حكومة شعبوية تغير الاتجاه ومعارضة “المولوتوف” 
منتدى العمق

حكومة شعبوية تغير الاتجاه ومعارضة “المولوتوف” 

ساعة فقط، من التعاطي السياسي الشعبوي، كانت كافية لكي تبعث إشارات غير مطمئنة لشكل التدبير العمومي خلال الخمس سنوات المقبلة، إذا قدر الله ان تٌكمل هذه الحكومة ولايتها كاملةً.

ربما تساءل الكثير من المُراقبين عن شراسة الخطاب وعنف الاتهامات التي رافقت الحملة الانتخابية لتشريعيات 23 شتنبر 2026، عنف لفظي غير مسبوق، اتهامات بالجُملة لجأ إليها قادة حزب الاصالة والمعاصرة لتنصُل من التجربة الحكومية لعزيز أخنوش كان لهم فيها نصيب الثلث من المناصب والقرارات والالتزامات.

لكن في الدقيقة الأخيرة من عمر الحكومة خرج القيادي الوافد الجديد على حزب البام ليقول إن من حرم المغاربة من أضحية العيد هو إرهابي، وأن 280 مليار درهم خصص لحماية القدرة الشرائية لا نعرف مصيرها ….

ظنَّ الجميع أن هذا التصعيد الغير مسبوق في تقطيع رحِم التضامن الحكومي لا يعدو أن يكون سحابة صيف عابرة سوف تنقشع مع شمس الصيف الحارقة.

بيد أن الذي تابع جواب رئيسة الحكومة خلال جلسة مناقشة مشروع البرنامج الحكومي يقتنع أننا أمام مرحلة سياسية تعرف حنين الى أجواء ما بعد سنة 2011.

هناك تيار متنامي في القضاء السياسي ولدى العديد من الأقلام الصحفية التي ظلت تُحاكم حكومة أخنوش، وتتهمها بالتقنوية المُفرطة وتغييب النقاش السياسي وفَرض أسلُوب الأرقام والمؤشرات والبرامج على حساب والنقاش والتفاعل السياسي.

فهل هؤلاء مزال لهم نفس الموقف وهم يرون كيف حولت رئيسة الحكومة في أول جلسة دستورية لها البرلمان الى ساحة حرب كلامية مفتوحة لا تُبقى ولا تدَر.

والُمقلق في هذه الوضعية أن هناك جزء غير يسير من المعارضة البرلمانية يُحضر نفسه مند مُدة لكي يقُوم بمعارضة نِيرونية على شكل الامبراطور الروماني نيرون، الذي خَرق روما، وجلس يستمتع بمنظر النيران وهي تلَتهم أعظم مدينة في العالم لحظتئد.

هذه المعارضة، خُصوصاً مكونات العدالة والتنمية وتحالف اليسار يمكن أن نُسميها جزافاً مُعارضة المولوتوف، أي المُستعدة الى حرق كل المناطق الحساسة في جسد الحكومة والدولة دون أي اعتبار للعواقب، وربما جزءً من هذا ظهر خلال جلسة مناقشة العرض الحكومي.

هل سوف يبقى لهؤلاء نفس القناعة، وهم يرون كيف تحول النقاش السياسي المفترض حول البرنامج الحكومي، الى ضرب عَلني تحت الحزام وفوقه.

وكيف أسقطت رئيسة الحكومة الهيبة والوقار لمؤسسة رئاسة الحكومة لكي تُدافع عن حزبها وعلى وزراء مقربين منها تحوم حولهم شُبهات استغلال نفوذ وتضارب مصالح.

وثالثة الأثافي، أنه وأمام أنظار المغاربة، والرأي العام الدولي، تحولت منصة البرلمان الى قاعدة قصف واتهامات متبادلة وكلام عن تجارة المخدرات والخيانة الوطن.

كل هذا الضجيج والدخان الكثيف حضر، لكن غابت الإجابات الحقيقية حول مستجدات البرنامج الحكومي وتحسين القدرة الشرائية وحلول تشغيل الشباب وأفق تحسين الاقتصاد الوطني وإنتاج الثروة… وتغير المسار المزعوم.

من حقنا أن نتساءل عن سبب هروب رئيسة الحكومة الى الامام ونزوعها نحو استدعاء الذاكرة السيئة للأحزاب والأشخاص في زمن يجب أن يكون فيه القول هو التنمية، وفي مؤسسة حيزُها هو تأكيد قوة القانون وصلابة الدولة وترسيخ ثقة المواطن في الفعل العمومي.

فالحزب الاغلبي الحالي من المفروض أن يقدم أوراق اعتماده للرأي العام عبر مشروعه المجتمعي ورؤيته التنموية، خصوصاً وأنه يقدم نفسه كبديل مفترص عن المرحلة الماضية. وواقع الحال يقول انه استنسخ كل برامج الحكومة السابقة دون أي ابداع.

فهل غياب هذا المشروع هو الذي دفع رئيسة الحكومة نحو اللجوء القصري الى أفعال المسرحَة والمشهدية الحزبية لتقديم حقائق عمومية غير موجودة، وترسيخ سُلطتها من خلال سلطة القول والردود واستدعاء وقائع وشخصيات والتنكيل بها أمام رؤوس الاشهاد.

هذه الصورة المرتبكة تُحيلنا الى التساؤل حول الأصل والاستثناء في النقاش العمومي، هذه الوضعية وإشكاليتها القانونية دقَق فيها بشكل مُستفيض المفكر السياسي الإيطالي جورجيو اكامبين في كاتبه المُهم حالة الاستثناء والانسان المستباح.

فهل إعتمدت رئيسة الحكومة التضحية بوقار مؤسسة رئاسة الحكومة ورمزية البرلمان في المخيال العمومي لكي تفرض مساحة سلطة استثنائية تستند الى النوع الاجتماعي كدرع في مواجهة الانتقادات المُتصلة بالاختيارات والسياسيات العمومية.

فقد تبين بلاشك، بعد الجلستين، في مجلس النواب ومجلس المستشارين، ان رئيسة الحكومة تؤسس للاهوت سياسي قديم جديد وفق تعبير كارل شميت، لاهوت نسخته الأولى ظهرت مع رئيس الحكومة الأسبق عبدالاله بن كيران الى أمعن في الحروب الدونكشوطية والمواجهة العنيفة مع الخصوم، وعندما كان يُخاصر بالحصيلة والنتائج، فكان المخرج عنه هو قِوى الممانعة والتماسيح والعفاريت التي تُقاوم التغيير.

وربما النسخة الثانية من هذا اللاهوت تؤسس لها رئيس الحكومة الحالية فاطمة الزهراء المنصوري التي تُمعن في تمجِيد الذات والنزوع نحو الاحتماء بالخطاب النَسوي.

والدليل أنه على إمداد ساعة من الجواب الحكومي على أسئلة المعارضة لم نسمع أي توضيح أو سياسة عمومية أو إجراءات حكومية، بقدر ما سمعنا دفاع عن الحزب واللهجة المراكشية والتمكُّن من القانون الدستوري.

نحن إذن أمام عودة بالزمن السياسي التنموي الى الوراء.