أكد عبد العالي بنلياس، أستاذ القانون العام والعلوم السياسية بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن المساطر المرتبطة بتقديم البرنامج الحكومي ومناقشته أمام البرلمان تخضع للمقتضيات الدستورية والقانونية الجاري بها العمل، مشيرا إلى أن النقاش حول مدى احترام هذه المقتضيات يظل حاضرا في الأوساط الإعلامية والأكاديمية، في ظل التداخل بين الزمن السياسي والزمن الدستوري.
وأوضح بنلياس، خلال استضافته في برنامج “صدى الأحداث” الذي تبثه قناة “MEDI 1 TV”، أن الزمن السياسي قد يمارس ضغطا على الزمن الدستوري، غير أن المسار الحكومي يظل مؤطرا بمحطات دستورية وقانونية محددة، مبرزا أن القانون التنظيمي المتعلق بالحكومة يمنحها صلاحية إعداد برنامجها وعرضه على مجلس النواب، فيما تنص القواعد الداخلية للمجلس على عدم الشروع في مناقشته إلا بعد مرور ثلاثة أيام، على ألا تتجاوز مدة المناقشة خمسة أيام.
وأضاف المتحدث أن الحكومة الحالية لا تندرج ضمن إطار حكومة تصريف الأعمال، باعتبارها حكومة معينة ومنصبة، موضحا أن القانون التنظيمي المتعلق بالحكومة يتيح اتخاذ القرارات المرتبطة بتفويض الإمضاء وتفويض الاختصاص، بما يضمن استمرارية المرفق العمومي وانتظام سيره.
وأشار بنلياس إلى أن المسار الدستوري لتنصيب الحكومة سيستكمل بعد المصادقة على برنامجها من طرف مجلس النواب، لتنتقل بعد ذلك إلى عرض مشروع قانون المالية على البرلمان ومناقشته، في إطار استكمال الإجراءات المرتبطة بممارسة الاختصاصات الحكومية.
الاستقالات وحالات التنافي.. مساطر قانونية محددة
وفي ما يتعلق بالاستقالات المرتبطة بتولي المسؤوليات الحكومية، أوضح أستاذ القانون العام والعلوم السياسية أن القانونين التنظيميين المتعلقين بمجلس النواب والحكومة يحددان حالات التنافي والإجراءات الواجب اتباعها عند قيامها.
وبحسب بنلياس، يقدم المعني بالأمر استقالته عند تحقق حالة التنافي، قبل أن يحيل رئيس مجلس النواب الملف على المحكمة الدستورية، التي تتولى الإعلان عن شغور المقعد النيابي، تمهيدا لاستدعاء المترشح الذي يلي المعني بالأمر في ترتيب اللائحة الانتخابية المعنية.
واعتبر المتحدث أن هذه المسطرة لا تطرح، من وجهة نظره، إشكالا قانونيا أو أخلاقيا أو دستوريا، ما دامت تتم وفق الإجراءات والضوابط المنصوص عليها في القوانين الجاري بها العمل.
البرنامج الحكومي بين الاستمرارية والقطيعة
وبخصوص مضامين البرنامج الحكومي، أكد بنلياس أن الدستور يحدد المجالات الأساسية التي ينبغي أن يشملها، وفي مقدمتها المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية والخارجية.
وأوضح أن البرنامج الحكومي يتضمن نسخة مختصرة في 34 صفحة، وأخرى مفصلة في 134 صفحة، تتضمن المرجعيات والمرتكزات والأولويات التي تستند إليها الحكومة في تحديد توجهاتها والتزاماتها. غير أنه سجل أن بعض الأهداف الواردة في البرنامج لا تزال بحاجة إلى مزيد من الوضوح، خصوصا فيما يتعلق بتحديد الآجال الزمنية لتنفيذها، رغم ارتباطها بالولاية الحكومية ومراحل تنزيلها.
ولفت بنلياس إلى أن التوظيف السياسي للبرنامج الحكومي يظل حاضرا في الممارسة السياسية، بالنظر إلى أن السنوات الأخيرة من الولاية الحكومية غالبا ما تشهد تركيزا على إبراز المنجزات والدفاع عن الحصيلة، استعدادا للاستحقاقات الانتخابية.
وفي قراءته للمرتكزات الأساسية للبرنامج، أبرز أن التوجه الحكومي يقوم على الجمع بين الاستمرارية والقطيعة؛ إذ ترتبط الاستمرارية بمواصلة الأوراش الكبرى التي تتجاوز مدتها الزمن الحكومي والبرلماني، فضلا عن استكمال المشاريع التي أطلقتها الحكومة السابقة، وفي مقدمتها ورش الحماية الاجتماعية.
في المقابل، ترتبط القطيعة، وفق المتحدث، بمعالجة الجوانب السلبية التي أظهرها تقييم حصيلة الحكومة السابقة، والتي تعهدت الحكومة الحالية بتداركها، بما يسمح بتصحيح الاختلالات المسجلة في تدبير عدد من الملفات العمومية.
القدرة الشرائية والبطالة وإصلاح المؤسسات في صلب الأولويات
وأكد بنلياس أن قضايا القدرة الشرائية للمواطنين والبطالة والتعليم والصحة والسيادة الطاقية تحظى بإجماع نسبي داخل الخطاب السياسي المغربي، سواء لدى أحزاب الأغلبية أو المعارضة، رغم اختلاف المقاربات ودرجة حدة الخطاب بشأن سبل معالجتها.
وأضاف أن ترتيب الأولويات الحكومية يثير بدوره مسألة استعادة ثقة المواطنين في المؤسسات، خاصة في ظل ضعف المشاركة الانتخابية، التي بلغت 38 في المائة، وفق المعطى الذي أورده خلال حديثه.
وشدد المتحدث على أن استعادة هذه الثقة لا يمكن أن تتحقق دون إصلاح المؤسسات ومحاربة الريع وتضارب المصالح، معتبرا أن معالجة هذه الملفات تشكل مدخلا أساسيا لتعزيز مصداقية العمل السياسي والمؤسساتي وتقوية العلاقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة.
وفي سياق متصل، أوضح بنلياس أن الأحزاب السياسية تمارس أدوارها انطلاقا من موقعها داخل الأغلبية أو المعارضة، وهو ما يتيح تعدد المقاربات بشأن مناقشة البرنامج الحكومي وتقييم اختياراته، سواء على مستوى الأولويات أو آليات التنفيذ.
وتوقف المتحدث عند تأكيد رئيسة الحكومة، ضمن البرنامج الحكومي وفي ردها على تدخلات رؤساء الفرق والمجموعات النيابية بمجلس المستشارين، الطابع السياسي للحكومة، معتبرا أن هذا المفهوم يرتبط أساسا باعتماد رؤية سياسية واضحة في التعاطي مع القضايا الاجتماعية والاقتصادية.
وبحسب بنلياس، فإن الحكومة السياسية لا تقتصر على تدبير الشأن العام وتنفيذ الإجراءات الإدارية، بل تقوم أيضا على اختيارات وتوجهات سياسية تؤطر القرارات العمومية وتحدد أولويات التدخل الحكومي، بما يجعل البرنامج الحكومي تعبيرا عن رؤية سياسية في تدبير الملفات الاقتصادية والاجتماعية ومواجهة التحديات المطروحة.