لا تُختزل لحظة التنصيب البرلماني للحكومة في حاصلها الحسابي، ولا تقف دلالتها عند عبور عتبة الأغلبية المطلقة التي يشترطها الفصل 88 من الدستور. فحين يمنح مجلس النواب ثقته للبرنامج الحكومي بـ204 أصوات مقابل 127 معارضا من أصل 331 مصوّتا – أي بفارق ستة أصوات فقط فوق النصاب الدستوري (198 مقعدا) – فإن هذا الفارق الضيق يطرح سؤالا أعمق من مجرد الحساب البرلماني: كيف تتحول أغلبية عددية محدودة إلى سلطة سياسية معترف بها؟ يعلّمنا علم الاجتماع السياسي أن المؤسسات لا تشتغل بالنصوص والأرقام وحدها، بل بما تولّده الطقوس المؤسسية من انفعالات جماعية تمنح للأرقام معناها السياسي. ومن بين هذه الآليات تبرز «الفرجة السياسية» بوصفها أداة مركزية تؤدي في لحظة التنصيب ثلاث وظائف متداخلة: الجذب، والشحذ، والاصطفاف. ولا يرمي هذا المقال إلى الوقوف عند وقائع الجلسة في ذاتها، بل إلى استخلاص المنطق الذي يُرجَّح أن يحكم الولاية الحكومية 2026-2031 كلها.
في مفهوم الفرجة السياسية
نقصد بالفرجة السياسية تحويل الفعل السياسي إلى مشهد يُعرض على جمهور يشاهده أكثر مما يشارك فيه، فيغدو المشاهَد بديلا عن المعيش. وقد نبّه جورج بالاندييه إلى أن السلطة لا تستقر بالقوة ولا بالنص القانوني وحدهما، بل تحتاج إلى مسرحة تُنتج الاعتراف بها عبر الانفعال الجماعي، فتحوّل المناسبات المؤسسية المنقولة عبر الشاشات إلى مشاهد جماعية تتوزع فيها أدوار الفاعلين والخصوم. وبيّن موراي إدلمان أن الجمهور يتلقى السياسة بوصفها مشهدا تحتل فيه الشخوص والخصومات والأزمات مكان التفاصيل السياسية، فيتجه الانفعال إلى الدراما لا إلى المعرفة. ولجلسة التنصيب بنية مسرحية واضحة: عرض أول أمام البرلمان بمجلسيه في جلسة مشتركة يوم 19 أكتوبر، ثم مناقشة نيابية يوم الخميس 22 أكتوبر، فجواب مسائي لرئيسة الحكومة، فتصويت حاسم.
الجلسة بوصفها طقسا مؤسِّسا
لماذا تُصرّ الدساتير على عقد جلسة عمومية لتنصيب الحكومة، مع أن الأغلبية محسومة سلفا في المشاورات ونتيجة التصويت معروفة قبل رفع الأيدي؟ لا يكمن الجواب في الإجراء الدستوري وحده، بل يكمن في أن حسم النتيجة مسبقا يزيح التشويق من سؤال «من يفوز؟» إلى سؤال «كيف يُدار المشهد؟»، فتنتقل أنظار المتابعين من الحصيلة العددية إلى الأداء؛ وبهذا المعنى تتحول المواجهة العلنية بين الأحزاب في جلسة التنصيب إلى مدخل لصناعة الفرجة.
ففي القاعة تتشكل أولى مشروعيات رئيسة الحكومة، وهي مشروعية لا تُستمد من البرنامج ولا من الأرقام، بل من القدرة الظاهرة على النزال. وهي قريبة مما سمّاه برنار مانان «ديمقراطية الجمهور»، حيث يُحكم على الفاعل السياسي بقدرته على الأداء والتواصل أكثر مما يُحكم عليه بانتمائه الحزبي أو بتفاصيل برنامجه. وقد ظهر ذلك منذ الدقائق الأولى للجواب، حين أُثير الجدل الدستوري حول حق الحكومة المعينة في عقد مجلس حكومي والتداول في مشروع قانون المالية قبل نيل الثقة البرلمانية؛ إذ لم تكتفِ رئيسة الحكومة بالحجة القانونية التي تميّز بين إيداع المشروع ومناقشته، بل استحضرت صفتها المهنية وخبرتها في القانون الدستوري لتؤكد صحة قراءتها للنص، فتحوّل الخلاف المسطري إلى مشهد يرسّخ سلطة التفسير وهيبة الموقع. وفي هذا أول مؤشر على أن الفرجة لا تعرض الوقائع فحسب، بل تنازع على تأويلها: من يملك قراءة ما جرى، وتحديد معنى الوعد وحدود الحجة. ويُختبر حضورها بعد ذلك على أكثر من جبهة في جلسة واحدة، وكل جواب منها يعمل على مستويين: يقنع في المضمون من يتابع، ويثبت في الشكل أن صاحبته قادرة على مجابهة الخصوم السياسيين، وهو ما قد يهم الجمهور في مقام الفرجة أكثر من دقة الحجة نفسها. وحين تخرج من هذه المواجهة وقد بدت متحكمة في المشهد، وخرجت منه بما يوحي بالرضا، يتولد لدى المتابع انطباع بالقدرة يمنحها قرينة مشروعية سابقة على الفعل، ويدفعه إلى التساؤل: لماذا لا تُمنح الفرصة؟ وهو سؤال لا يتوقف على قراءة البرنامج، لأنه يُبنى على الانطباع.
ويتعزز هذا الأثر بما يجده الجمهور في مثل هذه الجلسات من متعة المتابعة، وهي متعة لا تقل أهمية عن الانطباع ذاته. وهو ما يجري هنا: فالتراشق والتندّر وحدّة المقارعة تنقل الجلسة، وهي مبثوثة مباشرة عبر الشاشات، من واجب مؤسسي إلى مادة للمشاهدة، فيتابعها الناس لأنها تُمتعهم لا لأنها تلزمهم. ويغدو الإقبال على متابعتها هو ما يمنحها وزنها ويمنح المتجادلين حضورهم، فيحرص كل طرف على أن يكون أبلغ أداء من خصمه، وتتغذى الجلسة بجمهورها كما يتغذى الجمهور بها. وقد تعيد هذه الحلقة جزءا من الجمهور إلى مشاهدة السياسة، وإن لم تُعده إلى المشاركة فيها؛ وهكذا تُنتج الجلسة فرجتها قبل أن يبدأ العمل الحكومي، لكنها فرجة تؤسس لمشروعية العَرْض لا لمشروعية الأثر. وبهذا تصنع الجلسة شرط الفرجة كلها، أي جمهورا يتابع ومشروعية أداء سابقة على الفعل، وعلى هذا الشرط تشتغل وظائفها الثلاث: ما يجذب، وما يشحذ، وما يصطف؛ وهي وظائف تتوجه إلى جمهورين: جمهور مؤسسي من نواب وفاعلين تُحسب مواقفهم، وجمهور عام من مواطنين تُقاس انطباعاتهم.
الجذب: الفرجة بوصفها إغراء بالالتحاق
تقوم الأغلبية الحكومية على تركيبة رباعية غير متجانسة إيديولوجيا، وهذا ما يجعل الفرجة حاجة بنيوية لها لا مجرد ترف إخراجي. فالتماسك الذي لا تمنحه المرجعية الفكرية المشتركة يجب أن يُصنع في المشهد: حبكة تُظهر الائتلاف في صورة الفريق القادر على الاستمرار، فتخفض كلفة الالتحاق به بالنسبة للمترددين من نواب وفاعلين اقتصاديين ومدنيين، وتصنع القبول العام قبل أن تُطرح مسألة المساءلة. وقد برزت هذه الوظيفة في الجلسة حين حرص الخطاب الحكومي على نفي تهمة «الأغلبية العددية» وتقديم الائتلاف بوصفه ثمرة تقارب في البرامج، مع الإشارة العلنية إلى أن أغلب الأحزاب أبدت خلال المشاورات رغبتها في المشاركة الحكومية باستثناء قطبين اختارا المعارضة. كما تجلّت آلية الجذب في رسائل الانفتاح الموجهة إلى المجموعات النيابية المتشكلة حديثا، وفي وضع الحزب الذي قاد الحكومة السابقة أمام مفارقة خطابه: فإذا كان يرى في البرنامج الجديد استمرارا لحصيلته من غير قطيعة، فإن منطق هذا الموقف يقتضي التصويت لصالحه لا معارضته. غير أن الجذب يشتغل في الغالب في اتجاه واحد: يستقطب المتفرج أو المحاور البرلماني، لكنه لا يصنع بالضرورة مواطنا مقتنعا.
الشحذ: التعبئة بالمشهد في الاتجاهين
الشحذ هو شحن الطاقة الانفعالية للفرقاء عبر المواجهة المباشرة داخل القاعة؛ فالأغلبية المركّبة من مرجعيات متباينة تحتاج إلى حرارة رمزية تعوّض نقص انسجامها، والمعارضة تجد في المنصة البرلمانية فرصة لتعبئة قواعدها. غير أن هذه الطاقة تسري في الاتجاهين معا: فكلما ارتفعت حماسة طرف ازدادت حدة خطاب الطرف المقابل، وتحولت المناقشة إلى مواجهة بين أدوار مرسومة سلفا. وقد كشفت الجلسة البرلمانية كيف ينتقل النقاش سريعا من تقييم البرامج والأرقام إلى سجال قيمي وأخلاقي حاد: من تبادل الاتهامات حول نزاهة الاقتراع في بعض المكاتب والتذكير بمتابعات قضائية تعود إلى انتخابات 2015، إلى الجدل الذي أثاره طلب رفع الجلسة لأداء الصلاة طبقا للمادة 159 من النظام الداخلي وما تلاه من تدافع حول المرجعية الدينية، وصولا إلى استحضار اتهامات التخوين خلال الحملة الانتخابية ومواجهة النظرة التقليدية لأدوار النساء في السياسة. وحين يرفع الخطاب الرسمي شعار الأمل والنجاح الجماعي، فإنه يضع كل معترض في صورة «مفسد اللحظة الجماعية»؛ وهكذا تُقدَّم المعارضة في خطاب الأغلبية بوصفها معطِّلة لدينامية وطنية، بينما تقدّم المعارضة نفسها حارسة للقيم والوعود، وبين الصورتين يتغذى الاستقطاب الذي تقوم عليه الفرجة نفسها.
الاصطفاف: كلفة الخروج عن الصف
يختزل التصويت على البرنامج الحكومي تعدد المواقف في خيارين اثنين: منح الثقة أو حجبها. وفي هذا الاختزال تصير الفرجة أداة لإخراج الاصطفاف؛ فالنائب لا يصوت فحسب، بل يؤدي دورا علنيا أمام جمهور يراقب الموقف واللغة والحضور، ما يرفع كلفة الخروج عن الصف لأن المخالفة تُرى وتُحفظ. وقد عبّرت رئيسة الحكومة في الجلسة عن هذا التوتر بين تمثيل الأمة والانضباط الحزبي بعبارة دالة، حين أكدت لنواب فريقها حرية القناعة الفردية مع وجوب الانضباط الجماعي لحظة التصويت. ويكتسب هذا الاصطفاف حساسية خاصة بسبب ضيق الفارق العددي الذي تستند إليه الأغلبية؛ فكل غياب أو تحفظ محدود سيتحول في هذه الولاية إلى حدث سياسي، وكل صوت إلى ورقة تفاوض. وقد ظهرت ذروة هذا الاصطفاف في الدقائق الأخيرة من الجلسة عند تطبيق المادتين 260 و261 من النظام الداخلي بشأن «تفسير التصويت»؛ إذ تحوّلت الكلمات المقتضبة للأغلبية إلى إعلان ولاء سياسي ودفاع عن نزاهة رئاسة الحكومة، مقابل احتجاج المعارضة على تقليص وقتها قبل المرور الفوري إلى التصويت، ما دفع رئاسة الجلسة إلى التدخل المتكرر لتهدئة القاعة حفاظا على صورة المؤسسة. وفي مثل هذه اللحظات الحاسمة، يضيق هامش المواقف الوسطى التي تلوّح بـ«المساندة النقدية» إلى أقصى حد.
الولاية المقبلة: ثلاثة أطوار متوقعة للفرجة
إذا نظرنا إلى الفرجة من زاوية الزمن الحكومي، فمن المرجّح أن يمرّ العرض السياسي للأغلبية بثلاثة أطوار متعاقبة تحكمها علاقة الوعود بآجال التنفيذ. الطور الأول، في السنة الأولى، هو طور التدشين والإطلاق: يستند فيه الخطاب الحكومي إلى رصيد الثقة الجديدة وإلى معادلة «الاستمرارية في الأوراش الكبرى والقطيعة في أسلوب التدبير»، عبر تغيير الوزراء في القطاعات الاجتماعية الأكثر حساسية (التعليم، والصحة، والفلاحة)، والرهان على قانون مالية 2027، وإخراج نصوص اللاتمركز والوكالات الجهوية ومشاريع قوانين النزاهة لإعطاء إشارات ملموسة على تغيير المسار. أما الطور الثاني، في قلب الولاية، فهو طور إدارة الانتظار: فحين تُؤجَّل التزامات اجتماعية أساسية إلى نهاية الولاية في 2031 – مثل رفع الدعم المباشر للأسر من 500 إلى 1000 درهم، ورفع الحد الأدنى للمعاشات إلى 3000 درهم – يتحول الإعلان السياسي إلى أداة لتدبير الزمن وكسب الصبر الاجتماعي. وقد برزت هذه المفارقة في نقاشات الجلسة حين تساءلت المعارضة عن القيمة الشرائية الفعلية لهذه المبالغ بعد خمس سنوات، بينما تمسّكت الحكومة بأن الولاية الدستورية وحدة متكاملة من خمس سنوات، واعدةً بحصر التضخم في حدود 2 في المائة. وأما الطور الثالث، في نهاية الولاية، فهو طور الحصيلة والتمايز: إذ تقترب انتخابات 2031، فينتقل خطاب الأغلبية من تسويق العمل المشترك إلى البحث عن التميز الحزبي، ويحاول كل طرف أن ينسب لنفسه المكاسب الاجتماعية ويتنصل من كلفة الإخفاقات.
ثلاثة سيناريوهات وما أرجّحه
إذا كانت الأطوار الثلاثة ترصد تطور الخطاب الحكومي عبر الزمن، فإن مصير الولاية ككل سيتحدد بمتغيرين: تماسك الأغلبية داخل البرلمان، وأثر الوعود في معيش المواطن. ويتشكل من تفاعلهما ثلاثة سيناريوهات: اثنان يُحسمان داخل البرلمان، وثالث يُحسم خارجه. الأول سيناريو الفرجة المضبوطة، وفيه تحافظ الحكومة على تماسك أغلبيتها وتحتفظ بالمبادرة، مستفيدة من تشتت المعارضة. وقد ظهر هذا التشتت في الجلسة عبر ثلاث زوايا نقدية لا يجمعها خطاب واحد: فالحزب الذي قاد الحكومة السابقة دافع عن حصيلته، ووصف الحكومة الجديدة بأنها مجرد تعديل حكومي تراجع عن خفض الضريبة على الدخل وزيادة الأجور؛ وركّزت المعارضة المحافظة على المشروعية والأخلاقيات وملفات تضارب المصالح؛ وانتقدت قوى أخرى غياب الآجال الدقيقة ووصفت البرنامج بأنه «تصريح نوايا»، وهو وصف التقطته رئيسة الحكومة لتجعل من «حسن النية» منطلقا لعملها.
أما السيناريو الثاني فهو سيناريو التصدع الداخلي، ويحدث حين تعجز التسويات الحزبية عن احتواء الخلافات داخل الرباعية الحكومية حول القوانين الحساسة أو توزيع الموارد. وقد لاحت إشاراته الأولى في الجلسة حين نبّهت فرق من داخل الأغلبية إلى تمسكها بدورها الرقابي، ورفضها التحول إلى مصادِق آلي على قرارات الحكومة.
وأما السيناريو الثالث فهو سيناريو الفرجة المضادة، ويبرز حين تتسع الهوة بين مشهد البرلمان ومعيش المواطن مع الأسعار والخدمات العمومية، فينتقل التعبير السياسي إلى الشارع والمنصات الرقمية كما حدث في الاحتجاجات الشبابية الرقمية خريف 2025. ويقوّي هذا الاحتمال إقرار رسمي داخل الجلسة نفسها بأن تدني المشاركة الانتخابية إلى 38 في المائة يعكس أزمة ثقة لدى جيل جديد ينتظر النتائج الملموسة لا الخطابات.
والذي أرجّحه أن تميل الكفة داخل البرلمان إلى «الفرجة المضبوطة» لسببين: تشتت المعارضة، وارتفاع كلفة الخروج من الحكومة. غير أن هذا الهدوء المؤسسي سيظل مهددا بـ«الفرجة المضادة» في الفضاء العام إذا تأخر الأثر المعيشي للوعود، أو طغى التنافس الحزبي داخل الأغلبية على فعالية العمل الحكومي.
ما ينبغي أن نطلبه: فرجة مفتوحة على المساءلة
ومن هنا يتحدد المطلب الديمقراطي الذي يدافع عنه هذا المقال: ألا نُحرّم الفرجة، فالسياسة لا تخلو من الإخراج، بل أن نربطها بالمساءلة. ففي منطق «الديمقراطية المضادة» كما صاغه بيار روزانفالون، لا تقتصر الديمقراطية الحية على لحظة التصويت، بل تقوم على يقظة المراقبة والتقييم والمحاسبة التي يمارسها المواطنون والمؤسسات طيلة الولاية. وعمليا يعني هذا إرفاق كل التزام بمؤشرات واضحة، وآجال سنوية قابلة للقياس بدل ترحيل الوعود إلى نهاية الولاية، وتقديم تقارير دورية أمام البرلمان والرأي العام، والتعامل مع المعارضة بوصفها شريكا في إنتاج المعنى الديمقراطي لا مكملا للمشهد. وفي الجلسة نفسها برزت نقطتا التقاء يمكن البناء عليهما: الأولى هي تقاطع التزام الحكومة باستكمال منظومة النزاهة وتجريم الإثراء غير المشروع ومعاقبة تضارب المصالح مع مبادرات تشريعية أعلنتها فرق في الأغلبية والمعارضة معا؛ والثانية هي ترحيب رئيسة الحكومة بمقترح المعارضة عقد «مناظرة وطنية للشباب» للإنصات إلى أسباب عزوفهم واحتجاجهم. فبدل أن يتحول هذان الموضوعان إلى سجال حول من يملك فضل المبادرة، يمكن أن يكونا أول اختبار عملي لتحويل الفرجة إلى التزام تشريعي وزمني معلن يحاسَب عليه الجميع في السنة الأولى.
خاتمة
تكشف لحظة التنصيب أن السياسة ليست حسابا نيابيا فقط، بل مسرح أيضا: تجذب الفرجة المترددين، وتشحذ الأغلبية والمعارضة معا، وترسم خطوط الاصطفاف. والرهان في هذه الولاية ليس إيقاف الفرجة، فذلك غير ممكن، بل تحديد من سيملك حق تأويلها: الحكومة التي تقدمها بوصفها تعاقدا مبنيا على «حسن النوايا»، أم المواطن الذي يشاهدها ويحاسب عليها بميزان الأثر الفعلي في معيشته اليومية. وسيحدد هذا الجواب، أكثر من أي خطاب، ما إذا كانت هذه الولاية ستنتهي بفرجة الحصيلة أم بحصيلة الفرجة.