سربات التبوريدة: صهيل التاريخ على صهوات الجياد
منتدى العمق

سربات التبوريدة: صهيل التاريخ على صهوات الجياد

ليس صهيل الخيول ودويُّ البارود في عروض التبوريدة مجرد مشهد احتفالي يستحضر أمجاد الماضي، بل هما صوت تراث ما زال حاضرا بفضل فرسان يحملون تقاليده، وسربات تحرص على نقلها من جيل إلى آخر.” فالتبوريدة ” أحد أبرز فنون الفروسية التقليدية في المغرب لا تُختزل في سرعة الخيول أو دقة الطلقة الجماعية، بل تختزن مهارات وعادات ومعارف تُشكل جزءا من الذاكرة الثقافية للمغاربة.

وقد أَدرجت منظمة اليونسكو التبوريدة ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية سنة 2021 اعترافا بقيمتها الثقافية وأهمية استمرار ممارستها، لكن وراء هذا الاعتراف حكاية لا تقل أهمية، هي حكاية السربات والفرسان الذين لا يكتفون بعرض هذا الفن أمام الجمهور، بل يُساهمون في الحفاظ على قواعده ونقلها إلى الأجيال الجديدة.

حين يتكلم العلام تُنصت السربة:

عندما يعطي ” العلام ” قائد السربة إشارة الانطلاق بعد اصطفاف الفرسان جنبا إلى جنب، تتجه الأنظار إليه فالأمر لا يتعلق بمجموعة من الفرسان يمتطون خيولهم فحسب، وإنما بأداء جماعي يتطلب الانضباط والدقة والقدرة على الإصغاء.

تبدأ التعليمات بعبارات من قبيل ” المكحلة على المكحلة”، “ركبوا الحبَّة”، ثم تتوالى التوجيهات: “حكّم رجليك فالركاب”، “وشد لجام الخيل”، و” حضي عاودك، عينك ميزانك مع خوك”، إنّها نداءات تحمل تعليمات عملية وتذكّر كل فارس بضرورة الانتباه إلى فرسه وحركة رفاقه في الوقت نفسه.

وقد يردد العلاّم ” ها همّا جاو.. ها همّا جاو” لِتحفيز الفرسان وإثارة حماس الجمهور، أو ” زيد… زيد…خف يدك” لِضبط الحركة والسرعة. وبين هذه النداءات تتضح أهمية العلاّم في توجيه السربة، كما تتجلى مسؤولية كل فارس في تنفيذ التعليمات دون أن يفقد انسجامه مع المجموعة.

“الهدة”.. حين تتوحد الطلقات:

تبلغ التبوريدة ذروتها في لحظة “الهدة ” حين ينتظر الفرسان إشارة العلاّم لإطلاق البارود في توقيت واحد، وقد تختلف الصيحات من سربة إلى أخرى مثل: ” يدك على المكحلة” أو ” نوضوا نوضة وحدة”، أو “الحامي الله”، لكن الغاية واحدة وهي أن تتوحد الطلقات في لحظة خاطفة.ما يسمعه الجمهور كأنه طلقة واحدة مدوية هو ثمرة التدرب والتنسيق بين أفراد السربة، وبعد نجاح “الهدة” تتعالى الزغاريد وأصوات التشجيع ويردد الفرسان عبارات مثل “الله يربح” أو “تبارك الله علينا”، غير أن هذه اللحظة الاحتفالية تخفي وراءها انضباطا جماعيا يجعل كل فارس مسؤولا عن أدائه أمام رفاقه.

وتظهر خصوصية التبوريدة أيضا في اختلاف بعض تفاصيلها من منطقة إلى أخرى ففي التبوريدة الصحراوية يوجّه الفرسان بنادقهم نحو الأرض عند نهاية “الجرية” خلافا لما هو شائع في عدد من المناطق الأخرى، كما يُفضّل بعض فرسان السربات الصحراوية امتطاء إناث الخيل المعروفة باسم ” العودات”، لما يرونه من ملاءمة لظروف المنطقة مع الاهتمام بالخيل الأصيلة وتقاليد تربيتها والعناية بها.

الانضباط.. هيبة السربة ومسؤوليتها:

إذا أخفق أحد الفرسان في إطلاق البارود بالتزامن مع بقية أفراد السربة، يُطلب منه النزول عن صهوة جواده ومواصلة السير على قدميه وفق القاعدة المعمول بها بين السربات. ولا يُنظر إلى هذا الإجراء باعتباره عقوبة عابرة فحسب بل هو تعبير عن صرامة الانضباط والحرص على تماسك المجموعة وهيبتها.

فنجاح التبوريدة لا يقوم على مهارة الفرد وحده وإنما على انسجام الجميع، وحين يختل هذا الانسجام تتأثر صورة العرض وقد تتأثر سلامة الفرسان أيضا، لذلك لا يكفي أن يمتطي الفارس جواده ويتقن ركوبه بل عليه أن يحترم قواعد السربة، ويُنصت إلى العلاّم ويدرك تماما أن أداءه مرتبط بأداء رفاقه.

من جيل إلى جيل.. تراث تحمله الممارسة:

لا يستمر التراث بمجرد الاحتفاء به في المواسم والمهرجانات، بل يحتاج إلى من يتعلمه ويمارسه وينقله إلى الآخرين، وفي ” التبوريدة” لا يقتصر التعلم على ركوب الخيل وإنما يشمل أيضا العناية بها وإتقان استعمال مستلزمات الفروسية، والمحافظة على الأزياء والتقاليد المرتبطة بهذا الفن.

وتنتقل هذه المعارف من خلال الملاحظة والتدريب والممارسة داخل الأسر وفي محيط السربات، حيث يتعلم الفرسان الجدد من ذوي الخبرة وتتحول بذلك التجربة المتراكمة إلى معرفة حية تنتقل بين الأجيال.

إن دور السربات لا ينتهي بانتهاء العرض كما أن مسؤولية الفرسان لا تقتصر على إتقان “الهدة”، فكل ممارسة تحترم قواعد “التبوريدة” وتتيح نقل مهاراتها تساهم في إبقاء هذا التراث حاضرا، لا باعتباره ذكرى من الماضي بل جزءا من ثقافة تتجدد بالممارسة.

وهكذا فإن صهيل الخيول ودويّ البارود ليسا سوى الوجه الظاهر لفن يحمل ذاكرة أجيال من الفرسان، وبين العلام الذي يقود السربة والفارس الذي يتعلم قواعدها، والأجيال التي تتلقى هذا الموروث، وبهذا تستمر حكاية ” التبوريدة” ذاك التراث الذي لا تصونه الذاكرة وحدها وإنما تحميه الممارسة وتنقله الأجيال إلى المستقبل.