إبداع جديد للفنان المغربي فيصل لحكيم، يجمع بين الذوق الفني الرفيع واللغة البديعة التي تحمل نسقًا تربويًّا ووصية أبوية حانية، تستهدف إيقاظ الهمم المنكسرة. ويظهر ذلك من خلال المقطع الاستهلالي الذي يحمل نفَسًا روحانيًّا عميقًا، إذ وظّف لفظ «بُنَيَّ» للتلطف والتحبب، كما استحضر لفظة «أَفِقْ» بصيغة الأمر، وباستعارة مكنية تستلهم المشاعر وتوقظ النفس من غفلتها.
وببراعة فنية وتشبيه بلاغي، نادى صاحب النص الفني بضرورة الخروج من حالة التيه في المسالك الوعرة وشعابها، والتخلص من حالة الضياع الروحي. صحيح أنك «تهتَ طويلًا في شعاب الهوى»، ولكن آن الأوان لك أيها «الابن» و«المؤمن» أن تستظل بالعدل الذي يشبه، في عطائه وخيره، السحابَ الممطر الذي يبشر بموسم الخير وقطف الثمار: «ألزَمْ سحابَ العدلِ.. وأمسِكْ بهم». فالاعتصام بالعدل والاستظلال به خير ومنجاة من دروب التيه وزقاق الهوى.
لم يقتصر صاحب النص على تشخيص الحالة النفسية للابن وقراءتها، وما يعتلج في دواخله من حرقة واحتراق نفسي مؤلم له ولمستقبله، بل نجح في توجيه كل من يجد عسرًا في الخروج من التيه نحو الأوبة، وحدّد زمنها في الآن لا في البعيد. إنها فرحة التائب بأوبته، والعاصي بتوبته، وكأننا أمام تقابل بين زمنين: زمن الانتقال من الغفلة إلى اليقظة، ومن زمن العادة الجارفة إلى زمن العبادة المنجية. وهو ما يعني أننا أمام معانٍ تربوية وقيم وعظية تضمّنها هذا المقطع الغني بالمعاني والدلالات.
وبحسّ الفنان الملتزم، وجّه فيصل لحكيم مجموعة من الرسائل القيمية والنصائح الأخلاقية ذات المرامي التربوية، منها:
الخلاص الروحي وتبديد القيود النفسية: ويظهر ذلك من خلال دعوته إلى التحرر من قيود «الغرور والغفلة»، وإدراك البعد الحقيقي للوجود وغايته الأسمى، عبر الارتقاء بالوعي الذاتي والمعنوي والانبعاث الروحي والنفسي.
الصحبة الصالحة والالتزام بالفضائل: إذا كانت «الصحبة مفتاحًا»، فإن النص يشدد على واجب ملازمة أهل العدل والإحسان، والاقتداء بسلوكهم وسِيَر رجالاتهم، وجعلهم سندًا لاقتفاء طرق الوصول إلى الاستقامة والارتقاء بالسلوك. فبهم تتحقق «القصود العالية» وتُبنى «الشهامة العالية»، وبصحبتهم ينجو السالك من المسالك الوعرة.
الذكر والمجاهدة والتعلق القلبي بسيد الخلق ﷺ: خلص الفنان فيصل لحكيم في نصه الروحي إلى تنبيه المتلقي إلى لزوم الذكر: «واسلكْ بذكرِ اللهِ.. سُبلَ التقى»، باعتباره وسيلة لتحقيق التنوير القلبي والتزكية الروحية. وشدّد على الالتزام بالصدق في السير نحو التغيير، وفي رحلة العبد من أجل الهجرة المعنوية نحو المولى جل وعلا، وعلى عدم التفريط في سلوك سبيل الدعوة إلى الحق. وختم صاحب النص هذا الإبداع الفني والسفر الروحي بإيقاظ الهمم قصد بلوغ القمم، وذلك بالصلاة المستمرة على سيدنا محمد ﷺ: «صلِّ على محمدٍ وارجهِ،…. يومَ حشرِكَ …».
وتأسيسًا على كل ما سبق، يمكن القول إن هذا الإبداع الفني الجميل يُحيي في النفس القدرة على التأمل في هذا النمط الإبداعي الذي يخاطب الروح والوجدان، ويضع النفس أمام حقيقتها وهي تتلقى هذه الرسائل الأبوية الحانية التي تلامس شغاف الفؤاد والمُهَج. إن الاستماع إلى هذا الإبداع الجديد لصاحبه فيصل لحكيم يشحذ الهمم، ويسمو بالنفس نحو صحبة الأخيار، ويرفع من قيمة المرء، وينقذه من زمن التيه إلى رحابة اليقظة، بتعبير صاحب المقطع.