برنامج حكومة فاطمة الزهراء بين الانتظارات والتحديات
وجهة نظر

برنامج حكومة فاطمة الزهراء بين الانتظارات والتحديات

يختلف برنامج حكومة فاطمة الزهراء عن برامج الحكومات السابقة، خاصة حكومتي عبد الاه بن كيران وعزيز أخنوش ليس فقط بسبب ترؤس امرأة للحكومة لأول مرة في تاريخ المغرب، وإنما أيضاً بسبب اختلاف السياق السياسي والاجتماعي الذي أعد فيه، وطبيعة الانتظارات الشعبية، والتحولات التي أفرزتها انتخابات 23 شتنبر 2026.وبهذا الصدد يمكن التمييز بين ثلاثة مستويات: خصوصية السياق، وخصوصية الخطاب السياسي، ثم مدى تجديد السياسات العمومية فعلياً

أولاً: خصوصية السياق السياسي الذي أُعدّ فيه البرنامج الحكومي

يمكن النظر إلى برنامج الحكومة الجديدة باعتباره برنامجاً يأتي في سياق إعادة ترتيب المشهد السياسي، وليس مجرد استمرار آلي للولاية الحكومية السابقة. حيث يتميز هذا المشهد بعدة سمات من أبرزها :

– إعادة التوازن بين الأغلبية والمعارضة بعدما أفرزت تشريعيات 23 شتنبر 2026 مشهداً سياسياً مختلفاً عن المرحلة السابقة، الذي تميز بما أسمته بعض مكونات المعارضة السابقة بتغول الأغلبية الحكومية

– تراجع الثقة في الأداء الحزبي: حيث يضع العزوف الانتخابي وضعف الانخراط الحزبي الحكومة أمام تحدي استعادة الثقة، وليس فقط تنفيذ تعهدات انتخابية.

– تزايد الضغط الاجتماعي: حيث تظل القدرة الشرائية وغلاء الأسعار والصحة والتعليم والتشغيل من أبرز المجالات التي يُنتظر أن تُقاس بها فعالية الحكومة.

– الحاجة إلى تجديد العلاقة بين السياسة والمجتمع: حيث لم يعد كافياً تقديم وعود رقمية أو إعلان أهداف طموحة؛ بل أصبح مطلوباً توضيح آليات التنفيذ والتمويل والمحاسبة.

وبهذا المعنى، فإن خصوصية البرنامج الذي قدمته رئيسه الحكومة فاطمة الزهراء بعد اتفاق مكوناتها على خطوطه العريضة ، لا تتحدد فقط بما يتضمنه من تدابير وإجراءات، وإنما أيضاً بالمشكلات السياسية والاجتماعية التي يُفترض أن يقدم إجابات عنها.

ثانيا: البرنامج الحكومي وهندسة القطاعات الوزارية

يمكن الربط بين هندسة حكومة فاطمة الزهراء، من حيث تسميات القطاعات الوزارية وهيكلتها، وبين طبيعة البرنامج الحكومي والرهانات التي يسعى إلى مواجهتها. فالبرنامج الحكومي للفترة 2026–2031 يعلن الانتقال من توسيع التغطية الاجتماعية إلى تحسين جودة الخدمات، ومن حجم الاستثمار إلى مردوديته، ومن تعدد البرامج إلى تكاملها وأثرها الملموس. ومن ثم، يصبح السؤال هو: هل تعكس بنية الحكومة هذه التحولات في الأولويات؟

وهكذا يمكن رصد هذا الارتباط من خلال أربعة تحولات في التسميات والهيكلة المعلنة للحكومة الجديدة.

1. من التدبير المالي إلى الأداء العمومي حيث أُسندت إلى وزارة الاقتصاد والمالية تسمية «الأداء العمومي» إلى جانب اختصاصاتها المالية. ويمكن قراءة ذلك باعتباره توجهاً نحو ربط تدبير الموارد المالية بفعالية الإنفاق ونتائج السياسات العمومية. حيث يكتسي هذا الاختيار أهمية في سياق إعلان الحكومة الانتقال من حجم الاستثمار إلى مردوديته. وإن كان التغيير في التسمية وحده لا يثبت حدوث تحول فعلي في آليات إعداد الميزانية أو تقييم الإنفاق.

2. من السياسات القطاعية إلى الإدماج الاقتصادي والاجتماعي حيث تبرز تسمية وزارة الصناعة والتجارة والاستثمار والإدماج الاقتصادي، إلى جانب وزارة الأسرة والتنمية الاجتماعية والمساواة، توجهاً نحو الجمع بين خلق الثروة وتوسيع فرص الاستفادة منها.ويمكن ربط ذلك برهانين متكاملين: تحفيز الاستثمار والإنتاج من جهة، ومحاربة الإقصاء وتحسين فرص الإدماج من جهة أخرى. ويبقى التحدي هو مدى التنسيق بين السياسات الاقتصادية والاجتماعية.

3. إعطاء الشباب والتكوين والطفولة حضوراً تنظيمياً أكثر تحديداً حيث يظهر هذا التوجه في إسناد مهام خاصة إلى وزراء منتدبين مكلفين بالشباب، وبالتعليم الأولي ومحاربة الهدر المدرسي، وبالتكوين المهني والتأهيل.

وهكذا تنسجم هذه الهيكلة مع أهداف البرنامج المتعلقة بالتشغيل والتكوين وتقليص الانقطاع عن الدراسة. كما تتيح نظرياً تخصيص مسؤوليات أوضح لهذه الملفات، مع ضرورة تفادي تشتت الاختصاصات بين القطاعات المعنية.

4. استحضار التحولات الرقمية والإدارية والبيئية حيث تجمع الحكومة بين الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وإصلاح الإدارة في قطاع وزاري واحد، كما تربط وزارة التجهيز بالماء والغابات، وتدمج السيادة الغذائية في اختصاصات القطاع الفلاحي.ويمكن تفسير ذلك بمحاولة ربط التحول الرقمي بتحديث الإدارة، وربط تدبير الموارد الطبيعية بأمن الماء والغذاء. غير أن نجاح هذا الاختيار يتوقف على الموارد المتاحة، وتوزيع الاختصاصات، والتنسيق بين القطاعات.

من هنا يظهر بأن هندسة حكومة فاطمة الزهراء لم تكن مجرد توزيع للحقائب الوزارية بين أحزاب الأغلبية، بل كانت محاولة للتوفيق بين متطلبات الاستمرارية المؤسساتية والحاجة إلى إبراز أولويات البرنامج الحكومي الجديد. ويتجلى ذلك في إبراز الأداء العمومي، والإدماج الاقتصادي، والشباب، والتكوين، والتحول الرقمي، والسيادة الغذائية، إلى جانب الاحتفاظ بالقطاعات السيادية والتقليدية.

ثالثا: البرنامج الحكومي و طبيعة الانتظارات الشعبية

تجدر الإشارة إلى البرنامج الحكومي الجديد لا يواجه فقط مطالب التنمية، بل يواجه أيضاً سؤالاً سياسياً أعمق: هل تستطيع الحكومة تحويل الوعود الانتخابية إلى نتائج ملموسة تعيد للمواطنين الثقة في المؤسسات؟ ففي تصريحها أمام البرلمان يوم 19 أكتوبر 2026، أكدت رئيسة الحكومة أن الأولوية لم تعد تقتصر على توسيع التغطية الاجتماعية، بل تشمل تحسين جودة الخدمات، والانتقال من حجم الاستثمار إلى مردوديته، ومن تعدد البرامج إلى تكاملها وأثرها. وبالتالي يمكن رصد أربعة رهانات أساسية تواجه برنامج الحكومة الجديدة:

1. الرهان الاجتماعي من خلالتحسين القدرة الشرائية، ومحاربة آثار الغلاء، والارتقاء بخدمات الصحة والتعليم، وتحسين ظروف العيش. ويكمن الاختبار في الانتقال من إعلان النوايا إلى تحسين محسوس في الحياة اليومية.

2. رهان الشباب والثقة السياسية من خلال فتح آفاق التشغيل والإدماج أمام الشباب، والتعامل مع العزوف الانتخابي باعتباره مؤشراً محتملاً على أزمة تمثيل، وليس مجرد ضعف في المشاركة.

3. رهان العدالة المجالية من خلال العمل على الحد من التفاوتات بين المدن والقرى وبين الجهات، وضمان ألا تظل ثمار الاستثمار والتنمية مركزة في مجالات محدودة.

4. رهان الحكامة والمحاسبة من خلال محاربة الفساد والريع، وتحسين فعالية السياسات العمومية، وربط المسؤولية بالنتائج. وهذا الرهان يكتسي أهمية خاصة في ضوء الانتقادات الموجهة إلى الأداء الحكومي السابق.

تتيح قراءة البرنامج الحكومي المغربي للفترة 2026–2031، الذي قُدّم أمام البرلمان في 19 أكتوبر 2026، الانتقال من مناقشة طبيعة الرهانات التي تواجه حكومة فاطمة الزهراء المنصوري إلى تحليل الآليات التي تقترحها الحكومة لمواجهتها، ومدى قابليتها للتنفيذ والقياس والمحاسبة.

وللاجابة عن مختلف هذه الرهانات والانتظارات ، فقد حدد البرنامج الحكومي الجديد في سبع أولويات، تشمل دولة الحق والقانون، ومحاربة الفساد والريع، وصيانة الهوية وتماسك المجتمع، والدولة الاجتماعية، وإدماج الشباب، والسيادة الاستراتيجية والإشعاع الدولي، وبناء اقتصاد قادر على تمويل الطموح التنموي.

1. فلمواجهة رهانات دولة الحق والقانون ومحاربة الفساد والريع تضمن البرنامج الحكومي مجموعة من الآليات القانونية والرقابية تتمثل

– استكمال منظومة النزاهة ومحاربة الفساد.

– التعهد بتجريم الإثراء غير المشروع ومعالجة تضارب المصالح وتعزيز التصريح الإجباري بالممتلكات.

– تشديد مراقبة الصفقات العمومية والتحقيق في حالات التواطؤ في طلبات العروض.

– تعزيز دور المؤسسات المكلفة بالمنافسة ومحاربة الاحتكار.

2. ولمواجهة الغلاء والهشاشة الاجتماعية حدد مجموعة من آليات الدعم المباشر والإصلاح الضريبي وتنظيم الأسواق تتمثل في :

– رفع الدعم الاجتماعي المباشر تدريجياً إلى 1000 درهم عند نهاية الولاية.

– إقرار تعويض اجتماعي للأسر المستحقة عن فاتورة الكهرباء التي لا تتجاوز 100 درهم شهرياً، وفق الشروط المعلنة.

– إصلاح تدريجي للضريبة على الدخل لتحسين الأجور الصافية.

– إصلاح مسالك توزيع اللحوم والأسماك، وتقريب المنتجين من المستهلكين، وتنظيم العلاقة بين التصدير وتموين السوق الداخلية.

3.أما لمعالجة أزمة التشغيل وإدماج الشباب، فقد حدد عددا من آليات التكوين والإدماج المهني ودعم المقاولات تشمل :

– تكوين 100 ألف شاب سنوياً ابتداءً من 2027 وفق حاجيات المقاولات.

– تمكين نحو 100 ألف شاب سنوياً من تجربة مهنية أولى.

– رفع الطاقة الاستيعابية للتكوين بالتدرج إلى ما بين 150 ألفاً و200 ألف مستفيد سنوياً.

– مواكبة 60 ألف مقاولة، وتسهيل حصولها على التمويل والأسواق والصفقات العمومية.

– تفعيل جواز للحركية المهنية ومواكبة انتقال الشباب إلى مناطق العمل.

4. ولإصلاح التعليم والصحة تضمن البرنامج الحكومي عددا من آليات تحسين الجودة والتتبع والرقمنة تتمثل في :

– رفع نسبة التلاميذ المتحكمين في التعلمات والكفايات الأساسية إلى 80% على الأقل بحلول 2031.

– استهداف «صفر انقطاع عن الدراسة» في أفق 2030، عبر الرصد المبكر للتلاميذ المهددين بالانقطاع وإعادة إدماجهم.

– مواصلة تطوير مؤسسات الريادة والدعم التربوي والتقييم المنتظم.

– تحسين الولوج إلى الخدمات الصحية ومعالجة الخصاص المجالي في العرض الصحي.

– تعزيز الموارد البشرية الصحية، وتطوير منظومة معلوماتية صحية وطنية موحدة، وتحسين خدمات المستعجلات.

5. أما لتقليص الفوارق المجالية ودعم الاستثمار المحلي ، فيقترح ا البرنامج الحكومي عددا من آليات التمويل الجهوي والدعم السكني والصفقات العمومية تتمثل في :

– رفع التحويلات المالية إلى الجهات إلى ما لا يقل عن 12 مليار درهم سنوياً ابتداءً من 2027.

– ربط عقود البرامج بين الدولة والجهات بأهداف التشغيل والاستثمار وتقليص الفوارق.

– تخصيص 30% من قيمة الصفقات العمومية للمقاولات المغربية الصغرى والمتوسطة، وفق الالتزام المعلن.

– تأهيل أو بناء 100 ألف مسكن في الوسط القروي خلال الولاية، مع دعم مباشر للأسر المؤهلة.

6. وفيما يتعلق بتأمين السيادة المائية والطاقية والغذائية، فقد تضمن هذا البرنامج آليات الاستثمار في البنيات الاستراتيجية وتنويع الموارد من خلال :

– تسريع مشاريع تحلية مياه البحر، بهدف تعبئة 1.8 مليار متر مكعب في أفق 2031.

– مواصلة مشاريع السدود والربط بين الأحواض المائية.

– رفع حصة الطاقات المتجددة إلى أكثر من 52% من المزيج الطاقي بحلول 2030.

– رفع حصة البذور الوطنية من 20% إلى 50% خلال الولاية، وفق الأهداف المعلنة.

7. تمويل الطموح التنموي وتحقيق النمو الاقتصادي من خلال الاعتماد على آليات الاستثمار الخاص وضبط المالية العمومية والتي من أبرزها :

– استهداف متوسط نمو اقتصادي سنوي قدره 5% خلال 2027–2031.

– رفع مساهمة القطاع الخاص إلى ثلثي الاستثمار الوطني.

– استهداف إبقاء التضخم في حدود 2% سنوياً.

– حصر عجز الميزانية في حدود 3% من الناتج الداخلي الإجمالي، والسعي إلى خفض الدين العمومي إلى نحو 62% من الناتج بحلول 2031.

– استهداف استقطاب 26 مليون سائح بحلول 2030.

رابعا البرنامج الحكومي بين التقييم السياسي والمؤسساتي

تقوم الآليات التي أعلن عنها البرنامج الحكومي على مزيج من الدعم الاجتماعي المباشر، والإصلاح القانوني والرقابي، والتكوين والتشغيل، وتحسين الخدمات العمومية، والاستثمار الجهوي، وتعزيز السيادة الاستراتيجية، وضبط المالية العمومية. مما يثير مجموعة من الملاحظات التي يمكن إجمالها في ثلاث ملاحظات أساسية:

-الملاحظة تتمثل في الانتقال من العموميات إلى بعض الالتزامات القابلة للقياس حيث يتضمن البرنامج أهدافاً رقمية في التشغيل والتعليم والدعم الاجتماعي والاستثمار، مما يتيح إمكان تقييم الأداء لاحقاً على أساس معطيات محددة.

– الملاحظة الثانية تتمثل في الجمع بين الاستمرارية والتصحيح ، حيث يواصل البرنامج أوراشاً قائمة في الحماية الاجتماعية والبنيات التحتية، لكنه يعلن أيضاً عن تدابير لمعالجة اختلالات الأسعار والتشغيل وجودة الخدمات. ويظل مدى التجديد رهيناً بكيفية التنفيذ.

– الملاحظة الثالثة تتجسد في الفجوة المحتملة بين الطموح والقدرة على الإنجاز حيث : تتطلب الأهداف تمويلاً مستداماً وتنسيقاً بين القطاعات والمؤسسات، فضلاً عن آليات شفافة لتحديد المستفيدين وتقييم النتائج. وقد يصبح هذا التحدي محوراً أساسياً في العلاقة بين الحكومة والبرلمان.

وعموما ، فإن أي تقييم سواء كان سياسيا أو عمليا لهذه الآليات ستتحدد بقدرة الحكومة على تحويلها إلى إجراءات ممولة ومؤطرة زمنياً، ثم إخضاعها للتقييم والمحاسبة. مما يطرح السؤال حول هل ينتقل البرنامج الحكومي من منطق الالتزامات الانتخابية إلى منطق النتائج القابلة للقياس، أم ستظل بعض أهدافه رهينة الصعوبات المالية والإدارية والتنسيق بين المؤسسات؟ خاصة وأن المعادلة الاقتصادية الصعبة التي يطرحها البرنامج تتمثل في ضرورة تعبئة استثمارات كافية لتمويل التشغيل والدولة الاجتماعية، مع الحفاظ على استدامة المالية العمومية. وهي معادلة تتطلب متابعة مصادر التمويل وتوزيع ثمار النمو والارتهان إلى تطورات دولية وإقليمية ومناخية غير مستقرة وغير واضحة على المدى المتوسط