أكتب إليكم اليوم من موقعي كفاعل في العدالة الانتقالية، مؤمن بتجربة بلده في الإنصاف و المصالحة، ومن تجربة شخصية ما زالت تحمل ألم التعذيب و الاعتقال الفظيع، وبعد ربع قرن من العمل على بناء مصالحة تليق بالمغاربة وتصون كرامتهم.
لا أعرف سيدي إن كنتم قد شاهدتم فيلم «Argentina, 1985»، الذي يستعيد محاكمة قادة الحكم العسكري الأرجنتيني سنة 1985. أستحضره هذا الفلم الجميل لما يطرحه من أسئلة حول شهادات الضحايا، وإثبات المسؤوليات، وقدرة مجتمع على مواجهة ماضي الانتهاكات.
لقد اخترت الانخراط في هذا الأفق بكل صدق. راهنت على قدرتنا على تحويل المعاناة إلى إصلاح، وعلى أن يصبح الاعتراف بما جرى أساسًا لبناء الثقة بين المواطن والمؤسسات. وكان أملي أن يتمكن أبناؤنا من العيش في وطن يشعرون فيه بالأمان، ويستطيعون التعبير والاختلاف دون خوف.
لهذا آلمني وصفنا ب «الطابور الخامس» الذي استعملتموه، بحسب ما نقلته الصحافة عن مداخلتكم بمجلس المستشارين، في سياق الرد على من يثيرون الاتهامات المرتبطة بماضيكم الأمني. فمن يناقش شهادات عن الانتهاكات يستطيع أن يعترض عليها، وأن يطالب بأدلتها، وأن يقدم روايته بشأنها. أما وضع وطنية أصحابها موضع شبهة، فيضيف إلى الخلاف حول الوقائع إهانة يصعب على من تألموا احتمالها.
إنه التاريخ، أيها السيد محمود عرشان… فقد تعيد كلمة واحدة منه إلى الحاضر ألمًا ظن بعضنا أن الزمن خفف وطأته. وما يبدو للبعض سجالًا سياسيًا عابرًا قد يستعيد لدى آخرين تجربة اعتقال قاسية، أو خوفًا و رهابا قديمًا، أو فقدًا لم يجد جوابًا.
ومن موقعي الشخصي، أقول إن تجربة التعذيب والاعتقال أورثتني حزنًا عميقًا لم يبدّده انخراطي الصادق في المصالحة. فحتى اليوم، حين تحلّ ذكرى اعتقالي، أبكي، وقد يستغرقني البكاء يومًا كاملًا. دموعٌ حرصت على إخفائها عن ابنتي وزوجتي وعن الناس، وأنا أواصل العمل وأتشبّث بالأمل. أكتب هذا لأنني أعرف مقدار الجهد الذي يتطلّبه أن يحمل الإنسان ألمه طوال ربع قرن، وأن يظلّ، رغم ذلك، قادرًا على العطاء والرجاء.
لقد انخرطت في المصالحة بجراحي، وبإيمان بأن ما عشته يمكن أن يصبح دافعًا لبناء مستقبل أكثر عدلًا. وما زلت متمسكًا بهذا الاختيار. لكن صدقه لا يعني أن الألم انتهى، ولا يمنح أحدًا حق الاستخفاف به.
هذا هو العمق الذي أفهم به العدالة الانتقالية: اعتراف بالضحايا وكرامتهم، وكشف للحقيقة، ومساءلة عن الانتهاكات وفق إجراءات عادلة، وجبر للضرر موصول بإصلاح المؤسسات وضمانات عدم التكرار. وفي هذا الأفق تكتسب المصالحة معناها وصدقيتها. وهي تقتضي أيضًا فضاءً عموميًا يحترم من يتحدثون عن معاناتهم، ولو كانت شهاداتهم محرجة أو مؤلمة.
لقد انخرطت، إلى جانب غيري، في مسار للمصالحة، وظللت أرى في طلب الحقيقة والإنصاف امتدادًا لهذا الالتزام. ولا أعتبر اختياري تفويضًا بالحديث باسم جميع الضحايا، أو تنازلًا عن حقوقهم. فالمصالحة التي أؤمن بها تتسع لشهاداتهم ومطالبهم، وتحترم حقهم في السعي إلى الإنصاف وفق القانون وضماناته. ولا أحد يملك أن يحدد لهم متى ينتهي ألمهم، أو كيف ينبغي أن يتحدثوا عنه.
هنا أجد معنى استحضار «Argentina, 1985»، مع إدراكي اختلاف السياقين المغربي والأرجنتيني. ففي الفيلم يتقدم الضحايا إلى منصة المحكمة ليرووا ما عاشوه، فتدخل شهاداتهم في مسار قضائي تُفحص فيه الأقوال والأدلة لتحديد الوقائع والمسؤوليات. وهو بذلك يدعونا إلى التفكير في الانتقال من المواجهة بالكلام إلى الفحص الجدي للشهادات، مع صون قرينة البراءة وحقوق الدفاع.
ومن هذا المنطلق أسألكم: إذا اتخذت هذه المطالب مسارًا قضائيًا، فهل أنتم مستعدون للاستجابة له، وتقديم روايتكم ومناقشة الشهادات والأدلة أمام قضاء مستقل، مع كامل ضمانات المحاكمة العادلة؟ سؤال أحترم فيه حقكم في الدفاع عن أنفسكم، مثلما أتمسك بحق من ينسبون إليكم انتهاكات في أن تُسمع أقوالهم وتُفحص بجدية.
أما سؤالي إلى المجتمع والمؤسسات، فهو عن الأمل الذي اشتغلنا عليه طوال ربع قرن: كيف نحميه؟ وكيف نصون الثقة التي حاولنا بناءها، إذا صار الكلام عن الانتهاكات مناسبة للطعن في وطنية أصحاب الشهادات؟
لقد وضعنا في هذا الأمل سنوات من أعمارنا، وعملًا وصبرًا، وجزءًا عزيزًا من قدرتنا على تجاوز ما عشنا. وحين مددنا أيدينا للمصالحة، كنا نرجو أن نجد في المستقبل ما يبرر تلك الثقة. ومن مسؤوليتنا المشتركة أن نصونها باحترام كرامة الضحايا، وإبقاء الطريق إلى الحقيقة مفتوحًا، وتحمل المسؤولية عن الكلمات التي تُقال من داخل المؤسسات.
وأؤكد هنا ثقتي في تجربة الإنصاف والمصالحة في بلدي، التي أرى فيها تعبيرًا قويًا عن تلاقي الإرادة الملكية مع تطلعات الشعب المغربي إلى العدل والكرامة، ومع إرادة الضحايا الذين انخرطوا في هذا المسار وأسهموا في بنائه، دون أن أدّعي الحديث باسمهم جميعًا. ومن هذه الثقة ينبع حرصي على صون مكتسبات التجربة، واستكمال ما بقي من أوراشها، والوفاء لروحها وتوصياتها. فاحترام ذاكرة الضحايا وكرامتهم، والإنصات إلى مطالبهم، يمنحان هذا المسار قوته ويعززان الأمل الذي فتحه أمام بلادنا.
فهل شاهدتم فيلم «Argentina, 1985»، السيد محمود عرشان؟
أترك لكم السؤال، وأنبهكم إلى أنكم بتصريحاتكم هذه فأنتم تهدّدون الدولة و المجتمع، وأتمسك بالأمل الذي قادني طوال ربع قرن: أن نستطيع النظر إلى ماضينا بشجاعة، وأن نبني وطنًا لا تتكرر فيه المأساة، ولا يُترك فيه من تألموا وحدهم أمام جراحهم.