تقتضي التنمية السوسيو اقتصادية والثقافية بمدينة وإقليم خريبكة اعتماد رؤية ترابية مندمجة، تستثمر المؤهلات المنجمية والعلمية والبشرية والمجالية، وتربط تحسين جودة الحياة بتطوير البنيات التحتية والخدمات التعليمية والثقافية، وتنويع الأنشطة الاقتصادية وخلق فرص الشغل.
وفي هذا الإطار، تبرز ضرورة استكمال إنجاز مشروع المنجم الأخضر والمحطة الطرقية، وإحداث مكتبة متخصصة تستجيب لحاجيات طلبة وطالبات الإجازة والماستر والدكتوراه بمختلف مؤسسات التعليم العالي، بما يعزز البحث العلمي والإنتاج المعرفي. كما يمكن تثمين التراث المنجمي والمستحاثات التي يزخر بها الإقليم، وتطوير السياحة العلمية والمنجمية والإيكولوجية، بما يساهم في تنويع الاقتصاد المحلي وإبراز الهوية المجالية لخريبكة.
وعلى مستوى التنظيم الحضري، تقتضي إعادة تأهيل مركز المدينة معالجة احتلال الملك العمومي والحد من انتشار الباعة المتجولين في المواقع التي تعرقل حركة السير والجولان، مع توفير فضاءات ملائمة لممارسة أنشطتهم في إطار يحفظ كرامتهم وينظم المجال. كما ينبغي تقوية الإنارة العمومية بمختلف الأحياء السكنية، وتحسين شروط السلامة وجودة العيش، وترسيخ ثقافة الاحترام المتبادل بين جميع مكونات الساكنة والمؤسسات والفاعلين المحليين.
وتظل التنمية البشرية ركيزة أساسية لأي مشروع تنموي ناجح؛ لذلك ينبغي الارتقاء بجودة التعليم عبر تبسيط الدروس، ولا سيما المواد العلمية، واعتماد المقاربات التفاعلية وإشراك المتعلمين في بناء المعارف، بدل الاقتصار على التلقين. كما يتعين تكثيف الجهود لمحاربة الهدر المدرسي، وترسيخ حب القراءة والتعلم، وتوجيه التلاميذ والطلبة نحو الاستعمال الرشيد للإنترنت، وتنظيم أوقاتهم، والمواظبة على الدراسة والواجبات الدينية، بما يعزز نجاحهم الدراسي ومسؤوليتهم المجتمعية.
ومن جهة أخرى، تحتاج التنمية الاجتماعية إلى تقوية التضامن الأسري وثقافة الاعتراف بالجميل وتقاسم المسؤوليات؛ فالجهود التي يبذلها الآباء والأمهات وسائر أفراد الأسرة لتوفير متطلبات العيش تستحق التقدير، كما أن التربية على المسؤولية والعمل والتعاون، والوقاية من السلوكيات الإدمانية، تمثل عناصر مهمة في بناء أسر متماسكة ومجتمع متوازن. ويتطلب ذلك خطاباً توعوياً مسؤولاً يرسخ الحقوق والواجبات المشتركة.
اقتصادياً، يستدعي تنويع الاستثمار المحلي تشجيع أصحاب رؤوس الأموال على تجاوز التركيز المفرط على المقاهي، والتوجه نحو مشاريع ذات قيمة مضافة أكبر، مثل المكتبات، والفضاءات الترفيهية والثقافية، والنوادي الرياضية والعلمية، والمقاولات المنتجة، بما يساهم في خلق فرص الشغل وتوسيع العرض الثقافي والترفيهي لفائدة الشباب والأسر.
وخلاصة القول، إن مستقبل خريبكة رهين بالانتقال من تنمية محدودة الارتباط بالاقتصاد المنجمي والأنشطة التجارية التقليدية إلى نموذج ترابي متكامل يجعل الإنسان والمعرفة والابتكار والاستثمار المنتج في صلب أولوياته. ويتطلب تحقيق هذا التحول تنسيقاً فعالاً بين المؤسسات العمومية والجماعات الترابية والقطاع الخاص والمجتمع المدني والساكنة، ضمن رؤية مشتركة تجعل من خريبكة مجالاً حضرياً وإقليمياً أكثر جاذبية وإنصافاً واستدامة.