تواجه صناعة السيارات المغربية تحديا تجاريا جديدا، عقب توصل فرنسا وألمانيا إلى اتفاق مشترك بشأن مستقبل صناعة السيارات الأوروبية، يتضمن تعزيز مبدأ الأفضلية للمنتجات المصنعة داخل أوروبا، في خطوة قد تؤثر على تنافسية السيارات المنتجة بالمغرب، خصوصا تلك الموجهة للتصدير نحو الأسواق الأوروبية.
ويأتي هذا التطور في وقت يسعى فيه الاتحاد الأوروبي إلى حماية قاعدته الصناعية من المنافسة الخارجية، ولا سيما الصينية، وتشجيع شركات السيارات على الاحتفاظ باستثماراتها وخطوط إنتاجها داخل القارة، بما يثير تساؤلات حول مستقبل المصانع الأوروبية المستقرة بالمغرب، وفي مقدمتها مصانع مجموعتي رونو وستيلانتيس.
وبحسب البيان الرسمي المشترك الصادر عن الرئاسة الفرنسية في 16 أكتوبر 2026، توصلت باريس وبرلين إلى تفاهم يهدف إلى تعزيز القدرة التنافسية للصناعة الأوروبية، وتطوير إنتاج السيارات الكهربائية داخل أوروبا، مع تقديم حوافز للاستثمار والابتكار وتعزيز سلاسل التوريد المحلية.
وأكد البلدان أن الهدف يتمثل في ضمان تصنيع سيارات المستقبل داخل أوروبا، بالتوازي مع مواصلة خفض الانبعاثات الكربونية، من خلال إجراءات تجمع بين الدعم الصناعي والمرونة التنظيمية.
دعم السيارات الأوروبية يهدد تنافسية الإنتاج المغربي
وتكمن أبرز التداعيات المحتملة لهذا التوجه بالنسبة إلى المغرب في إمكانية استبعاد السيارات المصنعة خارج النطاق الأوروبي المحدد من بعض برامج الدعم العمومي والحوافز المخصصة لاقتناء السيارات النظيفة، حتى عندما تكون هذه السيارات تابعة لعلامات تجارية أوروبية.
وبموجب التوجه الذي تدافع عنه باريس وبرلين، يمكن أن تستفيد السيارات المصنعة داخل الاتحاد الأوروبي وبعض البلدان الأوروبية الشريكة من معاملة تفضيلية في المشتريات العمومية وبرامج التحفيز، وهو ما قد يضع السيارات المصنعة بالمغرب في وضع تنافسي أقل ملاءمة.
وأفادت وكالة رويترز، في تقرير نشرته يوم 16 أكتوبر، بأن التفاهم الفرنسي الألماني يشمل مقترحات لتحديد النطاق الجغرافي للمنتجات المستفيدة من الأفضلية الأوروبية، مع إمكانية إدراج المملكة المتحدة ضمن هذه المنظومة بشروط مرتبطة بالمعاملة بالمثل والتقارب التجاري.
غير أن الاتفاق لا يزال بحاجة إلى استكمال المسار التشريعي الأوروبي، ولا يشكل في حد ذاته قانونا نافذا يفرض رسوما جمركية جديدة على السيارات المغربية.
ويطرح هذا التحول تساؤلات بشأن مستقبل سيارات من قبيل “داسيا سانديرو”، التي يجري تصنيعها بالمغرب وتصديرها إلى الأسواق الأوروبية، إذ قد تجد نفسها في منافسة مع سيارات مصنعة داخل الاتحاد الأوروبي تستفيد من حوافز لا تشمل بالضرورة الإنتاج المغربي.
لكن التأثير لن يكون موحدا على جميع الطرازات؛ فالسيارات التقليدية قد تتأثر بدرجة مختلفة عن السيارات الكهربائية والهجينة، تبعا لطبيعة الدعم وشروط الاستفادة منه، فضلا عن السعر النهائي وتكاليف الإنتاج.
هل تفرض أوروبا رسوما جمركية جديدة على السيارات المغربية؟
وعلى خلاف ما قد توحي به بعض القراءات المتداولة للاتفاق، لا توجد، في المعطيات الرسمية المعلنة، مقتضيات تثبت اتخاذ قرار أوروبي بفرض رسوم جمركية إضافية عامة على السيارات المصنعة بالمغرب.
ويستفيد المغرب من اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، التي دخلت حيز التنفيذ سنة 2000، وأفضت إلى تحرير المبادلات الصناعية بين الطرفين، مع إعفاء المنتجات المستوفية لشروط المنشأ من الرسوم الجمركية.
وتؤكد وزارة الصناعة والتجارة المغربية أن المبادلات الصناعية بين المغرب والاتحاد الأوروبي تتم في إطار الإعفاء الجمركي منذ استكمال منطقة التبادل الحر سنة 2012، وفق القواعد المعمول بها.
ويعني ذلك أن الخطر الأكثر وضوحا في المرحلة الحالية لا يتعلق بزيادة تلقائية في الرسوم الجمركية على السيارات المغربية، وإنما بإمكانية حرمانها من امتيازات تنافسية تمنح للسيارات المنتجة داخل أوروبا.
وهذا التمييز أساسي، لأن الإعفاء الجمركي بموجب اتفاقية تجارية يختلف قانونيا عن شروط الحصول على الدعم العمومي أو الاستفادة من برامج المشتريات الحكومية.
شروط جديدة للمكونات المحلية ومخاوف على استثمارات السيارات الكهربائية
ولا تقتصر المخاوف المرتبطة بالسياسة الصناعية الأوروبية الجديدة على السيارات الجاهزة، بل تمتد إلى مكونات السيارات والبطاريات، في ظل توجه أوروبي نحو تعزيز نسبة القيمة المضافة المحلية داخل سلاسل الإنتاج.
وكانت المفوضية الأوروبية قد قدمت، في 4 مارس 2026، مقترح قانون تسريع الصناعة الأوروبية (Industrial Accelerator Act)، الذي يهدف إلى تشجيع الطلب على المنتجات المصنعة داخل الاتحاد الأوروبي، من خلال إدراج شروط مرتبطة بالمنشأ الأوروبي في بعض الصفقات العمومية وبرامج الدعم.
ويشمل المقترح قطاعات استراتيجية، من بينها السيارات والصلب والألمنيوم والتكنولوجيات منخفضة الانبعاثات، بهدف تعزيز الإنتاج المحلي وتقليص الاعتماد على الموردين الخارجيين.
وأبدت الجمعية الأوروبية لمصنعي السيارات (ACEA)، في 16 أكتوبر الجاري، تحفظات على بعض جوانب التفاهم الفرنسي الألماني، خصوصا ضيق نطاقه الجغرافي، والمقترح المتعلق بنسبة 80 في المائة على مستوى أساطيل المركبات، معتبرة أن بعض الشروط المقترحة طموحة للغاية ولا تراعي بما يكفي تعقيدات سلاسل القيمة الصناعية.
وقد ينعكس هذا التوجه على المغرب، الذي يستقطب استثمارات مرتبطة بصناعة السيارات الكهربائية والبطاريات ومكوناتها، إذا أصبحت الاستفادة من الحوافز الأوروبية مرتبطة بنسب محددة من المكونات المنتجة داخل أوروبا.
ومن شأن هذه الشروط، في حال إقرارها بصيغتها الأكثر تقييدا، أن تدفع بعض الشركات إلى إعادة تقييم توزيع استثماراتها بين مصانعها الأوروبية ومواقع الإنتاج الموجودة خارج الاتحاد، بما فيها المغرب.
غير أن ذلك لا يعني بالضرورة نقل المصانع الحالية، إذ تظل قرارات الاستثمار مرتبطة أيضا بتكاليف الإنتاج واليد العاملة والبنية التحتية واتفاقيات التجارة وحجم الطلب.
منافسة إسبانية وصينية على سوق السيارات الأوروبية
ومن المرجح أن تستفيد الدول الأوروبية التي تتوفر على قواعد صناعية متطورة، ومن بينها إسبانيا وفرنسا وألمانيا، من الإجراءات الرامية إلى توجيه الدعم نحو الإنتاج المحلي.
وقد يمنح هذا التوجه أفضلية لبعض السيارات المنتجة داخل الاتحاد الأوروبي، بما فيها طرازات علامات مثل “سيات”، مقارنة بمركبات تنتجها شركات أوروبية في مصانع خارج القارة.
لكن هذه الأفضلية المحتملة لا تعني بالضرورة انتعاش مبيعات علامة بعينها، لأن ذلك يظل رهينا بأسعار السيارات وجودتها وتنافسيتها واستراتيجية الشركات المصنعة.
كما قد تتأثر شركات يابانية وكورية وغيرها من المجموعات الدولية بحسب أماكن إنتاج طرازاتها، وليس فقط بحسب جنسية العلامة التجارية.
فعلى سبيل المثال، يمكن أن يختلف وضع سيارة “تويوتا ياريس كروس” المصنعة بفرنسا عن وضع سيارة تابعة للعلامة نفسها يجري استيرادها من مصنع خارج النطاق الجغرافي المستفيد من الحوافز الأوروبية.
ويأتي ذلك بالتزامن مع اشتداد المنافسة الصينية في سوق السيارات الكهربائية الأوروبية، ومحاولات بروكسيل تقليص التبعية الصناعية للخارج، مع المحافظة على قدرات شركاتها على المنافسة عالميا.
هل تنخفض أسعار السيارات الكهربائية بالمغرب؟
ويفتح التحول المرتقب في السياسة الأوروبية الباب أمام تساؤلات بشأن انعكاساته على السوق المغربية، خصوصا أسعار السيارات الكهربائية والهجينة التي قد تنتجها المصانع المحلية خلال السنوات المقبلة.
ففي سيناريو أول، قد يدفع تراجع جاذبية بعض الطرازات المصنعة بالمغرب في الأسواق الأوروبية الشركات المنتجة إلى البحث عن أسواق بديلة، أو تعزيز مبيعاتها محليا، وهو ما يمكن أن يساهم في زيادة العرض وربما تخفيض الأسعار، إذا توافرت الظروف التجارية المناسبة.
غير أن هذا السيناريو يظل افتراضيا، لأن السيارات الموجهة للتصدير تخضع لاستراتيجيات إنتاج وتسويق محددة، ولا يعني تراجع الطلب الخارجي بالضرورة تحويل الإنتاج إلى السوق المغربية.
أما السيناريو الثاني، فيتمثل في احتمال إعادة توجيه بعض الاستثمارات المستقبلية نحو مصانع أوروبية للاستفادة من الدعم والحوافز الصناعية، وهو ما قد يحد من فرص المغرب في استقطاب خطوط إنتاج جديدة للسيارات الكهربائية والهجينة.
وفي هذه الحالة، قد يتزايد اعتماد السوق المغربية على بعض الطرازات المستوردة، دون أن يعني ذلك بالضرورة ارتفاع أسعارها، بالنظر إلى تأثير اتفاقيات التبادل الحر وتكاليف الإنتاج والنقل والضرائب وهوامش التوزيع.
وبذلك، يبقى تحديد الانعكاس النهائي على أسعار السيارات بالمغرب سابقا لأوانه، في انتظار معرفة الصيغة النهائية للتشريعات الأوروبية والقرارات الاستثمارية التي ستتخذها الشركات المصنعة.
المغرب أمام اختبار للحفاظ على موقعه الصناعي
ويضع الاتفاق الفرنسي الألماني المغرب أمام تحد يتمثل في الحفاظ على جاذبيته الصناعية، في وقت تتجه فيه القوى الاقتصادية الكبرى إلى ربط الدعم العمومي بتوطين الإنتاج وخلق فرص الشغل داخل حدودها.
ويبدو أن الرهان بالنسبة إلى المغرب لن يقتصر على مواصلة توفير تكاليف إنتاج تنافسية، بل سيمتد إلى تعزيز نسبة الإدماج المحلي وتطوير صناعة البطاريات والمكونات عالية القيمة المضافة، وتنويع أسواق التصدير لتقليص الاعتماد على الطلب الأوروبي.
كما تبرز أهمية متابعة المفاوضات الأوروبية بشأن النطاق الجغرافي للأفضلية الصناعية، ومدى إمكانية استفادة الدول الشريكة تجاريا للاتحاد الأوروبي، ومن بينها المغرب، من بعض الاستثناءات أو آليات التعاون.
وفي انتظار الحسم الأوروبي، يظل الخطر الأبرز بالنسبة إلى صناعة السيارات المغربية مرتبطا بإمكانية فقدان جزء من مزاياها التنافسية في برامج الدعم الأوروبية، وليس بقرار مؤكد برفع الرسوم الجمركية أو نقل خطوط الإنتاج.