زهير العوري
وجهة نظر

أثر السياسة السائلة على السلوك الانتخابي: أزمة ثقة أم أزمة ثقافة إنتخابية؟

شهد المجتمع المغربي خلال السنوات الأخيرة تحولات بنيوية عميقة شملت مختلف مناحي الحياة، بما فيها الحياة السياسية. واستنادا إلى مفهوم السيولة لدى سيجموند باومان، يمكن القول إن السياسة أضحت حقلا سائلا يتسم بعدم استقرار الالتزامات وتفكك الروابط التقليدية وهشاشتها.

وإزاء هذا الواقع الجديد، برزت في المشهد الانتخابي ظواهر لافتة، من قبيل العزوف الانتخابي، والتصويت العقابي، وعدم الاستقرار الانتخابي، والترحال السياسي.

وهنا تطرح الإشكالية التالية: هل يمكن تفسير هذا التحفظ الانتخابي كأزمة ثقة في المؤسسات والأحزاب، أم باعتباره انعكاسا لأزمة ثقافة انتخابية لم تواكب منطق هذا التحول؟ هل هناك تقدير ايجابي على المستوى النظري للانتخابات ام ان هناك تقدير سلبي يتجه الى رفض الانتخابات في حد ذاتها وليس فقط بسبب ما يشوبها من اختلالات على المستوى العملي؟

في هذا السياق، يقتضي التحليل السوسيولوجي استحضار التراكم النظري الذي حاول مقاربة السلوك الانتخابي، باعتباره موضوعا استراتيجيا يفرض نفسه بإلحاح في ظل التحولات البنيوية التي يعرفها الحقل السياسي.

ويمكن إجمال أبرز المقاربات فيما يلي:

  • المقاربة الجغرافية عند فرنسوا غوغويل: حيث يعتبر السلوك الانتخابي فعلا متجذرا في المجال، يتحدد بمعطيات الجغرافيا الطبيعية والبشرية، فسلوك ناخب الجبل ليس هو سلوك ناخب السهل أو المدينة.
  • المقاربة السوسيولوجية عند بول لازارسفيلد (مدرسة كولومبيا): من خلال مؤلفه المرجعي The People’s Choice، يربط القرار الانتخابي بالمحددات البنيوية للناخب، أي مكانته الاجتماعية، ووضعه الاقتصادي، وشبكة علاقاته الأولية التي تؤطر توجهه.
  • المقاربة المؤسساتية عند موريس دوفرجيه: الذي أكد مبكرا أن العلاقة بين الحزب والناخب ليست علاقة تطابق آلي، بل علاقة وساطة معقدة تخضع لمنطق الجهاز الحزبي.
  • مقاربة الحقل عند بيير بورديو: الذي يدعو إلى تجاوز النظرة الاسمية للحزب، لفهم الحقل السياسي كسوق رمزي يتم فيه تحويل مختلف أشكال الرأسمال (الاجتماعي، الثقافي، الرمزي) إلى رأسمال سياسي قابل للتداول.

و بالعودة الى المعطيات الكمية، فقد بلغ معدل المشاركة في الانتخابات التشريعية المغربية التي جرت في 23 شتنبر 2026 بنسبة 38.02%، أي ما يمثل حوالي 6 ملايين ناخب من أصل أكثر من 15.8 مليون مسجل في اللوائح الانتخابية، فإن ذلك يعني تراجعا إجماليا يقدر بنحو 2.8 مليون مصوت، أي ما يقارب 32% من حجم المشاركة الفعلية مقارنة بالانتخابات السابقة.

وهو مؤشر سوسيولوجي دال على تعمق فجوة العزوف واتساع أزمة الثقة في الحقل السياسي.

في ظل السياسة السائلة، لم يعد الناخب فاعلا محكوما بهوية إيديولوجية صلبة أو ولاء حزبي مستقر، بل أصبح ذاتا تائهة داخل سوق انتخابي متقلب، حيث العرض السياسي قابل للتبادل والاستهلاك السريع.

فالناخب السائل هو ناخب بلا مرجعية ثابتة، يتعامل مع البرامج كشعارات ظرفية، ومع المرشحين كوجوه عابرة، ومع التصويت نفسه كفعل براغماتي مؤقت تحكمه المصلحة الآنية أو رد الفعل الانفعالي، لا كالتزام أخلاقي طويل المدى.

إنه يوجد في حالة اغتراب مزدوج: مغترب عن الأحزاب التي لم تعد تمثله رمزيا، ومغترب عن الفعل الانتخابي نفسه الذي فقد معناه البنيوي. لذلك يتأرجح سلوكه بين ثلاثة أوضاع:

  • العزوف الصامت: كشكل من أشكال الاحتجاج السلبي وانسحاب الثقة.
  • التصويت العقابي: كرد فعل انفعالي على خيبة الأمل.
  • التصويت المتذبذب:حيث يغير ولاءه عند كل استحقاق بحثا عن بديل لم يعد موجودا.

بعبارة بورديو، أصبح الناخب في الحقل السياسي السائل مجرد مستهلك لا منتج للمعنى السياسي، فاقدا للكفاءة الرمزية التي تمكنه من التمييز الموضوعي بين العروض، مما يجعل اختياره فعلا بلا جذور.

إن ما نشهده اليوم من تراجع للصلابة الإيديولوجية والتنظيمية، وذوبان للفروق الجوهرية بين البرامج السياسية، وتحول الأحزاب إلى عناوين قابلة للتبادل، قد أدى إلى تحول الانتماء الحزبي والسياسي من التزام جماعي وأخلاقي وإيديولوجي إلى خيار استراتيجي مؤقت يحكمه منطق السوق والحسابات الآنية.

وغالبا ما يُفسر عزوف المواطنين عن التصويت بضعف الوعي السياسي وسيادة اللامبالاة، خاصة في صفوف الشباب. غير أن هذا التفسير ينطوي على مجازفة منهجية، لأنه ينقل المسؤولية من المؤسسات إلى الأفراد، ويجعل المواطن سببا في الأزمة بدل أن يكون شاهدا عليها ومتضررا منها.

وفي هذا السياق، وجب التمييز بين المرونة والسيولة، فالخلط بينهما يُفقد التحليل دقته الإبستمولوجية. فالمرونة خاصية وظيفية لأي نظام ديمقراطي حي، يقوم على القدرة على التفاوض وبناء التوافقات بين مختلف الفاعلين، أما السيولة بمفهوم باومان فتشير إلى حالة أعمق، حيث يصبح الانتماء الحزبي مجرد أداة انتخابية ظرفية يُستدعى أثناء الاستحقاق ويُهمل بعده. وحين تفقد البرامج قدرتها على التمايز، يصعب على الناخب التمييز الموضوعي بين الخيارات المطروحة، فيفقد الاختيار السياسي أسسه البنيوية ومعناه.

إن النتيجة السوسيولوجية الحاسمة هي أن السياسة السائلة لا تُلغي السياسة كممارسة ظاهرية، فالحملات تستمر والخطابات تتجدد والوجوه تتناوب، لكنها تُفرغ من كثافتها التنظيمية والأخلاقية. كما أن الانسحاب من المشاركة الانتخابية لا يُعبر عن موقف سياسي أحادي، بل هو تعبير مركب تتداخل فيه عوامل نفسية واجتماعية، بدءا بضعف التنشئة السياسية، مرورا بأزمة الثقة، وصولا إلى ضعف الوساطة والتنظيم المدني.

وهذا الصمت هو ما يقودنا إلى مستوى أعمق من التحليل: كيف يمكن لنظام أن يعرف انسحابا واسعا للمواطنين من المشاركة الانتخابية دون أن يواجه أزمة شرعية معلنة؟ للإجابة، نستحضر مفهوم الهيمنة عند أنطونيو غرامشي، الذي لا يقوم على الإكراه المادي، بل على القدرة على تحويل الإكراه إلى حس مشترك، حيث ينظر الجميع إلى الأحزاب بنفس الصورة النمطية.

وهنا تلتقي الهيمنة بالعزوف في علاقة سببية دقيقة؛ فحين يستبطن المواطن تلك البديهيات، يبدو عزوفه كقرار فردي عابر، ليتحول بذلك من مجرد نتيجة للهيمنة إلى أداة لإعادة إنتاجها، فكلما اتسعت دائرة عدم المشاركة، ازدادت الهيمنة تحصنا ضد أي مساءلة فعلية.