محسن الندوي
وجهة نظر

المخزون الاستراتيجي للمغرب: خمس سنوات من التأخر ومخاطر حرب إقليمية كبرى

في الخطاب الملكي بتاريخ 8 أكتوبر 2021، وفي سياق الأزمة الوبائية وما كشفته من هشاشة سلاسل التوريد وصعوبة تأمين المواد الأساسية، دعا الملك محمد السادس أعزه الله، إلى إحداث منظومة وطنية متكاملة للمخزون الاستراتيجي للمواد الأساسية، ولاسيما الغذائية والصحية والطاقية، مع التحيين المستمر للحاجيات الوطنية. غير أن هذا التوجيه لم يكن مرتبطا بالأزمة الوبائية وحدها، بل كان يؤسس لهدف استراتيجي دائم يتمثل في تعزيز الأمن الوطني وقدرة المغرب على مواجهة مختلف الأزمات.

وبعد خمس سنوات، وفي ظل تصاعد التوترات الدولية واحتمال اندلاع حرب إقليمية كبرى، تتأكد أهمية هذا الهدف أكثر من أي وقت مضى. ففي خطابه السامي بتاريخ 9 أكتوبر 2026، دعا الملك محمد السادس أعزه الله من جديد قائلا :”كما ندعو من جديد، إلى التعجيل بتطوير قدرات المملكة، في مجال الاحتياطات الاستراتيجية، وتأمين توريد المواد الأساسية.”

و ذلك للتأكيد على ضرورة التعجيل بتطوير قدرات المملكة في مجال الاحتياطات الاستراتيجية وتأمين توريد المواد الأساسية. إن تجديد هذه الدعوة الملكية يطرح تساؤلات جدية بشأن حصيلة الحكومة السابقة ومدى تقدمها في تنفيذ هذا التوجيه. فالهدف الاستراتيجي المتمثل في إرساء منظومة وطنية متكاملة وفعالة للاحتياطات الاستراتيجية لم يتحقق، الأمر الذي يستدعي الوقوف عند أسباب هذا التأخر وتسريع وتيرة العمل لتدارك النقص في هذا المجال الحيوي.

ولا يتعلق الأمر بمجرد تدبير اقتصادي أو إجراء احترازي عابر، بل بركيزة أساسية من ركائز الأمن الوطني. فالمخزون الاستراتيجي لا يقتصر على تخزين كميات من السلع، وإنما يقوم على منظومة متكاملة تشمل تحديد الحاجيات الوطنية، وتأمين مخزونات كافية من المواد الأساسية، وضمان استمرارية التوريد، وتنويع مصادر الاستيراد، وتطوير قدرات التخزين والتوزيع، ووضع خطط عملية للتدخل في حالات الطوارئ.

وتتضاعف أهمية هذه المنظومة اليوم في ظل التوترات المتصاعدة في منطقة ” الشرق الأوسط”، واحتمال اندلاع حرب إقليمية كبرى قد تتجاوز تداعياتها أطراف الصراع لتطال مختلف الدول العربية، ومنها المغرب. فالحروب الحديثة لا تقتصر آثارها على المواجهات العسكرية، بل تمتد إلى أسواق الطاقة والتجارة الدولية وسلاسل التوريد والممرات البحرية التي تشكل شرايين حيوية للاقتصاد العالمي.

وفي هذا السياق، فإن إغلاق مضيق هرمز أو تعطيل الملاحة في ممرات بحرية استراتيجية أخرى، بالتزامن مع احتمال استهداف المنشآت النفطية، قد يؤدي إلى اضطراب إمدادات الطاقة وارتفاع أسعار النفط والغاز، وزيادة تكاليف النقل والتأمين، فضلا عن انعكاس ذلك على أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية. وقد تجد الدول المستوردة نفسها أمام ضغوط متزامنة تشمل ارتفاع فاتورة الواردات، وصعوبة تأمين بعض الإمدادات، وتزايد الأعباء على الميزانية العامة والقدرة الشرائية للمواطنين.

والمغرب ليس بمنأى عن هذه المخاطر، بحكم اعتماده على الأسواق الدولية في توفير عدد من حاجياته الأساسية، وفي مقدمتها القمح الذي يستورد أكثر من 70% من احتياجاته لتغطية الاستهلاك الوطني، في المواسم التي تعرف انخفاضاً كبيراً في المحصول المحلي.فاضطراب إمدادات الحبوب أو ارتفاع أسعارها في الأسواق العالمية، بالتزامن مع ارتفاع أسعار الطاقة، قد يضاعف الضغوط على الاقتصاد الوطني والقدرة الشرائية للمواطنين، خصوصا إذا استمرت الأزمة لفترة طويلة.

ولا تتوقف المخاطر عند الحبوب، بل تمتد إلى اللحوم الحمراء والأبقار الحية المستوردة لتغطية حاجيات السوق الوطنية. فقد كشفت وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات أن 37 شركة شاركت في عمليات استيراد الأبقار الموجهة للذبح خلال سنة 2026، وأن البرازيل استحوذت على أكثر من 90 في المائة من إجمالي الرؤوس المستوردة، في إطار التدابير الرامية إلى ضمان تموين الأسواق الوطنية باللحوم الحمراء والمساهمة في استقرار أسعارها.

وتكشف هذه المعطيات عن تركيز كبير لمصادر التوريد، وهو ما يطرح تحديا إضافيا أمام الأمن الغذائي المغربي. فحتى إن كانت طرق الشحن القادمة من البرازيل بعيدة عن مضيق هرمز، فإن تداعيات حرب إقليمية كبرى قد تمتد إلى أسواق الطاقة والنقل البحري والتأمين والأعلاف، بما قد يرفع تكاليف استيراد الأبقار وينعكس على أسعار اللحوم الحمراء. ومن ثم، فإن تعزيز القطيع الوطني لا يمثل مجرد خيار اقتصادي، بل يشكل جزءا من سياسة استباقية للحد من مخاطر الاعتماد المفرط على الأسواق الخارجية.

إن الاستعداد لهذه السيناريوهات لا ينبغي أن يبدأ عند اندلاع الحرب أو ظهور النقص في الأسواق، بل يجب أن يسبق الأزمة من خلال سياسة واضحة ومتكاملة. ويقتضي ذلك بناء منظومة وطنية للاحتياطات الاستراتيجية تشمل الحبوب والمواد الغذائية الأساسية، والأدوية والمستلزمات الطبية، والمحروقات ومصادر الطاقة، مع تحديد مستويات المخزون الضرورية لتغطية الحاجيات الوطنية خلال فترات الاضطراب، وفق دراسات دقيقة تراعي حجم الاستهلاك ومدد التوريد وطبيعة كل مادة وأهميتها الحيوية.

كما يستوجب الأمر تعزيز الإنتاج الوطني، وتطوير قدرات التخزين، وضمان التجديد المنتظم للمخزونات وتوزيعها عند الضرورة. ولا يكفي اتخاذ تدابير قطاعية متفرقة، لأن مواجهة الأزمات الكبرى تتطلب تنسيقا فعليا بين القطاعات الحكومية والمؤسسات المعنية والفاعلين الاقتصاديين، في إطار رؤية وطنية موحدة تحدد المسؤوليات وآليات التمويل والمراقبة والتدخل.

ومن هنا، لم يعد مقبولا أن تكتفي الحكومة بإعلان أرقام المستوردين وحجم الأبقار المستوردة، أو بتدبير الخصاص عبر الاستيراد المتكرر، بل أصبح لزاما عليها الانتقال من سياسة استيراد العجز إلى سياسة إنتاج الاكتفاء وتحقيق السيادة الغذائية. فالمطلوب ليس فقط إحصاء الشركات التي تستورد الأبقار، وإنما وضع استراتيجية وطنية واضحة لتعزيز القطيع الوطني،ومعالجة أسباب تراجع الإنتاج، وتقليص التبعية للأسواق الخارجية، بأهداف محددة وآجال معلنة وآليات للمحاسبة. فبدلا من أن يظل المغرب سوقا لاستيراد الأبقار واللحوم، ينبغي أن يجعل من إعادة بناء قطيعه الوطني رافعة لتحقيق الاكتفاء الذاتي، وصولا إلى مرحلة يصبح فيها قادرا على التصدير بدل الارتهان للاستيراد. فالأمن الغذائي لا يتحقق بتأمين الواردات وحدها، بل ببناء قدرة وطنية مستدامة على الإنتاج.

لقد أثبتت الأزمات الدولية المتعاقبة أن الأمن الاقتصادي لا ينفصل عن الأمن الوطني، وأن الاعتماد المفرط على الخارج في توفير الحاجيات الأساسية قد يتحول، في ظروف الحرب أو اضطراب الممرات البحرية أو تعطل سلاسل التوريد، إلى مصدر ضغط استراتيجي. لذلك، ينبغي أن يكون بناء مخزون استراتيجي فعال جزءا من سياسة وطنية أوسع ترمي إلى تحقيق الأمن الغذائي والطاقي والصحي، وتعزيز الإنتاج الوطني، وتقوية قدرة الاقتصاد المغربي على الصمود أمام الصدمات الخارجية.

وفي الختام، إذا كان المغرب يطمح إلى الارتقاء إلى مصاف الدول الصاعدة، باعتباره دولة-أمة تسعى إلى تعزيز مكانتها الإقليمية والدولية وترسيخ استقلالها الاستراتيجي، فإن تحقيق السيادة الغذائية وتأمين الاحتياطات الاستراتيجية للمواد الأساسية ينبغي أن يشكلا أولوية وطنية لا تقبل التأجيل. فكيف يمكن للمغرب أن يحقق طموحه التنموي ومكانته بين الدول الصاعدة، بينما يظل أمنه الغذائي عرضة لتقلبات الأسواق الدولية وتداعيات الحروب والأزمات؟ وإلى متى سيظل استيراد جزء مهم من حاجياته الغذائية عائقا أمام تحقيق الاكتفاء الذاتي والسيادة الغذائية؟

إن بناء دولة قوية لا يقتصر على التطور الصناعي والاقتصادي، بل يستند أيضا إلى قدرتها على تأمين غذاء مواطنيها وحاجياتهم الأساسية، والصمود أمام الأزمات مهما كانت مصادرها. فلا سيادة سياسية مكتملة دون أمن غذائي، ولا استقلال استراتيجي حقيقي في ظل التبعية الاقتصادية وضعف الاستعداد لمواجهة الأزمات.