في ظل ما تعيشه الساحة التعليمية من دينامية احتجاجية، ارتفع منسوبها في الآونة الأخيرة، في سياق استكمال الحكومة الجديدة للإجراءات الدستورية المتعلقة بتشكيلها، وفي لحظة تعليمية مفصلية، يحاول من خلالها الوزير الجديد على قطاع التربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل، إلقاء نظرة على طنجرة الاحتقان التعليمي التي شرعت صافرتها في الدوران مبكرا، ووضع اليد على الملفات العالقة والقضايا التي تقتضي الاستعجال، والوقوف عند حجم الانتظارات والتطلعات، وأمام اتساع دائرة رفع “المطالب الفئوية”، التي تضيع معها الحقوق والمطالب الموحدة والجامعة العابرة لحدود الأسلاك، من قبيل التقليص من ساعات العمل الأسبوعية الخاصة بهيئة التدريس، والنهوض بالأوضاع المادية والاجتماعية والنفسية، والارتقاء ببيئات العمل، وإعادة النظر في المناهج والبرامج، وتخصيص يوم السبت كيوم عطلة …، واستقراء لخارطة طريق الاحتجاجات والمطالب، يتضح جليا، أن فئة أساتذة الثانوي التأهيلي يكاد لا يسمع لها صوت، وسط زحمة التعبيرات الاحتجاجية الجارية هنا وهناك، مقارنة مع أصوات فئات أخرى، ترافع بقوة وإلحاح، عن مطالبها وحقوقها، التي لا يمكن أن تكون إلا مشروعة وذات أولوية.
فئة أساتذة الثانوي التأهيلي، أبلت البلاء الحسن خلال الحراك التعليمي السابق، ورفعت عدة مطالب، دافعة في اتجاه “تحصين الهوية”، ورد الاعتبار المادي والتحفيزي، مراعاة لخصوصيات السلك الثانوي التأهيلي، كمدخل للتعليم العالي، واعتبارا لحجم المهام وثقل الأعباء، ذات الصلة باستحقاقات البكالوريا في بعديها الجهوي والوطني…، لكنها لم تجن من ثمار “النظام الأساسي الجديد” ومن “مخرجات الحوار الاجتماعي القطاعي”، سوى تعويض تكميلي كان دون التطلعات والانتظارات، مقارنة مع ما ظفرت به فئات أخرى كما هو الحال بالنسبة للمتصرفين التربويين وهيئة التفتيش التربوي، الذين يستحقون كل الاعتبار والتقدير والتثمين، وبدون شك، فخروج أساتذة الثانوي التأهيلي بخفي حنين في معركة الحراك التعليمي وما أعقبها من نظام أساسي وحوار اجتماعي، مرده اتساع قاعدة فئة الابتدائي والإعدادي وتعدد مطالبها وتعقيدات بعض ملفاتها، مما حجب صوتهم، وكبح جماح ما رفعوه من مطالب وحقوق، إضافة إلى الدور غير الإيجابي للنقابات التعليمية، التي لم تتعامل مع مطالب هذه الفئة، بما يلزم من المسؤولية والجاهزية والالتزام، فضلا عن “التشرذم النضالي” الناتج عن تضارب المرجعيات والاتجاهات، وغياب ما كانت تقتضيه اللحظة الحراكية، من وحدة وتعبئة ومسؤولية وحرص على الهوية، ومن خيط احتجاجي ضابط، ورؤية مطلبية جامعة.
المطلوب اليوم، ليس البكاء على أطلال حراك مضى وراح، ولا القيام بمراجعة نقدية للذات، في ضوء ما تخلل هذا الحراك غير المسبوق من ممارسات وانحرافات وانزلاقات، بل “استثمار اللحظة السياسية الراهنة”، الدافعة نحو الإصلاح والتغيير، في ظل حكومة جديدة، وضعت المسألة التعليمية ضمن أولوياتها، وأمام وزير جديد بحس تواصلي لافت للنظر وخبرة ومرجعية سياسية معتبرة، تتطلع الشغيلة التعليمية بكل أسلاكها وفئاتها، في أن يكون في مستوى التطلعات والانتظارات والرهانات، و”الانخراط الإيجابي فيما تعرفه الساحة النضالية من تعبيرات احتجاجية”، بما يساعد على إسماع صوت أساتذة التعليم الثانوي التأهيلي، ويضمن إيصال مطالبهم المشروعة إلى صانعي القرار السياسي والتعليمي، والتي تصب جميعها، في اتجاه “إقرار الدرجة الجديدة” ، و”التخفيض من ساعات العمل الأسبوعية بالنسبة لهيئة التدريس” تنفيذا لمقتضيات النظام الأساسي الجديد، و”الرفع من قيمة التعويض التكميلي” بما ينسجم وخصوصيات السلك وطبيعة المهام والأعباء، و”تثبيت “السبت” كيوم عطلة”، و”التقليص من الاكتظاظ داخل الحجرات الدراسية”، “وإرساء نظام تعويضات محفز يراعي كثرة المهام والمسؤوليات، فيما يتعلق بإجراءات مراقبة الامتحانات الإشهادية والامتحانات المهنية، ومباريات الولوج إلى المراكز الجهوية للتربية والتكوين، وإجراءات التصحيح والمداولات المرتبطة باستحقاقات البكالوريا”، مع ضمان صرف هذه التعويضات داخل آجال معقولة، إضافة إلى مطالب أخرى موازية، ذات صلة، بالتقليص من الاكتظاظ داخل الفصول الدراسية، والعناية بالصحة الجسدية والنفسية للأساتذة، في ظل ما بات يحيط بالمهنة، من مظاهر التوتر والقلق والمعاناة والعنف …، فضلا عن الارتقاء ببيئات العمل، والدفع في اتجاه تنزيل نموذج بيداغوجي جديد، يليق برهانات وطموحات مغرب صاعد …
وجب التذكير في خاتمة المقال، أن توجيه البوصلة نحو “أساتذة التعليم الثانوي التأهيلي”، ليس معناه ترجيح كفة على كفة أخرى، ولا تكريس نعرة التشرذم داخل الأسرة الواحدة، إيمانا منا أن نساء ورجال التعليم، يستحقون أوضاعا مادية ومهنية محفزة، تليق بوضعهم الاعتباري داخل المجتمع، وتنسجم مع رسالتهم النبيلة في التربية والتعليم والتنوير والتأطير وصناعة الأمل …، واعتقادا راسخا منا، في أن أي مشروع إصلاحي، لن يحقق الأهداف والمقاصد المتوخاة منه، ما لم يكن مدعوما بشغيلة تعليمية تحظى بما تستحقه من تقدير واحترام واعتبار وتحفيز، وهذا التوجيه أو التخصيص، كان من باب إثارة الانتباه إلى واقع حال هذه الفئة، التي تتقاسم الإحساس بالحيف والإقصاء، في ضوء نظام أساسي جديد، لم تحمل مقتضياته، ما كانت تتطلع إليه من إنصاف وتحفيز وتحصين للهوية، ومن حقها اليوم، أن تسمع الصوت الغائب، وترافع بمسؤولية والتزام، عما تحمله من مطالب وانتظارات، في سلك تأهيلي، له خصوصيات، تقتضي ليس فقط الانتباه، بل والاهتمام والعناية والاعتبار والتثمين.
ونختم، بالتعبير عن مشاعر التضامن مع مربيات ومربي التعليم الأولي، ومساندة نضالاتهم المشروعة، دفاعا عن الحق في ظروف مهنية لائقة ومحفزة ومعتبرة، تقيهم من حرارة “الهشاشة” وقساوة “الوساطة”، ويستحقون اليوم، حلولا مبدعة وخلاقة، دافعة في اتجاه إدماجهم ضمن النظام الأساسي لموظفي التربية الوطنية، لأنهم جزء لا يتجزأ من أسرة التربية والتعليم، وحلقة أساسية لا محيد عنها، في أي توجه إصلاحي منتظر، والكرة الآن في مرمى الحكومة الجديدة، والوزير الوصي على القطاع، محمد نبيل بنعبدالله، الذي تنتظر منه “شغيلة التعليم الأولي” فك القيد، وشهادة هوية واعتراف وتقدير وتحفيز …