ينطلق هذا المقال من مخرجات الملتقى العلمي المغربي-الإماراتي حول «الفتوى المؤسسية رافداً للسلم والتعايش» (أكتوبر 2026) ليطرح سؤالاً جذرياً يتجاوز البنية الإجرائية لمؤسسة الفتوى إلى البنية المفاهيمية ذاتها: مَن هو الفقيه؟ فإذا كان الفقه في أصله اللغوي والقرآني هو «الفهم العميق»، وإذا كان موضوعه الأصيل هو الإنسان في كليته، فإن حصر صفة الفقيه في متخصص الشريعة وحده يُعدّ انحرافاً عن الأصل اللغوي وتضييقاً للمقصد الشرعي.
يُعيد المقال صياغة مفهوم الفقيه صياغةً موسّعة تشمل كل متخصص يخدم الإنسان في بُعد من أبعاده، ليُنتج ما يمكن تسميته «فتوى للأبدان قبل الأديان»: فتوى تخدم الإنسان بما هو إنسان، بصرف النظر عن انتمائه الديني أو المذهبي، فتتحوّل مؤسسة الفتوى من مؤسسة انتمائية دينية إلى مؤسسة خدمية إنسانية شاملة. وتُؤصَّل هذه المقاربة لغوياً وقرآنياً وأصولياً ومقاصدياً، مع ضبطها بضوابط تحفظ لكل فقيه مجاله دون تداخل فوضوي.
مقدمة: السؤال الذي لم يطرحه الملتقى
انعقد في أكتوبر 2026 الملتقى العلمي المشترك بين المملكة المغربية ودولة الإمارات العربية المتحدة حول «الفتوى المؤسسية رافداً للسلم والتعايش»، بتنظيم من المجلس العلمي الأعلى المغربي ومجلس الإمارات للإفتاء الشرعي، في سياق أخويّ مؤسسيّ يمتدّ جذوره إلى إرث الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان والملك الحسن الثاني، رحمهما الله، ويتجدّد برعاية صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان وصاحب الجلالة الملك محمد السادس، حفظهما الله. وقد عالج الملتقى ما يعتري مشهد الإفتاء المعاصر من فوضى عابرة للحدود، وتسييسٍ لمفاهيمه، وتسخيرٍ له في مآرب الكراهية والطائفية، مُرسياً أربعة مرتكزات متساندة للفتوى المؤسسية: مأسسةٌ تُرسّخ، وحوكمةٌ تحصّن، ورقمنةٌ تطوّر، وأنسنةٌ تجسّر (تقرير الملتقى، أكتوبر 2026).
لكن الملتقى — رغم ثرائه المعرفي — ظلّ أسير افتراض ضمني لم يُناقَش: أن الفقيه هو عالم الشريعة دون سواه، وأن الآخرين خبراء يُستعان بهم لا فقهاء يُفتون. وهذا الافتراض هو الذي يُريد هذا المقال تفكيكه. فالسؤال ليس: كيف نُشرك المتخصصين في مؤسسة الفتوى؟ بل هو أعمق وأخطر: لماذا لا نعتبر كل متخصص يخدم الإنسان فقيهاً من أصله؟
ومن وراء هذا السؤال كامنةٌ فكرةٌ أعمق: أن مؤسسة الفتوى، حين تُعيد صياغة مفهوم الفقيه على هذا النحو، تتحوّل من مؤسسة تُفتي في الأديان إلى مؤسسة تفتي في الأبدان قبل الأديان، فتُقدّم خدمة إنسانية كونية تسبق كل انتماء وتعلو على كل تمذهب.
التفكيك اللغوي: الفقه فهمٌ لا حرفةٌ
الأصل اللغوي
الفقه في اللغة العربية ليس اسماً لعلم بعينه، بل هو وصفٌ لحالة ذهنية. قال ابن فارس في «مقاييس اللغة»: «الفاء والقاف والهاء أصلٌ واحد يدلّ على علمٍ بالشيء وفهمٍ له» (ابن فارس، 1979، ج4، ص 248). وقال الجوهري في «الصحاح»: «الفقه: الفهم» (الجوهري، 1987، ج1، ص 189). فالعربي القديم كان يقول «فَقُهَ الرجلُ» إذا فَهِمَ الشيءَ فهماً عميقاً نافذاً، بصرف النظر عن المجال الذي فَهِمَه.
ومن ثمّ فإن الفقيه — لغوياً — هو كل مَن بلغ مرتبة الفهم العميق في ميدان من ميادين الحياة الإنسانية.
الانحراف الاصطلاحي
لكن الاستعمال الاصطلاحي — بتأثير التراكم التاريخي وتمايز العلوم — حصر لفظ «الفقيه» في عالم الشريعة الإسلامية وحده، حتى صار يُتبادر إلى الذهن أن الفقه مرادف للفقه الإسلامي. وهذا الحصر، وإن كان مفهوماً من حيث السياق التاريخي، فإنه ليس ملزماً من حيث الأصل اللغوي ولا من حيث المقصد الشرعي.
التفكيك الشرعي: الفقه في القرآن أوسع من الشريعة
ليتفقهوا في الدين
قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً ۚ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: 122].
والسؤال الجوهري: ما المراد بـ«الدين» في هذه الآية؟ هل هو الأحكام الفقهية بالمعنى الاصطلاحي الضيق، أم هو الدين بمعناه الشامل الذي يشمل كل ما يُصلح حياة الإنسان ويُعمّر أرضه ويحفظ بدنه وعقله وماله؟
ذهب عدد من المحققين المعاصرين إلى أن «الدين» في القرآن مفهومٌ شاملٌ يتجاوز دائرة الحلال والحرام إلى دائرة الإصلاح الشامل للإنسان (العلواني، 1992، ص 45-67). ومن هذا المنظور، فإن «التفقه في الدين» يشمل التفقه في كل ما يخدم الإنسان: في صحته، وبيئته، واقتصاده، ونفسيته، وتقنيته.
فاسألوا أهل الذكر
وقال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]. وقد ذهب جمهور المفسرين إلى أن الآية وإن نزلت في سياق خاص، فإن دلالتها العامة تشمل كل أهل اختصاص في كل فن (الرازي، 2000، ج20، ص 121). وحصر «أهل الذكر» في الفقهاء بالمعنى الاصطلاحي تضييقٌ لما وسّعه النص القرآني.
الحكم على الشيء فرع عن تصوره
هذه القاعدة الأصولية الكبرى (الزحيلي، 2001، ج1، ص 87) تقتضي أن المفتي لا يمكنه إنزال الحكم الشرعي على واقعة لم يتصورها تصوراً دقيقاً. والفقيه الحقيقي — بالمعنى اللغوي الأصيل — هو مَن يجمع بين الفهم الشرعي والفهم الواقعي المتخصص.
المقاربة المقترحة: إعادة صياغة مفهوم الفقيه
الفقيه الموسَّع: تعريف جديد
نقترح التعريف التالي:
الفقيه هو كل متخصص بلغ مرتبة الفهم العميق في بُعد من أبعاد حياة الإنسان، وأصبح قادراً على إصدار أحكام معيارية ملزمة أخلاقياً في دائرة تخصصه، بما يحفظ مقاصد الشريعة في هذا البُعد.
وبموجب هذا التعريف، تتشكّل أسرة الفقه من فقيه الشريعة، وفقيه الأبدان (الطبيب)، وفقيه الأرواح (عالم النفس)، وفقيه العمران (المهندس)، وفقيه الأرزاق (الاقتصادي)، وفقيه الرقمنة (التقني). كلٌّ فقيهٌ في مجاله، وجميعهم فقهاء في خدمة الإنسان.
لماذا «فقيه» وليس «خبير»؟
الفرق بين «الخبير» و«الفقيه» في سياق مؤسسة الفتوى فرقٌ جوهري:
- الخبير يُستشار من الخارج، ورأيه استئناسي غير ملزم، ويُمكن تجاهله.
- الفقيه عضوٌ أصيل في المؤسسة، ورأيه مُفتٍ وملزم في دائرته، ويُوثَّق كجزء من الفتوى.
فحين نقول إن المتخصص «خبير»، فإننا نُبقيه خارج دائرة الإفتاء. أما حين نقول إنه «فقيه»، فإننا نُدخله في صلب العملية الإفتائية، ونجعل توقيعه توقيعاً مُفتياً لا استشارياً.
التمثيل التطبيقي
لنأخذ مثالاً يُجسّد الفكرة: حين يُحيل فقيه الشريعة مريضاً إلى فقيه الأبدان (الطبيب المعتمد في مؤسسة الفتوى)، فيطّلع هذا الأخير على تحاليل طبية دقيقة ويُصدر حكماً مُوقَّعاً يُحرّم فيه مادةً معينة على هذا المريض بعينه، ثم يُذيّل فقيه الشريعة هذا الحكم بتأصيل شرعي يُؤكّد أن «حفظ النفس واجب شرعي»، فتخرج الفتوى مركّبةً ومُوقَّعةً من فقيهين: فقيه الأبدان في التشخيص، وفقيه الشريعة في التأصيل. وهكذا دواليك في سائر التخصصات.
فتوى الأبدان قبل الأديان: القلب الإنساني للمؤسسة
الأبدان مقدّمة على الأديان
هنا نصل إلى الفكرة المحورية التي يُريد هذا المقال ترسيخها. لقد درجت المؤسسات الدينية على تقديم فتوى الأديان على فتوى الأبدان: فتبدأ بالعقيدة والعبادة والمعاملات، ثم — إن تبقّى وقت وجهد — تلتفت إلى شؤون الجسد والصحة والبيئة. لكن المقاربة المقترحة تقلب هذه الأولوية، لا إلغاءً لفتوى الأديان، بل تأسيساً لفتوى الأبدان كمدخل ضروري لها.
والسند في ذلك شرعيٌّ صريح: فالإمام الشاطبي (ت 790هـ) رتّب الضرورات الخمس ترتيباً وجودياً، فجعل حفظ النفس في المرتبة الثانية بعد حفظ الدين (الشاطبي، 1997، ج2، ص 8-15). لكن هذا الترتيب النظري لا يعني أن حفظ النفس ينتظر حتى يفرغ الإنسان من حفظ الدين، بل يعني أن حفظ النفس شرط وجودي لحفظ الدين أصلاً، إذ لا عبادة بجسد مريض، ولا صلاة بعقل مختلّ، ولا صيام بجسم منهك. ومن ثمّ فإن فتوى الأبدان — التي تحفظ الجسد والعقل — هي مقدّمة وجودية لفتوى الأديان، لا تاليةً لها ولا ثانويةً بالنسبة إليها.
فتوى الأبدان: فتوى إنسانية كونية
والأهم من ذلك أن فتوى الأبدان — بحكم طبيعتها — تتجاوز الحدود الدينية والمذهبية. فالطبيب حين يُحرّم مادةً ضارةً على مريض، لا يسأله عن دينه ولا مذهبه قبل أن يكتب وصفته. والمهندس حين يُحذّر من تلوث مائي يُهدّد صحة سكان قرية، لا يستثني أحداً بسبب انتمائه الديني. وعالم النفس حين يُعالج مريض الاكتئاب، لا يشترط فيه عقيدةً معينة.
ومن هنا تكتسب مؤسسة الفتوى — حين تُعيد صياغة مفهوم الفقيه على هذا النحو — طابعاً إنسانياً كونياً: فهي تخدم الإنسان بما هو إنسان، لا بما هو منتمٍ لهذا الدين أو ذاك المذهب. فتوى الأبدان تسبق الانتماء الديني، وتعلو على التمذهب الفقهي، وتتوجّه إلى الكائن البشري في أعمق ما فيه: جسده الذي يتألّم، وعقله الذي يضطرب، وبيئته التي تتدهور.
من مؤسسة انتمائية إلى مؤسسة خدمية
وهكذا تتحوّل مؤسسة الفتوى من مؤسسة انتمائية — تُعرّف نفسها بانتمائها الديني والمذهبي وتُخاطب أتباعها وحدهم — إلى مؤسسة خدمية إنسانية — تُعرّف نفسها بخدمة الإنسان في كليته وتُخاطب كل مَن يحتاجها بصرف النظر عن خلفيته. وهذا التحوّل ليس تنازلاً عن الهوية الشرعية، بل هو تحقيق لأعمق مقاصدها: فالشريعة لم تُشرَّع إلا لخدمة الإنسان، وحين تخدم مؤسسة الفتوى الإنسان في أبدانه قبل أديانه، فإنها تُحقّق المقصد الأصيل الذي من أجله وُجدت.
إن هذا التحوّل هو ما يُعطي مؤسسة الفتوى شرعيتها الاجتماعية الأوسع: فالمجتمع لا يحتاج إلى مؤسسة تُفتي له في صلاته وصيامه وحدهما، بل يحتاج إلى مؤسسة تُفتي له في صحته وبيئته واقتصاده ونفسيته وتقنيته. وحين يجد المواطن — أيّ مواطن — أن مؤسسة الفتوى تحمي بدنه قبل أن تُفتي في دينه، فإنه يمنحها ثقةً لا تُمنح بالمجان.
التأصيل المقاصدي: لماذا يحتاج الإنسان إلى فقهاء متعددين؟
الإنسان كائن مركّب
الإنسان ليس كائناً شرعياً محضاً يتكوّن من عبادات ومعاملات، بل هو كائن مركّب من أبعاد متشابكة: جسدٌ يحتاج طباً، ونفسٌ تحتاج علاجاً، وعقلٌ يحتاج معرفةً، ومالٌ يحتاج تدبيراً، وبيئةٌ تحتاج صيانةً. وكل بُعد من هذه الأبعاد له «فقهه» الخاص الذي لا يُتقنه إلا المتخصص فيه.
الضرورات الخمس تحتاج خمسة أنواع من الفقهاء
إذا تأملنا الضرورات الخمس التي قرّرها الشاطبي وجدنا أن كل واحدة منها تحتاج فقيهاً متخصصاً:
- حفظ الدين: فقيه الشريعة.
- حفظ النفس: فقيه الأبدان (الطبيب).
- حفظ العقل: فقيه الأرواح (عالم النفس والطب النفسي) وفقيه الرقمنة.
- حفظ النسل: فقيه الأبدان (طبيب النساء والتوليد) وفقيه الأرواح (المعالج الأسري).
- حفظ المال: فقيه الأرزاق (الاقتصادي والمالي).
فكيف يُعقل أن نُوكل حفظ هذه الضرورات الخمس لنوع واحد من الفقهاء، بينما كل ضرورة لها أهلها المتخصصون فيها؟
القواعد الفقهية الداعمة
- لا ضرر ولا ضرار (ابن رجب، 1996، ص 215): وتطبيقها في المجال الطبي يقتضي أن يكون الطبيب هو المُفتي الأول في تحديد ما يُضرّ وما لا يُضرّ.
- درء المفاسد مقدّم على جلب المصالح (السيوطي، 1990، ص 124): والمفسدة البيئية لا يُدركها إلا فقيه العمران.
- ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب: فإذا كان حفظ النفس واجباً، وكان تشخيص الطبيب شرطاً لمعرفة ما يحفظها، فإن الاعتراف بالطبيب فقيهاً يصبح واجباً مؤسسياً.
السند الواقعي: دروس الملتقى وتجربة الإمارات
أبرز الملتقى المنعقد في أكتوبر 2026 تجربة مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي في تقليل حالات الطلاق، والوقاية من المخاطر الفكرية لدى الشباب، والحدّ من تعاطي المخدرات (تقرير الملتقى، أكتوبر 2026). وهذه النتائج تكشف عن حقيقة جوهرية: أن الفتوى المؤسسية حين تلامس واقع الناس تُحدث أثراً ملموساً.
لكن ماذا لو كانت مؤسسة الفتوى تضمّ فقهاء الأرواح كأعضاء مُفتين أصليين؟ أليس من المعقول أن فتوى الطلاق ستكون أدقّ لو شارك فيها فقيه الأرواح الذي يُشخّص حالة العنف النفسي قبل أن يُصدر فقيه الشريعة حكمه؟
إن المشترك المالكي بين المغرب والإمارات، بسعته في مراعاة المصالح المرسلة والاستحسان والعرف (الريسوني، 1992، ص 315-340)، يُهيّئ أرضية فقهية خصبة لهذا التوسيع المفاهيمي.
الضوابط: الفقيه الموسَّع ليس فقيهاً فوضوياً
إعادة صياغة مفهوم الفقيه لا تعني فتح باب الإفتاء على مصراعيه، بل تقتضي ضوابط أشدّ صرامة:
أولاً: ضابط التخصص الدقيق. ففقيه الأبدان لا يُفتي إلا في دائرته الطبية، وفقيه الشريعة لا يُفتي إلا في دائرته الشرعية. ولا يجوز لأحدهما اقتحام مجال الآخر.
ثانياً: ضابط الاعتماد المؤسسي. فلا يُعترف بالفقيه الموسَّع إلا بعد اعتماده من مؤسسة الفتوى وفق معايير مهنية صارمة: شهادة التخصص، والخبرة الميدانية، والالتزام بأخلاقيات المهنة، والمراجعة الدورية.
ثالثاً: ضابط التركيب المؤسسي. فالفتوى المركّبة لا تصدر إلا بتوقيع فقيهَي التخصص المعنيّين، ولا يجوز لأحدهما الانفراد بها.
رابعاً: ضابط المرجعية المعيارية. ففتوى فقيه الأبدان تستند إلى البروتوكولات الطبية المعتمدة (Evidence-Based Medicine)، وفتوى فقيه الشريعة تستند إلى أصول الاجتهاد المقرّرة.
خامساً: ضابط التوثيق والرقمنة. فتُوثّق كل فتوى مركّبة في قاعدة بيانات رقمية تُتيح تتبع السند التخصصي والشرعي معاً.
الاعتراضات المتوقّعة والردّ عليها
الاعتراض الأول: أن توسيع مفهوم الفقيه يُفرغه من مضمونه.
الرد: المقاربة لا تفتح الباب لكل أحد، بل تشترط بلوغ مرتبة «الفهم العميق» المتخصص المعتمد مؤسسياً. فليس كل مَن درس الطب فقيهاً في الأبدان، بل مَن بلغ مرتبة التخصص والاعتماد. تماماً كما أن ليس كل مَن حفظ القرآن فقيهاً في الشريعة.
الاعتراض الثاني: أن هذا التوسيع يُضعف هيبة الفقيه التقليدي.
الرد: العكس هو الصحيح. فحين يُحرَّر فقيه الشريعة من أعباء التشخيص الواقعي التي لا يُتقنها، فإنه يستعيد وظيفته الأصيلة: التأصيل الشرعي والتنزيل المقاصدي. وهذا يُعلي من شأنه لا يُقلّله.
الاعتراض الثالث: أن الفقه الإسلامي سبق إلى الاستعانة بأهل الخبرة.
الرد: الفرق الجوهري هو أن الاستعانة التقليدية تبقى عارضةً واختياريةً، وتُبقي أهل الخبرة في مرتبة «المُستشار». بينما المقترح يُعيد صياغة المفهوم ذاته، فيجعل المتخصص فقيهاً أصيلاً لا مستشاراً عارضاً. وهذا تحوّل إبستمولوجي لا إجرائي.
الاعتراض الرابع: أن تقديم فتوى الأبدان على فتوى الأديان يُؤخّر الجانب الروحي.
الرد: المقاربة لا تُؤخّر فتوى الأديان بل تُؤسّس لها. فالجسد السليم هو الوعاء الذي تحمل فيه الروح عبادتها. ومن لا جسد له لا صلاة له ولا صيام. فتوى الأبدان ليست بديلاً عن فتوى الأديان، بل هي شرطها الوجودي.
الخاتمة: مؤسسة فتوى إنسانية قبل كل انتماء
إن الملتقى المغربي-الإماراتي المنعقد في أكتوبر 2026 فتح الباب واسعاً أمام إعادة التفكير في بنية الفتوى المؤسسية. لكن الخطوة التالية — التي يُدعو إليها هذا المقال امتداداً لما طرحه الملتقى — أعمق من إصلاح البنية الإجرائية: إنها إعادة صياغة البنية المفاهيمية ذاتها، بدءاً من مفهوم الفقيه.
فالفقيه ليس مَن يرتدي الجبة ويحمل إجازة في الفقه وحده، بل هو كل متخصص بلغ مرتبة الفهم العميق في بُعد من أبعاد حياة الإنسان. وحين تجتمع هذه الفُهوم العميقة تحت سقف مؤسسة واحدة، فإن الناتج ليس فتوى دينية محضة، بل فتوى إنسانية شاملة: فتوى للأبدان قبل الأديان، فتوى تخدم الإنسان بما هو إنسان قبل أن تخدمه بما هو منتمٍ لهذا المذهب أو ذاك.
وعندئذٍ تتحوّل مؤسسة الفتوى من حارسة للهوية الدينية إلى حارسة للكرامة الإنسانية، تُقدّم خدمتها لكل مَن يطرق بابها بصرف النظر عن لونه وعقيدته وانتمائه. وهذا — في العمق — هو أصدق تعبير عن عالمية الشريعة ورحمتها: أن تكون رحمةً للعالمين، لا رحمةً لفئة دون أخرى.
وعندئذٍ فقط تتحقّق المأسسة بمعناها الكامل: مأسسةً في المفهوم، ومأسسةً في الإدراك، ومأسسةً في التنزيل، ومأسسةً في الخدمة الإنسانية الشاملة.
قائمة المراجع
- القرآن الكريم.
- ابن القيم الجوزية، شمس الدين محمد بن أبي بكر. (1973). إعلام الموقعين عن رب العالمين. تحقيق: محمد عبد السلام إبراهيم. بيروت: دار الكتب العلمية.
- ابن رجب الحنبلي، عبد الرحمن بن أحمد. (1996). القواعد. تحقيق: أحمد بن علي. المدينة المنورة: دار الغرباء الأثرية.
- ابن عاشور، محمد الطاهر. (2001). مقاصد الشريعة الإسلامية. تونس: دار سحنون.
- ابن فارس، أحمد بن فارس. (1979). معجم مقاييس اللغة. تحقيق: عبد السلام محمد هارون. بيروت: دار الفكر.
- الجوهري، إسماعيل بن حماد. (1987). الصحاح: تاج اللغة وصحاح العربية. تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار. بيروت: دار العلم للملايين.
- الرازي، فخر الدين. (2000). التفسير الكبير (مفاتيح الغيب). بيروت: دار إحياء التراث العربي.
- الزحيلي، وهبة. (2001). أصول الفقه الإسلامي. دمشق: دار الفكر. (ط4).
- الشاطبي، أبو إسحاق إبراهيم بن موسى. (1997). الموافقات في أصول الشريعة. تحقيق: مشهور حسن سلمان. الرياض: دار ابن عفان.
- السيوطي، جلال الدين. (1990). الأشباه والنظائر. بيروت: دار الكتب العلمية.
- الغزالي، أبو حامد. (1993). المستصفى من علم الأصول. تحقيق: محمد عبد السلام عبد الشافي. بيروت: دار الكتب العلمية.
- القرافي، شهاب الدين أحمد بن إدريس. (1995). الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام. تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة. حلب: مكتب المطبوعات الإسلامية.
- الريسوني، أحمد. (1992). نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي. الرباط: دار الأمان.
- العلواني، طه جابر. (1992). أصول فقه الأقليات المسلمة. القاهرة: دار السلام.
- عود، جاسر (Jasser Auda). (2008). Maqasid al-Shariah as Philosophy of Islamic Law. London: IIIT.
- النجار، عبد المجيد. (2006). مقاصد الشريعة بأبعاد جديدة. بيروت: دار الغرب الإسلامي.
- تقرير الملتقى العلمي المغربي-الإماراتي حول الفتوى المؤسسية. (أكتوبر 2026). المجلس العلمي الأعلى – مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي.