المصطفى قاسمي
وجهة نظر

التحالف الحكومي بين التباين الأيديولوجي ورهان الإنجاز: أية سيناريوهات لتنفيذ البرنامج الحكومي؟

تُشكل تجربة الائتلافات الحكومية في النظم السياسية والدستورية المعاصرة حجر الزاوية في تدبير السلطة التنفيذية وضمان استقرار المرفق العام. وفي السياق المغربي الراهن، الذي يتسم بورش تنموي مفتوح نحو تنزيل “النموذج التنموي الجديد” وترسيخ أركان “الدولة الاجتماعية”، يبرز التحالف الحكومي المشكل من كتل حزبيّة متنوعة المرجعيات (حزب الأصالة والمعاصرة، حزب الاستقلال، حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وحزب التقدم والاشتراكية) كحالة دراسية استثنائية تستدعي التفكيك العلمي الاستشرافي.

إن الإشكالية المحورية التي تطرح نفسها على العلوم السياسية والقانون الدستوري لا تقف عند حدود القدرة التقنية على صياغة “التصريح الحكومي”، بل تمتد إلى مدى قدرة تحالف يجمع بين “المرجعيات الليبرالية/التحديثية” و”التوجهات اليسارية/الاجتماعية” على تجاوز التباينات الهيكلية وضمان الامتثال لقواعد الحكامة والنزاهة الإجرائية، تجنباً لتعثر العمل الحكومي أو شلله عند التعاطي مع القرارات المالية والتنموية المفصلية.

أولاً: التباين الأيديولوجي والبنيوي بين أحزاب الائتلاف

عند إخضاع البرامج الانتخابية والأدبيات التأسيسية للأحزاب الأربعة المكونة للتحالف لمنهج التحليل المقارن، تبرز ازدواجية هيكلية تؤثر مباشرة على هندسة السياسات العامة:

1. الكتلة الليبرالية والتحديثية (الأصالة والمعاصرة + الاستقلال):

تراهن على ديناميكية القطاع الخاص، تحفيز الاستثمار المباشر، تخفيض العبء الجبائي على المقاولات، وضبط عجز الميزانية الماكرواقتصادي في حدود 3%.

وهذا يبرز بشكل واضح طغيان البعد التجاري الذي قد يتيح فرصة لبروز ظاهرة “تضارب المصالح” إذا لم تُفعل آليات الحكامة الوقائية بصرامة.

2. الكتلة الاجتماعية واليسارية (الاتحاد الاشتراكي + التقدم والاشتراكية):

تلتزم بالمرجعية الاجتماعية الداعية للعدالة الضريبية (من خلال فرض ضريبة تصاعدية على الثروة)، التوسع في الإنفاق العمومي المباشر على قطاعي الصحة والتعليم، وحماية القدرة الشرائية عبر ضبط الأسعار.

مما يدفع إلى المطالبة بتوسيع ميزانية الدولة وتغطية الأجور، وهو ما يصطدم بسقف الضبط المالي الذي تشترطه الكتلة الأولى.

وتجدر الإشارة إلى أن هذا التباين يولد ما يُعرف في تحليل السياسات العامة بـ “صراع الموارد والوسائل”؛بين الكتلتين المتحالفتين .

ثانياً: المتغير الحكامي ومؤشرات النزاهة وأثرها على المصلحة العامة

إن نجاح أي حكومة يتطلب توفر عنصرين متكاملين: المشروعية البرامجية والمشروعية الإجرائية والأخلاقية وتؤكد أدبيات القانون الدستوري والحكامة المالية أن وجود مؤاخذات أخلاقية أو متابعات قضائية تتصل بتدبير المال العام، أو السطو على الملك العمومي، أو الديون المترتبة لأشخاص ورفض إرجاعها، يُنتج آثاراً خطيرة على الأداء الحكومي:

– تآكل “الامتثال الطوعي” للمواطنين:

ان ضعف النزاهة لدى بعض المسيرين يُضعف ثقة الشارع في القرارات الحكومية (كالتصريح الضريبي والمواطنة الجبائية)، مما يرفع كلفة التنفيذ والاحتقان الاجتماعي.

– عرقلة الاستثمار والتصنيف الدولي: تعتمد المؤسسات المالية الدولية على “مؤشرات حكامة المخاطر ومدركات الفساد”؛ وبالتالي فإن غياب الصرامة الأخلاقية لدى الفاعلين التنفيذيين يُفقد الدولة جاذبيتها الاستثمارية ويرفع كلفة الاقتراض الخارجي.

– التأثير على الشفافية والمساءلة: ان التداخل بين السلطة التنفيذية والمصالح الخاصة يُعطل إخراج التشريعات الزجرية (مثل قانون تجريم الإثراء غير المشروع وتقارير هيئات النزاهة).

ثالثاً: السيناريوهات الاستشرافية لتنفيذ البرنامج الحكومي

بناءً على النمذجة الاستشرافية المقارنة والتحليل المتقاطع للمتغيرات الأيديولوجية والحكاماتية ، ننتهي إلى وضع ثلاثة سيناريوهات مستقبليّة لحركية هذا التحالف:

1. السيناريو الأول: “التعديل الحكومي (الاحتمال الأرجح: 60%)

حيث يمكن إقدام قيادة التحالف رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري عن حزب الأصالة والمعاصرة بتنسيق مع المؤسسة الملكية على إجراء تعديل حكومي مبكر يستبعد الوزراء والمسؤولين الذين تلاحقهم شبهات قضائية أو يفتقرون للكفاءة، مع إعادة صياغة أولويات البرنامج الحكومي وفق معايير الحكامة الوقائية (إعمالاً لمقتضيات الدستور وتقارير هيئات الرقابة).

وهذا سيكون له انعكاس إيجابي؛ تسترجع من خلاله الثقة الشعبية والاستثمارية، حماية ورش الدولة الاجتماعية، وضمان استمرار التقدم التنموي دون زلازل سياسية.

2. السيناريو الثاني: “يتمتل في جمود تشريعي واستنزاف الثقة” (احتمال: 30%)

مما ينتج عنه صراع أجنحة صامت يطال قوانين المالية وإصلاح المرافق الحيوية.

وهذا سيكون له انعكاس سلبي؛ تباطؤ وثيرة الإنجاز، تفاقم الاحتقان النقابي والشعبي، وتأخر تنزيل الأهداف التنموية المسطرة.

3. السيناريو الثالث: “الانشطار السياسي والانسحاب” (احتمال: 10%)

اي انسحاب أحد المكونات الرئيسية (خاصة من الكتلة اليسارية) احتجاجاً على طغيان وتغليب المصالح الضيقة، مما يُدخل الأغلبية في أزمة نصاب وتعديل دستوري مفتوح.

وهذا إن وقع ستكون له كلفة سياسية وزمنية مرتفعة تُعطل مسار التنمية المستدامة.

خاتمة وتوصيات استراتيجية

حفاظاً على المصلحة الوطنية العليا وضماناً لعدم تعثر ورش التنمية المستدامة التي تنشدها المملكة المغربية، نتقدم من موقع التحليل السياسي والقانون الدستوري بالمقترحات الاستراتيجية التالية:

1. تفعيل ميثاق الأخلاقيات وتضارب المصالح.

2. مأسسة الرقابة الاستباقية للسياسات العامة: وذلك بتفويض المجلس الأعلى للحسابات والهيئة الوطنية للنزاهة لتقييم الأثر التنموي والحكامي لعمل القطاعات الوزارية دورياً.

3. تغليب الكفاءة على المحاصصة: اعتماد مبدأ “النجاعة المعيارية” في التعيينات التنفيذية لتجاوز هشاشة النخب وحماية المؤسسات والاستقرار الوطني.