بين الإقناع السياسي واستحقاقات التدبير، تتحدد مصداقية الحكومة بمدى قدرتها على تحويل الوعود المعلنة إلى نتائج يلمسها المواطن في حياته اليومية. وتتيح الجلسات البرلمانية المخصصة لمناقشة البرنامج الحكومي اختبار هذه العلاقة، من خلال مساءلة الحكومة بشأن التزاماتها، وفحص قدرتها على تبرير اختياراتها بالحجة والمعطيات.
وجاءت الجلسة التي عقدها مجلس النواب مساء الخميس 22 أكتوبر 2026، لتقديم أجوبة رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري عن مداخلات الفرق البرلمانية والنواب، مناسبة لفحص أدائها الخطابي ودلالاته السياسية، ومدى استجابته للقضايا التي أثارتها المعارضة.
اتسمت أجوبة المنصوري، وفق قراءة لمضمون تدخلاتها وطريقتها في إدارة النقاش، بنبرة مباشرة وحضور سياسي واضح، مع حرص على الرد على الانتقادات والدفاع عن اختيارات الأغلبية. وأتاح التفاعل المباشر مع مداخلات الفرق البرلمانية لها فرصة توضيح مواقفها ومواجهة الاعتراضات المطروحة، وسط نقاش اتسم بالحيوية واختلاف المواقف. وبمدى تقديمه لأجوبة مقنعة عن القضايا المثارة، واستنادها إلى معطيات واضحة تفسر اختيارات الحكومة وتبرر توجهاتها.
وقد طغى الطابع السجالي على بعض ردود رئيسة الحكومة، خصوصاً في مواجهتها انتقادات حزب العدالة والتنمية والاتهامات الموجهة إليها وإلى حزبها. وفي معرض ردها، استحضرت المنصوري وقائع مرتبطة بالفساد الانتخابي، شملت قضية مرشح من حزب العدالة والتنمية خلال انتخابات سنة 2016، قيل إنه ضُبط في حالة تلبس بتوزيع المال، إلى جانب قضية مرتبطة بحزب الأصالة والمعاصرة، في سياق ردها على الانتقادات الموجهة إليها وإلى حزبها بشأن ما عُرف إعلامياً بملف «الحقيبة». كما ربطت موقفها من هذا الملف بضرورة انتظار مسار القضاء والتعامل مع الوقائع الفردية وفق المسؤولية القانونية.
ويطرح هذا الجانب من الجلسة سؤالاً بشأن حدود السجال السياسي داخل المؤسسة التشريعية. فمن حق رئيسة الحكومة الدفاع عن نفسها وعن مشروعها السياسي، والرد على ما تعتبره اتهامات تفتقر إلى السند الكافي؛ غير أن المسؤولية الحكومية تقتضي أيضاً توضيح السياسات والإجراءات والضمانات المؤسسية. وتظل قيمة المواجهة البرلمانية مرتبطة بقدرتها على الانتقال من تبادل الاتهامات إلى مناقشة الحجج والبرامج والنتائج، مع احترام الأشخاص والمؤسسات وصيانة حق الاختلاف.
وتزداد أهمية هذا الدور الرقابي بالنظر إلى التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي تواجه الأسر والشباب والباحثين عن فرص الشغل. فتكلفة المعيشة، وفرص الإدماج المهني، وعدالة توزيع الاستثمارات، وجودة المدرسة العمومية والخدمات الصحية، كلها قضايا تمس الحياة اليومية للمواطنين، وتتطلب أجوبة تتجاوز إعلان الأولويات إلى تحديد التدابير والموارد والآجال اللازمة لتنفيذها.
وتشمل التوجهات المعلنة للحكومة ملفات ذات أهمية مباشرة، من بينها دعم الأسر، ومحاربة الفساد وتضارب المصالح، وتعزيز فرص الشباب، وتحسين التعليم والصحة، وتطوير الاقتصاد الوطني. وقدمت رئيسة الحكومة برنامجها باعتباره تعاقداً سياسياً ومؤسساتياً يرتبط بمسؤولية الحكومة أمام المواطنين وبالدور الرقابي والتقييمي للبرلمان.
غير أن قيمة هذه الالتزامات تظل مرتبطة بكيفية تنزيلها. فمحاربة الفساد تحتاج إلى قواعد واضحة لتضارب المصالح، وآليات فعالة للرقابة، وضمانات لتطبيق القانون على الجميع. ويتطلب دعم القدرة الشرائية تدابير تراعي دخل الأسر وكلفة السلع الأساسية وآليات التوزيع والتسويق، فيما يرتبط تحسين التعليم والصحة بتوفير الموارد البشرية والتجهيزات، وحسن تدبير المؤسسات، ومراقبة جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
وخلال مناقشة البرنامج الحكومي، أثارت مكونات المعارضة ملاحظات بشأن غياب آجال دقيقة لبعض الالتزامات وعدم وضوح وسائل التمويل المرتبطة بها، في حين دافعت مكونات الأغلبية عن البعد الاجتماعي للبرنامج وأولوياته الاقتصادية. ويضع هذا الاختلاف آليات التنفيذ والتتبع في صلب المساءلة البرلمانية؛ إذ تتيح التقارير الدورية، المدعومة بمعطيات منشورة عن الإنجازات والتعثرات، مقارنة التعهدات بالنتائج، وتحديد مواطن الخلل، وتصحيح الاختلالات قبل تفاقمها.
وتظهر أهمية هذا التقييم في الأثر الفعلي للسياسات العمومية على حياة المواطنين.فنجاح سياسة التشغيل رهين بتوفير فرص عمل فعلية ومستقرة، كما تتوقف جودة إصلاح الصحة على سهولة الولوج إلى العلاج ومستواه، فيما ترتبط فعالية برامج الدعم بوصول المساعدة إلى الفئات المستحقة وفق قواعد عادلة وشفافة . ولا ينفصل تحقيق هذه النتائج عن قدرة الحكومة على الموازنة بين طموح الوعود وحدود الإمكانات المالية والإدارية، وترتيب الأولويات وفق حاجات المجتمع.
في المقابل، تظل المعارضة شريكاً أساسياً في مراقبة التنفيذ وتقديم البدائل ومساءلة المسؤولين عن القرارات والنتائج، فيما تتحمل الأغلبية مسؤولية الدفاع عن البرنامج الحكومي ومواكبة تنزيله. ويقتضي ذلك تعاوناً مؤسساتياً يحفظ انسجام العمل الحكومي من دون أن يحد من فاعلية الرقابة أو يفرغ الاختلاف السياسي من مضمونه.
قدمت فاطمة الزهراء المنصوري، خلال جلسة مجلس النواب، نموذجاً في الدفاع السياسي عن البرنامج الحكومي اتسم بالمباشرة والقدرة على مجابهة الانتقادات. لكن الحكم على هذا الأداء يظل منفصلاً عن الحكم على حصيلة الولاية الحكومية؛ فالإشادة بقوة المرافعة لا تعني بالضرورة تحقق الوعود، كما أن الانتقاد السياسي لا يلغي قيمة جواب يستند إلى الحجة والمعطيات.
يبقى الرهان الأساسي أمام الحكومة هو ترجمة الالتزامات المعلنة إلى تحسن ملموس في التشغيل والدخل والتعليم والصحة، وإلى تقدم فعلي في محاربة الفساد .وستتحدد القيمة العملية لما قُدم تحت قبة البرلمان بمدى اتساق القرارات المتخذة مع التعهدات المعلنة، وبما تحققه من نتائج قابلة للقياس. فالمواطن يحتاج إلى خطاب يمنحه الثقة، وإلى ممارسة يومية تؤكد جدوى تلك الثقة؛ وبين الكلمة والإنجاز يتحدد الوفاء بالالتزامات معياراً للحكم على الأداء العمومي.