ليست قوة الأحزاب السياسية في عدد الحقائب الوزارية التي تحصل عليها، ولا في حجم حضورها داخل المؤسسات فحسب، وإنما في قدرتها على التأثير في الاختيارات العمومية، وتحويل تصوراتها الاقتصادية والاجتماعية إلى سياسات وبرامج والتزامات حكومية.
ومن هذا المنطلق، فإن القراءة المقارنة للبرنامج الانتخابي لحزب الاستقلال «وطني مستقبلي» والبرنامج الحكومي للفترة 2026–2031 تكشف عن معطى سياسي بالغ الدلالة: المحاور الخمسة الكبرى التي بنى عليها حزب الاستقلال عرضه الانتخابي تجد جميعها امتداداً واضحاً في البرنامج الحكومي الجديد، أي بنسبة تغطية استراتيجية تبلغ 100%.
وهذه النسبة لا تعني اعتماد جميع المقترحات التفصيلية للحزب، لكنها تعكس درجة عالية من التقارب في ترتيب الأولويات وفي تصور التحديات التي يتعين على الحكومة مواجهتها.
والواقع أن أهمية هذا الحضور لا تكمن فقط في استيعاب البرنامج الحكومي للقضايا التي دافع عنها حزب الاستقلال، وإنما في أن عدداً من هذه القضايا انتقل من مستوى الالتزام الانتخابي إلى مستوى التعاقد الحكومي المشترك.
أولاً: محاربة الفساد والريع… حين تتحول أولوية استقلالية إلى التزام حكومي
من أبرز ما ميز البرنامج الانتخابي لحزب الاستقلال الجرأة في تشخيص العلاقة بين الفساد والريع والاحتكار من جهة، وتدهور القدرة الشرائية وضعف المنافسة وجودة الخدمات من جهة أخرى.
فالحزب لم يتعامل مع الفساد باعتباره مجرد انحراف أخلاقي أو إداري، بل باعتباره كلفة اقتصادية واجتماعية يتحملها المواطن والمقاول والمستثمر.
ولذلك خصص له محوراً مستقلاً، واقترح إجراءات عملية تشمل تقوية آليات محاربة تضارب المصالح، ومراقبة التصريح بالممتلكات، وربط الدعم العمومي بالتزامات قابلة للتقييم، ورقمنة المساطر الإدارية، بل وفرض ضريبة تصل إلى 40% على بعض الأنشطة المستفيدة من وضعيات الريع والاحتكار.
وبالعودة إلى البرنامج الحكومي، نجد أن محاربة الفساد والقطع مع الريع وتخليق الحياة العامة أصبحت محوراً حكومياً قائماً بذاته، يتضمن محاربة تضارب المصالح، وتنظيم الأسواق، والتصدي للوساطة الانتهازية، وتوجيه الطلبية العمومية لخدمة الاقتصاد الوطني.
وهنا يظهر التقارب في جوهر المقاربة: محاربة الفساد ليست فقط وسيلة لتخليق الحياة العامة، بل شرط لتحرير المبادرة الاقتصادية، وتحقيق المنافسة العادلة، وتحسين نجاعة السياسات العمومية.
وإذا كانت بعض التدابير الاستقلالية الدقيقة، ومنها النسبة المقترحة للضريبة على الريع، تحتاج إلى تحقق مستقل من مدى اعتمادها، فإن حضور الفلسفة الإصلاحية للحزب في هذا المحور يبدو واضحاً.
ثانياً: القدرة الشرائية… انتقال من معالجة الغلاء إلى إصلاح الأسواق
جعل حزب الاستقلال من تحسين القدرة الشرائية للأسر وتقوية الطبقة الوسطى أحد أعمدة برنامجه الانتخابي.
ولم يكتف الحزب بالمطالبة برفع الدخول، بل اقترح إصلاحاً هيكلياً لمسالك توزيع المنتجات الغذائية، وإحداث شركات جهوية للتجميع والتخزين والتوزيع، واعتماد آلية وطنية شفافة لتتبع هوامش الربح، إلى جانب تحسين الأجور والمعاشات وتيسير الولوج إلى السكن.
والملاحظ أن البرنامج الحكومي تبنى مقاربة تقوم على استعادة القدرة الشرائية عبر معالجة مسببات الغلاء، وتنظيم أسواق الجملة ومسالك التوزيع، وتعزيز المنافسة، وتحسين شروط الحماية الاجتماعية.
وهذا التقارب مهم، لأنه يعكس انتقالاً من الاقتصار على التدخل الظرفي في الأسعار إلى معالجة الاختلالات البنيوية التي تساهم في ارتفاعها.
فحماية القدرة الشرائية ليست مجرد مسألة دعم مالي، وإنما ترتبط أيضاً بشفافية الأسواق، وتكلفة الوساطة، وعدالة المنافسة، وقدرة الاقتصاد الوطني على توفير المنتجات الأساسية بأسعار معقولة.
وهي مقاربة تنسجم مع الاختيارات التي دافع عنها حزب الاستقلال، والتي تربط بين حماية المستهلك، والدفاع عن المقاولة المنتجة، وتقوية الطبقة الوسطى.
ثالثاً: المرفق العمومي… بصمة استقلالية في الانتقال من التغطية إلى الجودة
شكل الدفاع عن المدرسة العمومية والمستشفى العمومي أحد أكثر مكونات البرنامج الاستقلالي وضوحاً.
فالحزب لم يكتف بالتأكيد على مسؤولية الدولة في توفير الخدمات الأساسية، بل تقدم بمقترحات دقيقة لإصلاح المرفق العمومي.
في الصحة، اقترح إحداث وكالة وطنية للمستعجلات، وتكوين 2000 طبيب متخصص في طب المستعجلات في أفق 2031، وإرساء الطبيب المرجعي باعتباره مدخلاً لتنظيم المسار العلاجي.
وفي التعليم، دعا إلى برنامج استثنائي لتأهيل المؤسسات التعليمية بالعالم القروي والمناطق الجبلية والواحات، وإلى تعميم فعلي ومجاني للتعليم الأولي، وتحسين شروط العدالة المجالية في الولوج إلى تعليم جيد.
وفي البرنامج الحكومي، نجد حضوراً قوياً لهذا التوجه من خلال إصلاح المستعجلات، وتنظيم المسارات العلاجية انطلاقاً من طبيب الأسرة، وتحسين توزيع العرض الصحي، وتعميم التعليم الأولي، والارتقاء بجودة التعلمات والحد من الهدر المدرسي.
وهنا يتجلى أحد أهم أوجه التقارب بين البرنامجين: الانتقال من قياس حجم الموارد المرصودة للمرفق العمومي إلى قياس جودة الخدمات والنتائج التي يحققها للمواطن.
فلا معنى لتعميم التغطية الصحية إذا لم يجد المواطن طبيباً يعالجه، ولا معنى لتوسيع العرض المدرسي إذا لم يكتسب التلميذ الكفايات الأساسية.
وهذه المقاربة تجعل من النجاعة والأثر الاجتماعي معيارين أساسيين لتقييم السياسات العمومية.
رابعاً: الأسرة والقيم… حضور البعد المجتمعي في المشروع الحكومي
اختار حزب الاستقلال أن يضع الحفاظ على منظومة القيم وتقوية تماسك الأسر في مقدمة برنامجه الانتخابي.
وقد ترجم هذا الاختيار إلى مقترحات تتعلق بالوساطة الأسرية، ومواكبة الأسر للخروج من الفقر، وتعزيز التضامن بين الأجيال، ودعم رعاية الطفولة، والوقاية من الإدمان.
وفي المقابل، خصص البرنامج الحكومي محوراً مستقلاً للدفاع عن الهوية الوطنية وتوطيد روح المواطنة وتماسك المجتمع، وجعل الأسرة والهوية ومنظومة القيم أحد مرتكزاته الأساسية.
إن هذا التقارب يعكس حضور تصور مجتمعي يعتبر الأسرة مؤسسة مركزية في بناء الاستقرار والتضامن، ويربط التنمية الاقتصادية بالحماية الاجتماعية والتماسك القيمي.
وهو تصور يجد امتداده في المرجعية التعادلية لحزب الاستقلال، التي لا تختزل التنمية في إنتاج الثروة، وإنما تربطها بصيانة كرامة الإنسان وتقوية الروابط الاجتماعية.
خامساً: السيادة الاستراتيجية… أحد أبرز أوجه التقارب في الرؤية المستقبلية
من أهم الاختيارات التي ميزت البرنامج الاستقلالي توسيع مفهوم السيادة الوطنية ليشمل السيادة المائية والطاقية والغذائية والدوائية والتكنولوجية والصناعية.
وقد تضمن البرنامج الانتخابي مقترحات طموحة، من بينها إحداث «البوصلة السيادية» لرصد التبعيات الاستراتيجية، وربط محطات تحلية المياه الجديدة بالطاقات المتجددة، وتكوين 10 آلاف كفاءة متخصصة في الذكاء الاصطناعي، وتعزيز القيمة المنتجة بالمغرب في الصفقات العمومية، وبناء منظومة صناعية دفاعية وطنية.
وبالعودة إلى البرنامج الحكومي، نجد أن السيادة الاستراتيجية أصبحت محوراً مستقلاً، يتناول تأمين الموارد الأساسية وتقوية القدرة الوطنية على مواجهة الأزمات والتبعيات الخارجية.
ولا يتعلق الأمر هنا بمجرد تشابه في المفاهيم، بل بتقارب في تصور موقع المغرب داخل التحولات الاقتصادية والتكنولوجية الدولية.
فالسيادة في معناها الحديث لا تتحقق بالانغلاق، وإنما بامتلاك القدرة على الإنتاج والابتكار وتأمين الحاجيات الحيوية وتنويع الشراكات.
ومن هذه الزاوية، يظهر تقاطع واضح بين الطموح الاستقلالي والاختيارات الحكومية، مع ضرورة التمييز بين اعتماد التوجه السيادي العام واعتماد الآليات والأهداف الرقمية المحددة التي اقترحها الحزب.
سادساً: الشباب والتشغيل… من ضمان الفرصة إلى الإدماج الاقتصادي
لم يغفل حزب الاستقلال قضية الشباب، بل جعل منها امتداداً أساسياً لبرنامجه الاجتماعي.
ومن أبرز مقترحاته برنامج «آفاق»، الذي يقوم على ضمان ألا يبقى أي شاب خارج التعليم أو التكوين أو الشغل أو المواكبة لأكثر من ستة أشهر.
وفي البرنامج الحكومي، نجد محوراً مستقلاً لإدماج الشباب في التعليم والتكوين والشغل اللائق، يقوم على إرساء مسار موحد للشباب خارج هذه المنظومات، وتأمين أول تجربة مهنية، وتحسين جودة فرص العمل.
وهنا يظهر تقارب مهم بين البرنامجين، يتمثل في الانتقال من التعامل مع بطالة الشباب باعتبارها مشكلة سوق الشغل وحده، إلى اعتبارها مسؤولية مشتركة بين منظومات التعليم والتكوين والاستثمار والسياسات الاجتماعية.
إنها مقاربة تقوم على ضمان الفرصة، وربط التكوين بالحاجيات الاقتصادية، وتحويل الاستثمار إلى مناصب شغل فعلية.
سابعاً: التعادلية الاقتصادية والاجتماعية… الحضور الأعمق للمرجعية الاستقلالية
إذا كانت المحاور السابقة تكشف عن حضور واضح لاختيارات حزب الاستقلال، فإن البصمة الأعمق تظهر في الفلسفة الاقتصادية والاجتماعية التي تجمع بينها.
فالبرنامج الحكومي يربط بناء الدولة الاجتماعية بإرساء اقتصاد قوي ومنتج، قادر على خلق الثروة وفرص الشغل، وتوفير الموارد اللازمة لتمويل الحماية الاجتماعية وتحسين الخدمات العمومية.
وهذا التوجه يلتقي مع جوهر التعادلية الاقتصادية والاجتماعية، باعتبارها تصوراً يقوم على تحقيق التوازن بين حرية المبادرة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، وبين الاستثمار المنتج والتوزيع المنصف لثمار النمو، وبين مسؤولية الدولة ودينامية القطاع الخاص.
فلا يمكن بناء دولة اجتماعية مستدامة دون اقتصاد قوي، كما لا يمكن اعتبار النمو الاقتصادي نجاحاً إذا لم ينعكس على دخل الأسر وفرص التشغيل وجودة الخدمات.
وهنا تحديداً تتجاوز البصمة الاستقلالية مجرد حضور بعض التدابير، لتظهر في المعادلة التي تجمع بين الاقتصاد المنتج والإنصاف الاجتماعي والسيادة الوطنية.
ثامناً: الحضور البرنامجي القوي يضاعف مسؤولية الإنجاز
إن تغطية المحاور الخمسة الكبرى للبرنامج الاستقلالي داخل البرنامج الحكومي تمثل مؤشراً قوياً على التقارب السياسي والبرنامجي، لكنها لا تعني أن جميع الالتزامات الانتخابية قد اعتمدت بصيغتها الأصلية.
فبين التوافق حول الأهداف والاتفاق على آليات التنفيذ مسافة ينبغي التعامل معها بالجدية المطلوبة.
والأهم أن هذا الحضور يضع حزب الاستقلال، باعتباره أحد مكونات الأغلبية الحكومية، أمام مسؤولية سياسية مضاعفة.
فالحزب الذي يجد اختياراته حاضرة داخل التعاقد الحكومي يصبح معنياً بالمساهمة في تنفيذها والدفاع عن نتائجها وتقييم أثرها.
وهنا ينبغي أن ينتقل النقاش من سؤال: ما الذي تضمنه البرنامج الحكومي من مقترحات الحزب؟ إلى سؤال أكثر أهمية: ما الذي سيتحقق فعلياً من هذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة؟
فالمواطن لا يقيس نجاح البرامج بتشابه عناوينها، وإنما بانخفاض كلفة معيشته، وتحسن دخله، وجودة المدرسة والمستشفى، وتوفر فرص الشغل، وفعالية الإدارة، وقدرة بلاده على تأمين حاجياتها الأساسية.
خاتمة: من قوة التأثير إلى قوة الإنجاز
إن القراءة المقارنة للبرنامج الانتخابي لحزب الاستقلال والبرنامج الحكومي الجديد تؤكد وجود تقارب استراتيجي واسع، يتجسد في حضور المحاور الخمسة الكبرى للبرنامج الاستقلالي داخل التوجهات الحكومية.
وهو حضور يكتسي دلالة سياسية خاصة، لأنه يعكس قدرة الحزب على المساهمة في صياغة توافق حكومي يستوعب جانباً مهماً من اختياراته الاجتماعية والاقتصادية والمجتمعية.
غير أن هذا التقارب لا يلغي المرجعيات الوطنية المشتركة، وفي مقدمتها التوجيهات الملكية السامية والنموذج التنموي الجديد، ولا ينفي مساهمة باقي مكونات الأغلبية في بلورة البرنامج الحكومي.
فالقيمة الحقيقية لحضور حزب الاستقلال لا تكمن في ادعاء ملكية البرنامج الحكومي، وإنما في قدرته على التأثير في اختياراته، ثم المساهمة في تحويلها إلى إنجازات ملموسة.
لقد انتقل جزء مهم من الرؤية الاستقلالية من فضاء التنافس الانتخابي إلى فضاء الالتزام الحكومي المشترك. واليوم تبدأ المرحلة الأصعب والأهم: مرحلة التنفيذ والنتائج والمحاسبة.
فالتأثير في صياغة البرنامج مكسب سياسي، أما التأثير في حياة المواطنين فهو النجاح الحقيقي.