نزلات البرد والتهاب الشعب الهوائية: لنكفّ عن استعمال المضادات الحيوية
منتدى العمق

نزلات البرد والتهاب الشعب الهوائية: لنكفّ عن استعمال المضادات الحيوية

مع حلول فصل الخريف، يعود موسم نزلات البرد والتهاب الأنف والتهاب الشعب الهوائية. ومعه عادة متجذرة: طلب المضاد الحيوي.

في أكثر من عشرين سنة من الممارسة الطبية، بين الفحص السريري والمختبر، رأيت هذا المشهد يتكرر كل خريف. يصل المريض، منهكاً، وأحياناً تصاحبه الحمى، ويطلب مباشرة مضاداً حيوياً. يبدو المنطق واضحاً: عدوى تعني مضاداً حيوياً. غير أن هذا خاطئ في الغالبية العظمى من الحالات.

التهابات الجهاز التنفسي العلوي — التهاب الأنف، التهاب البلعوم، التهاب الحنجرة — تكون في الغالب فيروسية المنشأ. والتهاب الشعب الهوائية الحاد يخضع للقاعدة نفسها: في معظم الحالات، فيروس هو المسؤول، وليس بكتيريا. وإجمالاً، تتسبب الفيروسات التنفسية في نحو 80% من مجموع التهابات الجهاز التنفسي، العلوي والسفلي على حد سواء.

المضاد الحيوي يعمل على البكتيريا. أما ضد الفيروس، فلا يفعل شيئاً على الإطلاق — لا يقصّر مدة المرض، ولا يخفف من شدة الأعراض. تناوله لا يُسرّع الشفاء من نزلة برد؛ بل يُعرّض المريض فقط لآثار جانبية لا داعي لها، ولخطر أوسع يجهله كثير من المرضى.

في المغرب، تُظهر الدراسات أن المضادات الحيوية تمثل أكثر من ربع إجمالي استهلاك الأدوية في المستشفيات. وبحسب آخر بيانات منظمة الصحة العالمية الخاصة بإقليم شرق المتوسط، الذي ينتمي إليه المغرب، فإن ما يقارب عدوى بكتيرية واحدة من كل ثلاث كانت مقاومة للمضادات الحيوية سنة 2023 — وهي من أعلى النسب في العالم. وعلى الصعيد العالمي، تقدّر منظمة الصحة العالمية أن مقاومة مضادات الميكروبات قد تتسبب في وفاة ما يصل إلى 10 ملايين شخص سنوياً بحلول سنة 2050 إذا لم يتغيّر شيء.

أمام نزلة برد أو التهاب في الشعب الهوائية، يبقى العلاج هو نفسه: الراحة، شرب السوائل، خافض للحرارة عند الحاجة، والوقت الذي يحتاجه الجسم للتخلص من الفيروس. ويحتفظ المضاد الحيوي بمكانته في حالة عدوى بكتيرية ثانوية مؤكدة — وهذا قرار يعود إلى الطبيب بعد الفحص، لا إلى العادة ولا إلى إلحاح المريض.

مشكلة نظام، لا مشكلة أفراد

في المغرب، لا يزال بيع المضادات الحيوية دون وصفة طبية ممارسة شائعة في العديد من الصيدليات. غير أنه من غير المنصف تحميل الصيدلي وحده المسؤولية. المشكلة أوسع من ذلك: فهي مرتبطة بالتشريع، الذي لا يزال متساهلاً في هذا الجانب، وبعقلية جماعية تربط بسرعة بين العرض والمضاد الحيوي، دون المرور عبر الاستشارة الطبية.

تغيير هذا الوضع يتطلب مجهوداً من الجانبين: إطاراً تنظيمياً أكثر صرامة من جهة، ومن جهة أخرى، أن يصبح لجوء كل مريض إلى استشارة الطبيب قبل تناول أي مضاد حيوي رد فعل تلقائياً. فهذه الاستشارة ليست مجرد إجراء شكلي: إنها تقي من آثار جانبية لا داعي لها، وتحمي، على المستوى الجماعي، من مقاومة للمضادات الحيوية تُعد اليوم مشكلة خطيرة في المغرب.