أشادت مكونات من الأغلبية بمضامين البرنامج الحكومي الذي قدمته رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري، مبرزة رهاناته في محاربة الفساد والريع وتضارب المصالح، وتعزيز العدالة المجالية والاهتمام بالشباب والاستثمار، فيما انتقدت مكونات من المعارضة استمرار عدد من اختيارات الحكومة السابقة وغياب تصورات جديدة، إلى جانب افتقار البرنامج لضمانات وآجال واضحة لتنفيذ الالتزامات والتراجع عن وعود اجتماعية مرتبطة بالأجور والقدرة الشرائية.
ويعكس تباين هذه المواقف اختلاف تقييم الفرق النيابية لأولويات البرنامج الحكومي؛ فبينما ركزت مداخلات على محاربة الفساد والريع وتعزيز الاستثمار والعدالة المجالية، انصبت انتقادات أخرى على استمرارية السياسات السابقة وغياب ضمانات التنفيذ، ومدى استجابة الالتزامات الحكومية لانتظارات المواطنين في المجالات الاجتماعية والاقتصادية.
وفي هذا السياق، اعتبر أحمد عبادي، رئيس فريق التقدم والاشتراكية بمجلس النواب، أن البرنامج الحكومي يتضمن مرتكزات سياسية وتنموية أساسية، في مقدمتها الدفاع عن الوحدة الترابية للمملكة، وتعزيز الحقوق والحريات، ومحاربة الفساد والريع وتضارب المصالح والإثراء غير المشروع.
وأبرز عبادي أهمية توجه البرنامج نحو اللامركزية واللاتمركز وتعزيز الجهوية، معتبرا أن هذه الاختيارات تمثل مدخلا أساسيا لتقليص الفوارق المجالية والاجتماعية والقطع مع ما وصفه بـ”مغرب السرعتين”.
وشدد رئيس فريق التقدم والاشتراكية على أن تنمية العالم القروي والمناطق الجبلية تستدعي اعتماد برامج مندمجة، وتعزيز دور المنتخبين في تدبير الشأن المحلي، في إطار الديمقراطية الترابية والتشاركية، بما يضمن استفادة مختلف المناطق من فرص التنمية.
كما نوه بالتوجه نحو وضع برنامج مندمج للشباب، عوض استمرار تشتت المبادرات بين القطاعات الوزارية، معتبرا أن بلورة استراتيجية موحدة للشباب يمكن أن تعزز فعالية السياسات العمومية الموجهة لهذه الفئة.
وسجل عبادي، أيضا، أهمية تعزيز دور الاستثمار الخاص في تحريك الاقتصاد الوطني، مع استمرار الاستثمار العمومي باعتباره رافعة للتنمية، مؤكدا ضرورة تحقيق توازن مجالي يتيح للمناطق القروية والجبلية مواكبة الدينامية التنموية التي تعرفها المراكز الحضرية الكبرى.
من جانبه، اعتبر الحسن لشكر، رئيس الفريق الاشتراكي بمجلس النواب، أن البرنامج الحكومي يتقاطع في عدد من محاوره مع توجهات الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ومقترحاته، خصوصا فيما يتعلق بمحاربة الفساد وتعزيز فعالية المؤسسات وتحسين نجاعة السياسات العمومية.
وأبرز لشكر أن الفريق الاشتراكي سبق أن دعا إلى إرساء منظومة قوية لمحاربة الفساد، كما تقدم بمقترحات تشريعية مرتبطة بالإثراء غير المشروع وهيئة النزاهة، معتبرا أن توفير آليات عملية في هذا المجال من شأنه تعزيز الثقة بين المواطنين والمؤسسات وتحسين فعالية التدخلات العمومية.
وفي ما يتعلق بمنظومة الأسعار والدعم العمومي، شدد رئيس الفريق الاشتراكي على ضرورة توفير ضمانات تتيح التأكد من أن الامتيازات والتحفيزات الممنوحة تحقق أهدافها وتنعكس فعليا على الاقتصاد والمواطنين.
وعلى المستوى الاجتماعي، سجل لشكر بإيجابية الاهتمام الذي أولاه البرنامج الحكومي للتعليم الأولي، معتبرا أن تخصيص اهتمام مؤسساتي لهذا القطاع يمكن أن يسهم في تعزيز أسس المسار التعليمي للأجيال المقبلة.
كما توقف عند برامج الصحة والتشغيل، مشددا على أهمية الانتقال من قياس نجاح برامج التكوين بعدد المستفيدين منها إلى تقييمها بناء على قدرتها على توفير فرص شغل حقيقية.
كما أكد لشكر أن الاتحاد الاشتراكي لا يتهرب من تحمل المسؤولية، خاصة في القطاعات الاجتماعية التي يتولى تدبير بعضها، لكنه شدد على ضرورة القطع مع أساليب التدبير السابقة واعتماد مقاربة تقوم على المواكبة والانفتاح على المجالس والإعلام والفاعلين القطاعيين، بما يتيح تدبير الأزمات واستباقها.
في المقابل، انتقد ياسين عوكاشا، رئيس الفريق النيابي للتجمع الوطني للأحرار، استمرار عدد من السياسات والاختيارات التي اعتمدتها الحكومة السابقة، مشيرا إلى أن بعض البرامج الواردة في التصريح الحكومي، من قبيل المدارس الرائدة والمشاريع المرتبطة بتحسين مناخ الاستثمار، تشكل امتدادا لتوجهات سابقة، دون تقديم تصورات وخيارات جديدة بالقدر المطلوب.
وسجل عوكاشا أن من بين النقاط التي كان ينتظر أن تحظى باهتمام أكبر مسألة المناصفة داخل التشكيلة الحكومية، معتبرا أن تمثيلية النساء كان ينبغي أن تبلغ نصف أعضاء الحكومة، رغم تثمينه تولي امرأة رئاسة الحكومة واعتباره ذلك مكسبا للمسار الديمقراطي والسياسي بالمغرب.
كما أثار رئيس الفريق النيابي للتجمع الوطني للأحرار مسألة غياب تمثيلية مباشرة للجالية المغربية المقيمة بالخارج داخل التشكيلة الحكومية، بالنظر إلى أهميتها ومكانتها، مؤكدا أن فريقه سيضطلع بمهامه من موقع المعارضة، من خلال ممارسة أدواره الدستورية والنيابية بوضوح في المواقف والمسؤوليات.
من جهتها، أعلنت نجيبة جلال، رئيسة المجموعة النيابية لتحالف اليسار، أن مجموعتها ستصوت ضد البرنامج الحكومي، معتبرة أنه يفتقر إلى ضمانات وآجال محددة لتنفيذ الالتزامات التي تضمنها التصريح الحكومي.
وأكدت جلال أن أي برنامج حكومي لا يتضمن إجراءات عملية وآجالا واضحة للتنفيذ لا يمكن اعتباره واقعيا أو كافيا للاستجابة لانتظارات المغاربة، خصوصا في ظل التحديات المرتبطة بالصحة والتعليم والقدرة الشرائية والأجور.
وانتقدت ما اعتبرته تراجعا عن عدد من الوعود والملفات الاجتماعية التي سبق أن أثارت اهتمام الرأي العام، مشيرة إلى غياب التزامات واضحة بشأن الزيادة في الأجور والحد الأدنى للأجور، فضلا عن ملفات تضارب المصالح ومجانية الماء والكهرباء.
واعتبرت رئيسة المجموعة النيابية لتحالف اليسار أن البرنامج الحكومي لا يقدم أجوبة كافية عن الإشكالات التي يعيشها المواطنون، ولا يترجم انتظاراتهم إلى التزامات قابلة للتنفيذ والقياس.
كما أثارت محدودية الحيز الزمني المخصص لمكونات المعارضة خلال مناقشة التصريح الحكومي، مشيرة إلى أن الوقت المتاح لا يسمح بعرض مختلف أوجه النقد والتصورات البديلة بشكل مفصل.