أكد محمد الزهراوي، مدير مختبر الأبحاث في القانون العام والدراسات القانونية والسياسية بالجديدة، أن المشروع الملكي الأطلسي يشكل رافعة استراتيجية لتعزيز تموقع المغرب إقليميا ودوليا، وتقوية حضوره في القارة الإفريقية، في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة وتزايد التنافس الدولي على الموانئ وممرات التجارة والربط الاقتصادي.
وأوضح الزهراوي، خلال مشاركته في الندوة الدولية حول “المشروع الملكي الأطلسي: التحولات الجيوسياسية والرهانات الاستراتيجية” التي احتضنها المركب الثقافي عبد الحي القادري بمدينة الجديدة بحر الأسبوع الجاري، أن هذا المشروع يقوم على تعزيز التعاون بين الدول الإفريقية، وتطوير البنيات التحتية للربط القاري، وترسيخ علاقات اقتصادية قائمة على المصالح المشتركة والاعتماد المتبادل.
وأشار المتحدث إلى أن الإعلان عن المشروع الأطلسي في 6 نونبر 2023 فتح نقاشا واسعا حول مرتكزاته الاستراتيجية، وفي مقدمتها الواجهة البحرية، والربط القاري، واستعادة المغرب لعمقه الإفريقي، فضلا عن استحضار المسارات التجارية التاريخية التي شكلت إحدى آليات التواصل بين المملكة وامتدادها الإفريقي.
وأضاف أن هذه المرتكزات تظل قائمة، غير أن التحولات الدولية الراهنة تفرض إعادة قراءة السياقات التي يتحرك ضمنها المشروع، بما يسمح بفهم رهاناته الجيوسياسية والاقتصادية، دون المساس بالأهداف الاستراتيجية التي أُعلن من أجلها.
استعادة العمق الإفريقي في سياق التحولات الدولية
وفي هذا السياق، استحضر الزهراوي الروابط التاريخية التي جمعت المغرب بعمقه الإفريقي، مبرزا أن القوافل التجارية التي كانت تعبر نحو السودان عبر السمارة تعكس امتداد العلاقات المغربية الإفريقية إلى مسارات الربط البري، وليس فقط إلى المجال الساحلي.
واعتبر أن المشروع الأطلسي يندرج ضمن مسعى المغرب إلى استعادة هذا الإرث التاريخي وتوظيفه في بناء علاقات إقليمية جديدة، بعيدا عن المنطق الاستعماري أو التوسعي، وعلى أساس التعاون والاعتماد المتبادل وتحقيق المصالح المشتركة.
وأكد أن المغرب يتجه نحو ترسيخ مقاربة قائمة على مبدأ رابح-رابح في علاقاته الإفريقية، من خلال تطوير المبادرات الاقتصادية والتجارية التي تتيح للدول المعنية الاستفادة من فرص الربط والتنمية وتعزيز اندماجها في المبادلات الإقليمية والدولية.
وربط المتحدث أهمية هذا التوجه بالتحولات الجيوسياسية والأزمات الدولية التي أعادت، بحسب تقديره، طرح إشكالية أمن سلاسل الإمداد واستمرارية الربط بين الدول، خاصة منذ جائحة كورونا، وما تلاها من اضطرابات اقتصادية وموجات غلاء امتدت آثارها إلى عدد من الدول المتقدمة، بما فيها دول أوروبية.
وأوضح أن هذه التطورات عززت الحديث عن عالم يتسم باللايقين، وأظهرت أن اضطراب المبادلات التجارية وسلاسل الإمداد لم يعد مقتصرا على الدول النامية، بل أصبح تحديا مشتركا يفرض البحث عن بدائل استراتيجية أكثر قدرة على ضمان انسيابية التجارة الدولية.
واعتبر أن الواجهة الأطلسية للمغرب يمكن أن تضطلع بدور مهم في مواجهة هذه التحديات، بالنظر إلى ما توفره من إمكانات للربط البحري والتجاري، وما يمكن أن تتيحه من فرص لتعزيز موقع المملكة داخل الشبكات الاقتصادية الدولية.
ميناء الداخلة الأطلسي وتعزيز التموقع الجيوسياسي للمغرب
وفي معرض حديثه عن الآليات العملية لتنزيل المشروع الملكي الأطلسي، توقف الزهراوي عند ميناء الداخلة الأطلسي، مشيرا إلى أن نسبة تقدم الأشغال به تجاوزت 70 في المائة، ومبرزا أهميته الاستراتيجية في ظل التنافس الدولي المتزايد على الموانئ والممرات البحرية.
وأوضح أن الموانئ لم تعد مجرد منشآت اقتصادية لتبادل السلع والبضائع، بل تحولت إلى نقاط ارتكاز استراتيجية ترتبط بحركة التجارة الدولية ونقل الطاقة، وتؤثر في موازين القوى الاقتصادية والجيوسياسية.
وأضاف أن ميناء الداخلة الأطلسي يمكن أن يعزز موقع المغرب ضمن شبكات الربط والتجارة الدولية، وأن يشكل منصة استراتيجية لربط إفريقيا بالأمريكيتين، بما يوسع الامتدادات الاقتصادية والتجارية للمملكة ويعزز حضورها في محيطها الإقليمي والدولي.
واعتبر أن أهمية هذا المشروع تتجاوز أبعاده الاقتصادية المباشرة، لتشمل رهانات أوسع تتعلق بتعزيز النفوذ الاستراتيجي للمغرب، وتطوير علاقاته مع الدول الإفريقية، وفتح آفاق جديدة أمام المبادلات التجارية والاستثمارات العابرة للحدود.
التنافس المغربي الجزائري وإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية
وفي ما يتعلق بالتنافس الإقليمي، شدد الزهراوي على ضرورة قراءة المشروع الأطلسي وميناء الداخلة في سياق التحركات الاستراتيجية التي تعرفها المنطقة، ومحاولات الدول تعزيز مواقعها وإيجاد بدائل للتعامل مع الصراعات والتحديات القائمة.
واعتبر أن المبادرة الأطلسية تأتي أيضا في سياق التنافس المغربي الجزائري، الذي يتجلى في تعدد المبادرات الرامية إلى تعزيز الحضور الإقليمي لكل طرف، مستحضرا في هذا الإطار مشروع أنبوب الغاز الرابط بين نيجيريا والمغرب، إلى جانب المبادرة الأطلسية التي تستهدف تعزيز الربط والتعاون بين الدول الإفريقية المطلة على المحيط الأطلسي والدول غير الساحلية المعنية بها.
وأشار إلى تصريحات للرئيس الجزائري بشأن مشروع أنبوب الغاز النيجيري، تساءل فيها عن الجدوى التي سيحققها المغرب من المشروع في حال استفادت الدول الأربع عشرة التي سيمر عبرها الأنبوب بنسبة 5 في المائة لكل دولة.
كما استحضر مسألة عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي، ضمن سياق التحركات الرامية إلى تعزيز حضور المملكة داخل المؤسسات القارية وتوسيع شراكاتها الإفريقية.
وبحسب الزهراوي، فإن التنافس المرتبط بمشروع أنبوب الغاز وما وصفه بمحاولات التشويش عليه دفع المغرب إلى تبني تصور أوسع لا يقتصر على الربط عبر الأنابيب، بل يشمل منظومة متكاملة من المبادرات الاقتصادية والتجارية والاستراتيجية، وهو ما يجسده المشروع الأطلسي.
وأضاف أن هذه المبادرة قد تسهم في إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، وتعزيز موقع المغرب في معادلات القوة بالمنطقة، في ظل تداخل عناصر التعاون والصراع التي تؤطر العلاقات المغربية الجزائرية.
المشروع الأطلسي ورهان بناء تكتل إفريقي أكثر استقلالية
وعلى المستوى الدولي، أبرز الزهراوي أن المشروع الأطلسي يكتسي أهمية خاصة في ظل احتدام التنافس بين القوى الكبرى على النفوذ داخل القارة الإفريقية، مشيرا إلى أن الدول الإفريقية ظلت في كثير من الحالات تواجه هذه القوى بشكل منفرد، الأمر الذي يحد من قدرتها على التفاوض وتحقيق مصالحها المشتركة.
واعتبر أن المبادرة الأطلسية تتيح فرصة لتطوير مقاربة تقوم على تعزيز التنسيق بين الدول الإفريقية، وتوسيع مجالات التعاون الاقتصادي والتجاري، بما يساعد على بناء تكتل إقليمي أكثر قدرة على التعامل مع التحولات الدولية والدفاع عن مصالح القارة.
ولفت إلى تعدد المشاريع الدولية المتنافسة في إفريقيا، بما فيها المشاريع التركية والصينية والروسية والأمريكية والإسرائيلية، إلى جانب الحضور الفرنسي الذي عرف تراجعا نسبيا في عدد من مناطق غرب إفريقيا.
وطرح المتحدث تساؤلات بشأن موقع المبادرات الإفريقية الذاتية ضمن هذا التنافس، ومدى قدرتها على الاستجابة لحاجيات القارة وتطلعات شعوبها، بدل الاقتصار على استضافة مشاريع القوى الكبرى أو الانخراط في شراكات لا تحقق بالضرورة النتائج الاقتصادية والتجارية المنتظرة.
كما انتقد محدودية النتائج التي حققتها بعض صيغ التعاون بين الاتحاد الإفريقي والقوى الدولية، معتبرا أن عددا من القمم التي تجمع الطرفين يغلب عليها الطابع السياسي والاستعراضي، دون أن تنعكس مخرجاتها دائما في شكل مكاسب اقتصادية وتجارية ملموسة.
وفي هذا الإطار، رأى أن المشروع الأطلسي يمكن أن يشكل فرصة لإعادة التفكير في آليات التكتل الإقليمي الإفريقي، وتطوير بدائل عملية لتعزيز التعاون بين الدول المعنية، خاصة في ظل تعثر اتحاد المغرب العربي وعدم تمكنه من تحقيق الأهداف التكاملية المنشودة.
الأمن الإقليمي ومواجهة التهديدات العابرة للحدود
وفي الجانب الأمني، أكد الزهراوي أن أهمية المشروع الأطلسي لا تقتصر على أبعاده الاقتصادية والتجارية، بل تمتد إلى معالجة التحديات المرتبطة بالإرهاب والجماعات المسلحة، في ظل تزايد الترابط بين الأمن الوطني والتطورات التي تشهدها البيئة الإقليمية والدولية.
وأوضح أن حماية الأمن القومي لم تعد مرتبطة بالحدود الوطنية وحدها، بالنظر إلى أن التهديدات الأمنية قد تنشأ خارج المجال الترابي للدولة، قبل أن تمتد آثارها إلى محيطها الإقليمي والدولي.
واعتبر أن تعزيز الحضور المغربي في دول الساحل وغرب إفريقيا يشكل أحد عناصر التعامل مع هذه التهديدات العابرة للحدود، مشيرا إلى أن هذا الحضور أتاح للمملكة، وفق تقديره، المساهمة في إحباط مخططات كانت تستهدف أمنها وأمن دول أخرى، بما فيها دول أوروبية.
وختم الزهراوي بالتأكيد على أن نجاح المشروع الملكي الأطلسي يظل رهينا بقدرته على ترجمة أهدافه إلى نتائج ملموسة في مجالات التنمية والربط القاري والتعاون الاقتصادي والأمن الإقليمي.
وشدد على أن تحقيق هذه الأهداف من شأنه أن يفتح آفاقا جديدة أمام الدول الإفريقية، ويساعدها على تجاوز عدد من الاختلالات التنموية والاقتصادية والأمنية، فضلا عن تعزيز قدرتها على مواجهة التحولات الجيوسياسية الدولية والدفاع عن مصالحها الاستراتيجية المشتركة.