أتاحت الجلسة البرلمانية المسائية الأخيرة لفاطمة الزهراء المنصوري فرصة لإبراز جوانب من شخصيتها السياسية، من خلال سرعة البديهة وذكاء الرد والقدرة على إدارة المواجهة. بدت منتبهة إلى ما تحمله أسئلة النواب من رسائل تتجاوز ظاهرها، وقادرة على التقاط الإشارات الكامنة فيها والرد بعبارات مباشرة ومقتضبة. وقد دفع هذا الأداء بعض المتابعين إلى مراجعة انطباعاتهم السابقة عنها، بعدما اكتشفوا في طريقة تدبيرها للنقاش ملامح لم تكن تحظى بالقدر نفسه من الاهتمام. اكتسبت الجلسة، بهذا المعنى، حيوية سجال تتواجه فيه الحجج وتتقاطع المواقف، بعيدا عن رتابة الخطاب الرسمي والعبارات الجاهزة التي كثيرا ما تطغى على النقاش البرلماني.
وتتيح صلة المنصوري بمراكش زاوية أخرى لقراءة أسلوبها. فالمدينة، المعروفة بالبهجة وخفة الروح، تتميز بلهجة ذات نكهة خاصة، تحتل فيها النكتة واللمحة الذكية مكانة مألوفة في التواصل اليومي. في مجالسها، قد تختصر عبارة عابرة حديثا طويلا، ويكفي رد سريع لإصابة المعنى وإضفاء مذاق خاص على الحوار. يمكن استحضار هذه السمات لفهم بعض ملامح أسلوب المنصوري، من دون اختزال شخصيتها السياسية في انتمائها الجغرافي. فالثقافة المحلية ليست قالبا يحدد سلوك الأفراد بصورة حتمية، لكنها قد تترك أثرها في طرائق التعبير والتفاعل، وفي القدرة على استثمار اللغة اليومية داخل فضاءات التواصل الرسمي.
يتجلى هذا الجانب بوضوح في توظيف المنصوري للبوليميك، بما يتيحه من مباغتة للخصم وكسر للإيقاع المتوقع للمداخلة. يتحول النقاش، في مثل هذه اللحظات، من تبادل للمواقف إلى مواجهة تستأثر بالانتباه، ويجد المتابع نفسه منتظرا للرد التالي، مترقبا ما إذا كان سيحمل حجة مقنعة أم مفاجأة لغوية. ولعل هذه الحيوية تفسر جانبا من جاذبية السجال البرلماني، خصوصا لدى فئات تشعر بأن الخطاب السياسي ابتعد عن لغتها اليومية وفقد كثيرا من عفويته.
غير أن الرد الذكي قد يربك الخصم ويستأثر باهتمام الجمهور، فيما يظل السؤال الذي أطلق المواجهة بلا جواب. هنا تحديدا تنكشف حدود البوليميك: الانتصار في السجال ليس بالضرورة انتصارا للحجة. فقيمة المواجهة لا تقاس بقدرة أحد أطرافها على إحراج الآخر أو حسم جولة كلامية، بل بما تضيفه إلى فهم القضية المطروحة، وما تكشفه من اختلاف في المواقف والحجج. حين يصبح الاستعراض غاية في ذاته، يفقد النقاش جانبا من وظيفته الأساسية؛ أما حين يخدم وضوح الأفكار ويضع الاختيارات السياسية أمام المساءلة، فإنه يتحول إلى أداة لإغناء النقاش العام.
من هذا المنطلق، لا يكفي الانطباع الذي تتركه المواجهة للحكم على الأداء السياسي. الأهم هو مضمون الأجوبة، ومدى اتصالها بالأسئلة المطروحة، وقدرتها على تمكين النواب والمواطنين من فهم المواقف وتقييمها. قد تختصر عبارة واحدة موقفا كاملا حين تصيب جوهر المسألة، لكن الإيجاز يفقد فضيلته عندما يترك جوانب أساسية بلا تفسير. فالحضور الواثق وسرعة البديهة لا يغنيان عن الإلمام بالملفات، والإنصات إلى المداخلات، والاستناد إلى الحجج والوقائع. وفي القضايا العمومية تحديدا، تظل الأرقام والالتزامات والنتائج عناصر ضرورية لفهم القرارات ومساءلة المسؤولين عنها.
على المستوى اللغوي، استحوذت طريقة نطق المنصوري باللغة العربية، ولا سيما مخارج بعض الحروف، على جانب من التعليقات التي أعقبت الجلسة. وكادت هذه الملاحظات، في بعض الأحيان، تحجب السؤال الأهم: ماذا قالت، وكيف أجابت، وما الذي تكشفه مداخلاتها عن مواقفها السياسية؟ لا شك أن سلامة التعبير والعناية باللغة العربية مطلبان مشروعان داخل المؤسسة التشريعية، لكنهما لا يكفيان وحدهما للحكم على كفاءة المسؤول أو جودة أدائه. فالبرلمان فضاء للتشريع والرقابة والمساءلة، لا امتحان في الإلقاء ولا مسابقة في مخارج الحروف. ومن حق الرأي العام نقد الأداء اللغوي للمسؤولين، شرط ألا يتحول هذا النقد إلى بديل عن مناقشة مضمون مداخلاتهم ومدى استجابتها للأسئلة واتصالها بنتائج السياسات العمومية. فاللغة وسيلة للتعبير عن الموقف وإيضاح الحجة، وتكتسب قيمتها السياسية من قدرتها على نقل الأفكار بوضوح وإقناع.
تكشف تجربة المنصوري أيضا أهمية تنوع الشخصيات والأساليب داخل البرلمان. فالحياة البرلمانية لا تستمد حيويتها من تطابق الخطابات، بل من اختلاف وجهات النظر وتعدد الحجج والقدرة على مناقشة المواقف المخالفة. ومن خلال هذا التنوع، يتعرف الجمهور إلى الفاعلين السياسيين عن قرب، ويرصد كيفية تعاملهم مع الانتقادات والأسئلة المحرجة. تمنح العفوية وسرعة الرد واللغة القريبة من المتلقي الجلسات إيقاعا أكثر حيوية، لكن هذه الحيوية تظل ناقصة إذا غاب الإنصات أو افتقرت الأجوبة إلى الوضوح والمسؤولية. المطلوب ليس إفراغ المواجهة من طابعها الحي، وإنما توظيفها في توضيح المواقف وتعميق النقاش حول القضايا التي تشغل المواطنين.
يبقى التحدي الأكبر في تحويل هذا الاهتمام العابر إلى متابعة منتظمة للعمل البرلماني. فقد يثير سجال لافت فضول الجمهور، ويدفعه إلى الاقتراب من الشأن العام، لكن الفضول وحده لا يصنع وعيا سياسيا مستداما. يحتاج المواطن إلى معرفة ما يناقشه النواب، والمواقف التي يتخذونها، وكيف يمارسون أدوارهم في الرقابة والمساءلة، وما إذا كانت الالتزامات المعلنة تجد طريقها إلى التنفيذ. ومن دون معلومات موثوقة تتيح تتبع هذه التفاصيل، قد تنتهي جاذبية المواجهة بانتهاء الجلسة. أما المتابعة الواعية فتربط التصريحات بالوقائع، وتقارن الوعود بالنتائج، وتمنح المواطن أساسا موضوعيا للحكم على أداء ممثليه ومسؤولي بلده.
تعود المسألة، في نهاية المطاف، إلى العلاقة بين جاذبية الأداء السياسي وفعاليته. لقد أعادت تجربة المنصوري في الجلسة المسائية الأخيرة طرح سؤال يتجاوز شخصها: كيف يمكن الجمع بين حضور يستقطب الانتباه وخطاب يقدم أجوبة مقنعة ويعزز ثقة المواطنين في المؤسسات؟ تمنح سرعة البديهة والحيوية المسؤول أدوات مهمة للتواصل مع الجمهور، لكنها لا تتحول إلى قيمة سياسية مكتملة إلا حين تسهم في تقوية الحجة وتوضيح المواقف وتفعيل الرقابة والمساءلة. تجذب حيوية السجال المواطن إلى متابعة الجلسة؛ أما المصداقية وجودة الأجوبة ووضوح النتائج، فهي ما يمنح هذه المتابعة معناها، ويجعل من النقاش البرلماني مدخلا إلى اهتمام أعمق بالشأن العام وثقة أكثر رسوخا في جدوى العمل السياسي.