المال العام وخيانة المالية العامة، مطالبا بالكشف عن المستفيدين من الاختلالات ومحاسبتهم وإلزامهم بإرجاع الأموال التي حصلوا عليها دون وجه حق. وقال في هذا الصدد: “حنا ما كنسماوش فراقشية، را هدوك را بالصواب كنلبسوهم كرافتات”، قبل أن يشدد على ضرورة معرفة المتورطين وترتيب المسؤوليات بشأن ما وصفه بنهب أموال المغاربة.

وأكد المتحدث على استعداد فريقه للتعاون مع الحكومة في كل المبادرات التي تخدم المواطن المغربي، معتبرا أن المعارضة لا ينبغي أن تتحول إلى عرقلة لعمل الحكومة، بل يتعين أن تسهم في تجويد القوانين والسياسات العمومية متى كانت في مصلحة البلاد والمواطنين.